الحسين (ع) ثورة حق في الفكر المسيحي .
----------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد المرسلين ورحمة الله لعالمين محمد وعلى آله الطيبين وأصحابه المنتجبين .
لقد مر على عالمنا الإسلامي منذ بعثة حبيب الخلق ونبي الرحمة , إلى هذه الأمة التي كانت تئن تحت وطأة الشرك , وعبادة الأوثان ينتهب بعضهم بعضا , ويتقاتلون لأتفه الأسباب , ويشنون حروبا جاهلية مثلهم ..
وكانوا في شتات وسلب ونهب , لم يضعوا أساسات لتلك الحياة الجاهلية , وكانوا تائهين بلا هدى .
وببزوغ فجر الإسلام , انتصر الحق على الباطل وعرف الضال والمؤمن, المهتدي من غير المهتدي .
وقد صارع الإسلام جماعات لا تعرف لغة التخاطب ولا التوادد , وكان الإسلام في بداية عهده يدعو الناس إلى طريق الحق وشهادة " ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله " ..
وقد عانى المسلمون الأولون من مصاعب الحياة وكثرة العدو حولهم , إلا من فئة قليلة كانت حول رسول الله وعلى آله وأصحابه وسلم ) ..
وكان لأهل بيته المكان الأسمى في قلب رسول الله (ص) محبة وتعلقا وخوفا على عترته الطاهرة .
وأنا هنا من العاجزين عن ذكر مناقب هذا البيت الطاهر . ولكنني أنتهل منهم وجداني وآمالي كغريق يتعلق بالحياة ..
فآلـ بيت محمد هم نبراس لكل مؤمن ومؤمنة . كيف أسئ إلى هذا البيت الكريم , إلى هذه السفينة التي من ركبها نجى , ومن تخلى عنها هلك ..
وأدخل هنا بحديثي هذا المتواضع مباشرة إلى واقعة كربلاء , التي كسرت عناوين القهر , وتحير بها الفكر الإنساني والأخلاقي .
والتي أصبحت تلك الواقعة منارا للحق , وثورة على الباطل والظلم , بمقتل حبيب رسول الله وريحانته , وكيف امتدت يد الأرجاس على النحر الطاهر الذي طالما قبله حبيب الخلق وسيد الرسل (ص) ..
وكما قال عليه الصلاة والسلام :
" الحسن والحسين سيدا شباب الجنة وريحانتاي أحب من أحبهما "
نعم : لقد أوجعوا نبي الرحمة وخالفوه في محبة آل بيته , وطيبوا خاطره بقتل أحب الناس لديه , وبرروا العهد الذي قطعوه على محبة الرسول وآل بيته (ص) إلى عدوان مدبر , وحقد استشرى في عقولهم ودماءهم . أرادوا بكربلاء أن يعلنوا للعالم وعلى مشهد من الناس أنهم أعداء لله ولرسوله (ص) .
ومما شدني للكتابة في هذا الموضوع , وأخجلني أن من إخواننا المسيحيين في عالمنا الحاضر هذا , من يقول كلمة الحق وينتقد ما فعله مسلمونا بابن بنت نبيهم .
إن هذا الرجل الذي أجل فيه مروءته وعدالته الأخلاقية والإنسانية , على استنكاره بما فعلوا بشهيد كربلاء الحسين بن علي (عليهما السلام) , وتعجب من تلك الأعمال الشائنة التي أساءت إلى دين رسول الله(ص) .
وعندما ضربوا سهامهم ووجهوا سيوفهم ورماحهم , كانت مع كل الأسف موجهة إلى صدر رسول الله (ص) وإلى دين رسول الله , فقد أثارهذا الموقف حفيظة هذا الكاتب المسيحي , وأنكر أن يكون مثل هذا الغدر في قوم عيسى (ع) ..
هذا الرجل هو الكاتب الأستاذ ( أنطوان يارا ) من أهل دين عيسى (ع) , وصاحب كتاب " الحسين في الفكر المسيحي " .
وهنا أشير إلى القارئ الكريم جانب من شخصية الحسين (ع) وثورته , التي كانت درسا للبشرية جمعاء , مثل ما هو (ع) ليس خاصا لطائفة دون أخرى , ولا دينا دون دين .
وفي الفكر المسيحي أن شخصية الحسين (ع) وثورته , هي رؤية إنسانية .
إن ثورة الحسين (ع) وواقعة كربلاء , لم تكن موقعة عسكرية انتهت بانتصار وانكسار , بل كانت رمزا لمواقف أسمى لا دخل له بالصراع بين القوة والضعف , ولا بين العضلة والرماح , بقدر ما كانت بين الشك والإيمان بين الحق والظلم . وقد أثبتت أن هؤلاء القوم مازالوا على دين الجاهلية .
نعم الحسين (ع) آثر صلاح أمة جده الإنسانية الهادية بالحق , العادلة به على حياته . وكان في عاشوراء رمزا لضمير الأديان على مر العصور .
والحالة الحسينية ليست مقتصرة على الشيعة فحسب , ولذلك نجد ارتباطها بدأ من مقارعة الظلم وجعلها أقرب إلى الجميع أيا كانت ديانته أو عقيدته .
لأنه ما دام الظلم موجودا فالمظلوم موجود حتما . وما دام هناك يزيد والحسين كرمزين أساسيين لكل من الجهتين .
إن المظلومية الحقة اتسمت بها ثورة الحسين عليه السلام , هي ثورة كربلاء التي جعلها شعلة لطلاب الحق وأنصاره . نجعلها أكثر جدية للوقوف على حقائق ثورة الحسين .
وما يضيفه الفكر المسيحي إلى استشهاد الإمام (ع) في واقعة كربلاء أم الثورات والصوت الصارخ . أينما كان من أبعاد استخلاصها من تلك الثورة الجبارة , أن المسيحيين ينكرون تلك الأفعال المشينة المخالفة لتعاليم الإسلام , من تجييش جيش جبار على ابن سيدة نساء العالمين (ع) وسبط الرسول الكريم (ص) على نيف وثمانين من أصحابه وأهل بيته (ع) .
فهذا هو الخزي والعمل الجبان الذي ينكره من هم ليسوا من ديننا ولا من عقيدتنا , بل ويأخذ هؤلاء المسيحيون من ثورة الحسين (ع) صرحا أخلاقيا ساميا ليرتقون به إلى قمة الأدب والإنسانية في عالمنا الحاضر .
وكلمة حق جاءت على لسان مسيحيين , لتكون شاهدا على أمة محمد (ص) ومن ادعوا بأنهم مسلمون ...
جعلنا الله وإياكم في زمرة رسول الله وآله (عليهم السلام ) ..
وجعل خواتيم أعمالنا حب رسول الله وآله (عليهم الصلاة والسلام ) ..
والسلام على من اتبع الهدى وسلك سبل الرشاد .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
بقلم : محمد شرف المدلي
عمدة التوبي السابق