قرأنا عن هوايات غريبة مثل أن يهوى الإنسان جمع قوارير العطور الفارغة ويزرع الورد في المطبخ، ومن يتلذذ بتمرير جهاز “الإستشوار” وهو حار على أطراف أصابعه وفي نفس الوقت يأكل عنب وبرقوق ! وسمعنا كذلك عن من يغني قصائد ” محمد مهدي الجواهري “وهو يشاهد فلم هندي ! الذي لم يدونه العالم بعد هو من يهوى أن يستيقظ من النوم وأول مايفعله أن يرسل ” عزيزي الطالب سوف يتم إيقاف الصرف عليك إذا … ” !
تنقسم إيميلات الملحقية المرسلة للطلاب إلى ثلاثة أثلاث، ثلث تنبه فيه الطلاب بمواعيد إجازاتها، وثلث لإنذار الطلاب بإيقاف الصرف، وثلث لإعلان الوظائف !
أما مواعيد إجازات الملحقية ” اللهم لاحسد ” ، فمستعد للتبرع بربع المكافأة وأعرف ما الفائدة الحقيقية من إشعاري كطالب بهذه المعلومة إذا كنت في مشرق كندا أو مغربها، فإذا كان تحسباً لإتصالات الطلاب .. فهي بحق نكتة الموسم إذا علمنا أن بعض الموظفين لا يردون على الهاتف أكثر أيام السنة !
أما إعلان الوظائف، فترسل خمس أو ست مرات طبعاً “خوفا من أن تطير الوظائف ” التي لم يقدم عليها أحد!، لكن ” معليش” لا بأس نمررها ،، مع أني مؤمن بأن إيميلاً واحداً يتم إرساله يكفي وزيادة، وأصدقكم القول حاولت مرة لحظة ” نرفزة ” أن أعيد إرسال رسالة للمرسل وأقول له فيها : أقسم بالله العظيم، على كتابه الكريم أن تخصصي ليس له علاقة بالأمراض المتفشية ولا الأمراض المعدية، ولم أدرس الخلايا ولا الميكروسومات إلا في الثانوي، ولم أتخصص في القانون ولا المحاماة وماعمري حفظت قوانين سوى قوانين وزارة التعليم العالي وعندي فيها إجازة بقرائتين مختلفتين ملحقية ابن حفص ، ووزارة بن ورش !
أما ثالثة الأثافي، فهي .. رسالة إيقاف الصرف ! رسالة العشق الذي لاينتهي .. !
هناك إعتقاد سائد عند كثير من الطلاب مفاده أن هناك مكافأة داخلية للمشرفين لمن يحقق أكبر عدد ” إيقاف صرف ” في السمستر، لذلك التنافس يبدو في أوجه ! طبعاً أنا أحدثكم عما يتكلم به الطلاب بغض النظر عن صحته ! .. اعتقاد آخر، يقولون أن هذه الرسالة أتوماتيكية ترسل كل يومين تحت عنوان ” إغتيال لحظات الفرح ” !
أتذكر يوماً ، أن بعض الطلاب تحدثوا مع الملحقية بأن صيغة رسالة ” التهديد بإيقاف الصرف” تبدو قاسية و بحاجة لإعادة نظر وصياغة، فاستجابت الملحقية مشكورة وغيرت الصيغة من ( وإلا سيتم إيقاف الصرف عليك ) إلى ( ليتم إستمرار الصرف عليك وعدم توقفه ) يعني زعيط أخوي معيط !
تماماً كقصة الطالب الشهيرة صاحب الرسوب المتكرر في مادة التعبير بسبب ” الجمل “! فهذا الطالب لديه تقارب وجداني مع الجمل لأنه سفينة الصحراء ..!! يذكر ذلك في كل تعبير بمناسبة وبدون مناسبة .. فكلما طلب منه المعلم أن يكتب موضوعاً، يبدأ أول سطرين بما يريده المعلم، والسطر الثالث ما يلبث إلا ويعود لقضيته الأولى والأخيرة ( الجمل سفينة الصحراء ) !
تحدث عن ” فصل الربيع ” يابني !
حسناً.. الربيع أحد فصول السنة الأربعة، وفيه تتفتح الأزهار وتنمو الزروع الخضراء، ويبقى الجمل حزيناً بعيداً عن هذه الأجواء، لكن الجمل سفينة الصحراء والجمل ….الخ!
تكلم عن “اتفاقية سايكس بيكو ” ” ربنا ياخدك” !
