د . عماد صبحي
GMT 11:45:00 2006 الأحد 8 أكتوبر
doctor@emadsobhi.com
حكاية قديمة تروى عن فتاة في مقتبل العمر أصابها مرض غامض احتار فيه الأطباء، فراح جسدها الرقيق يذبل ووجهها الجميل يشحب، راقدة على فراشها وقد وهن منها الجسد وغاضت من ملامحها الحيوية . واذ طال بها المرض لجأ الوالدين الى كبير أطباء وحكماء ذلك العصر الشيخ الرئيس ابن سينا الطبيب الحكيم وواضع أسس الطب للعالم من وقتها وحتى اليوم. جاء ابن سينا وسط حشد من تلاميذه ومريديه، وبإشارة من يده أوقفهم أمام باب غرفة الصبية، ودلف الى الغرفة حيث تأمل الفتاة مليا ثم قام بفحص أطرافها وتحسس نبضها وراقب تنفسها، بعدها خرج الى الوالدين حيث قدم اليهما طلبا غريبا. طلب قائمة بأسماء شباب الجيرة بالكامل ! ومع اندهاشهما وعدم فهمهما لطبيعة الطلب قاما بتنفيذه . دخل الشيخ الرئيس ابن سينا مرة أخرى الى الفتاة المريضة وبيده قائمة الأسماء، ثم أمسك بمعصمها وهو يراقب نبضها . كانت الصبية ترمقه بعيون متعبة أرهقهما الأرق والقلق، وقد تهدلت خصلات من شعرها الناعم على وجهها الناحل وحول رأسها الصغير . راح ابن سينا يقرأ من القائمة اسما بصوت عال ثم ينتظر مراقبا النبض، ثم يتلوه بآخر مكررا نفس الشيء، وعند اسم معين راح النبض يتقافز تحت أصابع النطاسي الحكيم، وبنظرة الى العيون الذابلة التي اكتست بلمعة مفاجئة استطاع ابن سينا أن يشخص المرض الغامض، فقام من فوره الى الوالدين ليخبرهما أن فتاتهما في حالة عشق وأن حبيبها هو صاحب ذلك الاسم من أبناء الجيران، واقترح عليهما العمل على تزويجهما لكي تشفى الفتاة مما أصابها .
هذه الحكاية الطريفة تعطي نموذجا لتأثير الحالة النفسية على الجسد، فعندما تعاني النفس يمرض الجسد، وعندما يصارع العقل فوق تحمله من الضغوط والمشاكل يعبر الجسد عن هذا الصراع بأعراض وأمراض عضوية جسدية . اذن فالمرض النفس جسدي هو حالة تصيب الذهن والجسد . والحقيقة أن معظم الأمراض هي نفس جسدية لأنها تصيب الجسد والنفس معا، فهناك جانب ذهني لكل مرض عضوي . وكيفية استجابتنا وتعاملنا مع أي مرض تختلف بشدة من شخص لآخر، فمرض جلدي يصيب المريض بحبوب أو بحكة قد يقود الشخص الى الاكتئاب فيصبح أكثر مرضا . ومرض نفسي قد يؤثر على الجسد عضويا عندما يشعر المريض بفقدان الشهية وعدم الرغبة في الأكل فيهزل الجسد وتنتابه الأمراض.
وتعبير المرض النفس جسدي يستعمل عادة لوصف مرض عضوي يعتقد أن سببه عوامل نفسية أو قد يتفاقم بسبب الحالة النفسية . وبعض الأمراض العضوية تزيد حدتها عن طريق عوامل نفسية مثل الضغوط والقلق والاحساس بالتعاسة .
نماذج من الأمراض النفس جسدية :
وعلى سبيل المثال فان أمراض الصدفية والاكزيما وقرحة المعدة وضغط الدم العالي وأمراض القلب والقولون العصبي والاسهال والصداع وبعض الآلام العضلية وآلام الظهر هي نماذج للأمراض النفس جسدية، كما يعرف المرضى الذين يعانون من أمراض عضوية أن حالتهم النفسية يمكن أيضا أن تؤثر في حالتهم المرضية سلبا وايجابا .
تأثير العقل على المرض العضوي
من المعروف جيدا أن العقل يمكن أن يسبب أعراضا عضوية، مثلا في حالة الخوف أو القلق تزيد ضربات القلب وتزداد قوتها، ويشعر الانسان بالغثيان، وقد يشعر برعشة وعرق وجفاف في الفم وألم في الصدر وصداع وانقباض في المعدة ويزيد معدل التنفس . هذه الأعراض العضوية تكون بسبب زيادة في تدفق النبضات العصبية التي يرسلها المخ الى مختلف الأعضاء في الجسم، وبسبب إفراز الجسم لهورمون الأدرينالين الى مجرى الدم في حالة التوتر والقلق .