جميل .. اتفاقية سايكس بيكو هي تلك الإتفاقية التي عقدت بين فرنسا وبريطانيا لتقسيم الدول العربية، لأجل وعود من قبل المملكة المتحدة تبخرت في الهواء .. ومعظم العرب في ذلك الوقت كانوا يعيشون في الصحراء .. التي يعيش بها الجمل، والجمل سفينة الصحراء .. وتبدأ الحكاية…. الخ !
وهنا ،، تتكرر هذه الحالة الصعبة ، لايمكن أن تنفك جملة ( إيقاف الصرف ) عنك .. ! إلا إذا أنفك هذا الطالب عن عقيدة ” الجمل سفينة الصحراء ” ! فلا غرابة أن تستلم إيميل يهنئك بالحصول على المكافأة التشجيعة نتيجة تفوقك الدراسي ! والإيميل الذي يليه مباشرة يحذرك من إيقاف الصرف ! إنه الجمل ياصاحبي .. ! ألا تعرف أنه سفينة الصحراء !
اقترح على الملحقية أن تقوم بتجربة عملية تستعين فيها بأحد الأطباء السعوديين المختصين في أضرار ” إرتفاع ضغط الدم ومسبباته ” ، تتلخص هذه التجربة في الآتي:
تقوم الملحقية مشكورة كل يومين بإرسال رسالة إلى جميع الموظفين تحذرهم فيها من ” إيقاف رواتبهم “، وأنا مستعد للتبرع بكتابة الكود البرمجي لهذه الرسالة في النظام الآلي، ثم يقوم صاحبنا الطبيب بقياس ضغط الموظفين ودراسة النتائج !
أنا على يقين أن يتم نشر على الأقل ” بحثين ” أحدهما في إكتشاف أمراض جديدة ناجمة عن هذه الرسالة، وأما البحث الآخر فمتعلق بإثبات فوائد ” الفجل ” في خفض ضغط الدم !
بالمناسبة ودي أسأل، ماهي نوعية الرسالة التي ترسل للأطباء بخصوص إيقاف الصرف؟ أتخيلها هكذا ( عزيزي الطبيب الأخصائي في الأعصاب والباطنية وجراحة القلب، نود منكم الدخول على البوابة ورفع تقرير عن الحالات المرضية التي تم فحصها هذا الفصل والفصل القادم، لكي يتم إستمرار الصرف عليك وتجنباً لتوقفه ) طبعا رسالة أخرى جاهزة في النظام ( الطلب غير مقبول)!!
عزيزي ” مشرف إيقاف الصرف ” ..
استقبلنا خلال الأيام السابقة رسالة نصية موحدة تجبر الطلاب بالتسجيل ( ٩ ) ساعات لطلاب الدراسات العليا وبإرفاق الخطة الدراسية، طبعاً مشفوعة بالجمل سفينة الصحراء .. أقصد ، بإيقاف الصرف !
ياجماعة الخير، ( ٩) ساعات في كثير من الجامعات الكندية يشبه الركوب في صهريج لعملية إنتحارية ! لايمكن تعميم فكرة معينة على جميع الطلاب، نعم أعرف بعض طلاب الماجستير في أستراليا يدرسون (٤) مواد في الفصل الواحد ويقولون الأمر طبيعي ! لكن هذا جنون عندنا .. والله جنون .. ! نحن نسجل مادتين ونقضي نصف ليالينا في المعمل !
إذا كان الهدف هو أن يكون الطالب ( فل تايم ) ففي كثير من الجامعات الكندية تعد ٦ ساعات (فل تايم ) ! أما إذا كان الهدف هو الحرص على الطالب فأقول: نحن طلاب دراسات عليا، ولدى بعضنا المبتعثين أبناء مبتعثين أيضاً .. فلماذا نقوم بدور ” الأب “ الوصي الذي يوقع دفتر المتابعة اليومي بعد العودة من المدرسة ! هل تعتقد الملحقية أننا ” مستانسين ” بتمديد البعثة حتى لا يفوتنا شتاء درجة ٤٠ تحت الصفر !
دعونا من هذا وذاك !
هناك مايسمى بـ “القرائن ” يمكن الحكم بعدها على الطالب ومن ثم يقرر نوعية التعامل معه حزما أو تراخياً، فطالب تقاريره الدراسية ممتازة وأموره الدراسية من حسن إلى أحسن، لماذا يستقبل نفس الرسالة التي تصاغ لطالب متعثر !؟ آه ..لو أني بي قوة فأدخل ” دماغ المشرف ” وأرى وهو يكتب رسالته التحذيرية ما هي الصورة التي ترتسم في ذهنة عن طالب الدراسات العليا في كندا!
قال الإمام أحمد لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز !! وأن أقول للملحقية بيننا وبينكم نهاية كل فصل .. ! فاجعلوا نتائج الطلاب حكمنا بيننا وبينكم ..
لمدة أسبوع والله على ما أقول شهيد، كنت أقوم بإتصال يومي على المشرف لأخبره بأن هذه الرسالة فيها تهور، وأنها بعيدة كل البعد عن الحكمة، وأن هذا مستحيل أن يفعله طالب يعرف مصلحته! لكن لم يحالفني الحظ في أن يرد علي هو أو غيره حتى من مشرفي الإرشاد الأكاديمي، لاتستعجلون علي بالقول: “إرسل عبر البوابة” … قام بعض الطلاب بإرسال رسالة عبر البوابة وكان الجواب أن هذا هو النظام !
حسناً أنا أريد هذا النوع من “الصرف” (الصرف في القوانين والأنظمة) لا (صرف المكافأة)! الصرف والإختراع في القوانين هو مانريده أن يقف .. نريد من المشرف الدراسي أن يقوم بالتواصل مع الجامعة ومعرفة نظامها وعقلانية تسجيل هذا العدد من الساعات في الفصل الواحد !
الرسالة الأخرى كانت حول “الخطة الدراسية”، وهذا صرف آخر وجديد في القوانين دون دراية بأنظمة بعض الجامعات ! قام بعض الطلاب برفع خطة دراسية وكان رد المشرف ” الرفض ” و “عدم القبول ” والسبب أنه لابد من تحديد المواد في كل فصل ! الفقهاء يقولون ” الحكم على الشيء فرع عن تصوره ” .. هذه القاعدة معدومة عند المشرف !
بعض المشرفين الدراسيين يعتقد أن كل التخصصات محددة المواد مسبقاً خلال مرحلة الدراسة وبإمكان الطالب معرفة ماذا سيدرس بعد عام من أول يوم ! وهذا تصور خاطئ، هناك قائمة من المواد تظهر كل فصل وبعض التخصصات لات ظهر موادها إلا بحلول ذلك الفصل، وإذا حان وقتها يقوم (السوبر فايزر) بإختيار بعض المواد المتاحة للطالب ويقترح عليه التسجيل فيها وفي غيرها لمدة أسبوعين ثم يبقي مادتين ويحذف ما لم يجده يتلائم معه ! والمشرف الدراسي في الملحقية يعتقد أن كل الطلاب يدرسون موارد بشرية أو إدارة أعمال ذات مواد محددة !
المشرف الدراسي يدفع الطالب المخلص إلى الخداع والمرواغة فقط حتى يلبي له طلبه ولايتوقف عليه الصرف ! شخصياً جاءتني فكرة شيطانية للتعامل مع مثل هذه النوعية من الضغوط .. تتخلص في عمل يشبه ماقام به “عليان المجنون” ” عليان بن أبي مالك ” مع الإمام أبو يوسف القاضي رحمه الله .. ! قال الإمام أبو يوسف القاضي رحمه الله كنت ماراً في طرقات الكوفة وإذا أنا بعليان المجنون، فلما بصر بي سلم علي وقال: أيها القاضي لدي سؤال ! قلت له: هات !
قال: أليس الله يقول في كتابه (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) ، قلت :بلى ، قال: أو أليس الله يقول ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) ! قلت: بلى ، قال: فما نذير الكلاب ؟
قلت: لا أدري ! فأخبرني !
قال: والله لا أخبرك حتى تأتيني برقاق من شواء ونصف من فالوذج ، !
فأمرت من جاء بها ،ليخبرنا بجواب هذا السؤال !
فدخلت معه المسجد وبقيت أنتظره ومعي جمع من طلاب العلم، فأكل عليان حتى آتى على آخره !
فقلت : هيه ياعليان … أخبرنا بالجواب !
فأخرج من كمه حجراً ، وقال هذا نذير الكلاب ،، !
لم يكن لدى عليان جواب لكنه أراد أن يأكل، وكذلك الطالب المبتعث قد يرسل ما ليس جواباً حقيقياً، لكنه سيفعل لأنه يريد أن “يأكل” !
عزيزي المشرف، لا يمكن أن تتحقق علاقة جيدة بين المشرف والطالب والملحقية إذا بقي سوط ” إيقاف الصرف ” جاهزاً على الرف، أوصيك بقراءة كتاب ” الموظف المشكلة ” لبيتر وايلي وماردي جورث، وكتاب ” التمكين: مفهوم إداري معاصر “ للمؤلف يحي بن ملحم .. وإلا سيتم إيقاف الصرف عليك !
توقيع الطالب المبتعث
عليان المجنون ،،