ولكن الطريقة التي يسبب بها العقل أمراضا عضوية مثل حبوب الجلد والحكة وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وغيرها غير معلومة بالضبط. ولكن هناك بعض الأدلة على قدرة المخ على التأثير في الجهاز المناعي مما يؤدي الى الاصابة بالأمراض العضوية الجسدية .
وقد يعود المرض الى عوامل عدة، فيحدث نتيجة لعوامل اجتماعية أو بيئية أو نتيجة لأسباب جينية أو وراثية، وهكذا نجد بعض الأمراض وقد اختصت عائلات معينة . كما تتسم بعض العائلات بطبيعة معينة في كبت المشاعر مما يظهرها في حالة أعراض عضوية . ويتعلم الأطفال من أهاليهم هذه التصرفات التي تستمر في الظهور في حياتهم كبالغين . ويعتقد البعض أن شخصياتنا هي العامل الرئيسي في تحديد نوع المرض الذي يصيبنا، والنموذج لهذه الحالة هو الشخصية "A" التي تميل الى أن تكون طموحة ومتعجلة وتضع لنفسها مستويات مرتفعة من الطموح والتوقعات، وأصحاب هذه الشخصية يكون لديهم الاستعداد للاصابة بالأزمات القلبية . والأشخاص المتميزون بالهدوء والانغلاق على النفس مع الميل الى عدم الاعلان عن مشاعرهم ومخاوفهم وقمع عواطفهم يكون لديهم الميل للاصابة بالسرطان .
ولكن ظهور المرض في وقت معين لايزال أمرا غامضا، فقد يكون تداخل العوامل المذكورة سابقا هو الذي يحفز ظهور المرض، وقد تكون الضغوط الناتجة عن مشاكل شخصية في العمل أو المنزل أو معاناة حزن كبير هو العامل الذي يتسبب في ظهور المرض . ونحن نعلم أن بعض أحداث الحياة مثل الانتقال من منزل لآخر أو الطلاق أو الأحزان الضخمة يمكن أن ينتج عنها أمراضا عضوية . وبالمثل فان مرضا موجودا بالفعل يمكن أن يسوء بسب هذه الضغوط .
علاج الأمراض النفس جسدية
لكل مرض احتمالات مختلفة في العلاج، والمرض العضوي له علاجات عضوية مثل الأدوية والعمليات الجراحية، ولكن الطبيب الحاذق ينظر إلى الحالة بتكامل آخذا في الاعتبار الحالة الذهنية والعوامل النفسية التي تتدخل في المرض، لذا فان علاج التوتر والضغوط والقلق والاكتئاب يؤثر بفاعلية في علاج الأمراض العضوية .
ويعرف الأطباء جيدا أهمية التعامل مع العوامل النفسية والاجتماعية وعلاقتها بالمرض العضوي، ونتيجة لذلك يجب على الأطباء أن يتعاملوا مع الشخص ككل وليس كمرض أو مجموعة من الأعراض المرضية فقط، وهذا يستدعي أخذ كل العوامل السابقة في الاعتبار . ويعتقد بعض المرضى أن الأطباء يفكرون فقط في مرضهم العضوي دون دراسة العوامل النفسية والاجتماعية المرتبطة بالشخص نفسه والتي قد تكون مؤثرة في اصابته بالمرض. إن إجتهاد الطبيب في فهم مريضه وكل ما يحيط به من عوامل نفسية واجتماعية قد يساعده ومريضه في عملية التقدم نحو الشفاء وهو الهدف المرجو للطبيب والمريض على حد سواء . ويعني هذا أن يمنح المريض الوقت الكافي لكي يحدث طبيبه عن مشاعره وأحاسيسه وكل مايدور في ذهنه. ويكون من المفيد للطبيب النظر في كل نواحي حياة الشخص المريض حتى يمكنه معرفه أنواع الضغوط النفسية التي قد تكون مؤثرة في احداث المرض، ومن ثم يعلّم مريضه بعض التقنيات التي يستطيع بها الانتصار على هذه الضغوط، كما يمكن من خلال ذلك أن يتعرف على العوامل المؤثرة الأخرى في مسار المرض مثل نظام طعامه ونشاطه البدني .
خلاصة القول أن المرض هو حالة تنتاب الجسد والنفس، وقد تعاني النفس فيستجيب الجسد بالمرض العضوي، وقد يعاني الجسد فتعاني النفس من الاكتئاب والقلق . والنفس والجسد هما تعبيران مختلفان متكاملان عن الإنسان الواحد ويجب النظر اليهما معا عند علاج المرض، ولكن الجسد الضعيف هو الذي يدفع دائما ثمن سمو النفس ومعاناتها، أو كما قال الامام الشافعي : "اذا كانت النفوس كبارا .. تعبت في مرادها الأجساد" .. فهل ترحم النفوس الأجساد ؟