New Page 1

العودة   .. :: منتدى تاروت الثقافي :: .. > منتديات خاصة > الأرشيف > ارشيف منتدى رمضانيات لعام 1432هـ

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-08-11, 09:34 AM   #1

ابوحامد الدشه
عضو شرف

 
الصورة الرمزية ابوحامد الدشه  







مبسوط

خطبة الجمعة : كيف نستقبل شهر رمضان


تحدّث سماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى في خطبة الجمعة 28 شعبان الأغر 1432هـ في مصلى الإمام الهادي (ع) بحي الجزيرة بالقطيف عن " كيف نستقبل شهر رمضان " .


وافتتـــح سماحته بقــول الله تعالى :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] .

ثم أشار سماحته إلى عدة نقاط :

خصوصيات الزمن :

التفضيل والتخصيص والاجتباء شأن إلهي ، من شأنه سبحانه وتعالى أن يفضل بعض الأيام على بعض وبعض الشهور على بعض وبعض الساعات في الليل والنهار على بعض، كما يفضل بعض الأماكن على بعض .
ففضّل المسجد الحرام على المساجد الأخرى ، وجعل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في ما عداه من المساجد، وفضل مكة والمدينة على سائر البقاع، هذا من تفضيل الأماكن .

وفضل النبيين على سائر البشر ، وفضل النبيين بعضهم على بعض { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } [البقرة: 253] ، وهذا في تفضيل الأشخاص .

وجعل للبشر نفحات إيمانية يتعرضون لها في مواسم خاصة ؛ فجعل -سبحانه- شهر رمضان أفضل الشهور ، وجعل الليالي العشر الأخيرة منه أفضل الليالي ، وجعل ليلة القدر منها أعظم ليلة في السنة كلها وهي خير من ألف شهر .
كذلك جعل -سبحانه- العشر الأُوَل من ذي الحجة أعظم الأيام ، وأعظمها يوم عرفة . كما جعل -سبحانه- أفضل ساعات اليوم ساعات السحر ، وأفضل ساعات الأسبوع ساعة الإجابة يوم الجمعة، وجعل أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة. وهكذا، نفحات تلو نفحات تلو نفحات .

يقول النبي الأكرم (ص) : " افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ , وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ ؛ فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ , وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ , وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ " .

فالله من شأنه أن يفضل ويختار ويختص كما قال تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [القصص: 68] . فهو يختار من الأشخاص ، ويختار من الأماكن، ويختار من الأيام، ويختار من الساعات ما شاء لأسرار يعلمها هو سبحانه وتعالى .

وأنت عندما تفتش عن مفهوم الزمن في البعد الإسلامي فليس له إلا معناه الطبيعي في الكون ، وليس للزمن ميزة في نفسه { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } [التوبة: 36] . فليس هناك خصوصية ليوم دون يوم ، فالشمس تشرق في كل يوم كما تشرق في بقية الأيام، وتغرب في هذا اليوم كما تغرب في بقية الأيام ، فما الذي يعطي للزمن خصوصيته ، بحيث يصبح مقدّساً ويتحوّل إلى عنوان يفرض الاهتمام والاحترام ؟!
إنه الحدث الذي يقع في الزمن، فيعطيه معناه في وجدان الإنسان، بمعنى أن نحترم الزمن أو نقدسه من خلال احترامنا للحدث ، سلبياً إذا كان الحدث في دائرة السلب ، أو إيجابياً إذا كان في دائرة الإيجاب !

فكم نحمِّل الأيام من عاداتنا وتقاليدنا وما ألفناه ، حتى أنّ هناك بعض الأحاديث تقول إنَّ في كوامل الأيام وكوامل الأسبوع وكوامل الشهور وكوامل السنة لا يُحبّذ العمل ، وهذا يعني أن لا نعمل طوال السنة إذا كانت الأيام كلها نحساً وشؤماً، في حين أنَّ لدينا حديثاً يقول: " لا تعادوا الأيام فتعاديكم " أي لا تحمّل الزمن مسؤولية النتائج السلبية التي تحدث فيه لتلعن الزمن هنا وتسب الزمن هناك . فالإمام يركّز على أنَّ الشؤم شؤمنا ، والسعد سعدُنا، فنحن نتفاءل من خلال ما نتحرّك فيه من ظروف محيطة بما يمكن أن يحقّق لنا النتائج الطيّبة ، ونتشاءم بما يصدر منا من خلال هذه الظروف الصعبة .
خصوصية فضل رمضان :

بعد هذه المقدمة نسأل : لماذا فضّل الله شهر رمضان على غيره ؟!

إننا عندما ندرس الآية التي تتحدث عن شهر رمضان : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] . نرى أنها تتحدث عن الزمن من حيث إنزال القرآن فيه ، كما تتحدث عن القرآن أنه : { هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } ، فكأنها تقول إنّ قيمة شهر رمضان هو من خلال قيمة القرآن الذي أنزل فيه ، وبذلك لا بدّ أن يتحوّل الزمن إلى زمن هدى ينفتح فيه الناس على هدى القرآن ، قراءةً وفكراً وحركة .

وكذلك عندما نتحدث عن فضيلة ليلة القدر على ما عداها من الليالي لأنها مبدأ نزول القرآن على قلب رسوله محمد (ص) : { إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ، { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } .
في هذا التأكيد القرآني على نزول القرآن في شهر رمضان ، إيحاءٌ بأنَّ عظمة هذا الشهر مستمدة من مناسبة نزول القرآن فيه . {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} .

هذه هي قيمة القرآن وأهميته في حياة النّاس ؛ فهو كتاب هدى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السَّلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور . ولذلك لا بدّ أن نجعل من حركتنا في هذا الشهر حركة تأكيد الحجّة للهدى ضد الضلال .

وهو كتاب البينات التي توضح للناس حقائق الأشياء ودقائقها بما يزيل كلّ شبهة ، ويفرّق بين الحقّ والباطل ؛ من خلال قوله تعالى : { وَالْفُرْقَانِ } . ولذلك لا بدّ أن نجعل من حركتنا في هذا الشهر حركة تأكيد الحجة التي تفرّق بين الحق والباطل .
من هنا يأخذ شهر (رمضان) معنىً روحياً لأنه يلتقي مع العنوان الذي يمثّله (القرآن) ، كما يأخذ معنىً ثقافياً في لأنه يلتقي معه في ما يختزنه من ثقافة المعرفة .

ولذلك فإنّ شهر رمضان أصبح منسوباً إلى الله ، لأن الله سبحانه وتعالى أنزل فيه كتابه الخاتم الذي قال عنه : { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } [آل عمران: 3] . فهو خلاصة الرسالات ، لأنه احتضن مسيرة الرسل كلهم وقال : { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } [البقرة: 285].
الخطبة الشعبانية :
كيف تحدَّث رسول الله (ص) عن شهر رمضان ؟
نحاول أن نقف على ما قاله الرسول الأكرم (ص) في آخر جمعة من شعبان، ونستجلي روح هذا الشهر من كلماته (ص) :
أ - القاعدة الأساس لشهر رمضان :
يضع لنا الرسول (ص) الأسس التي يقف عليها هذا الشهر فهو شهر ( البركة والرحمة والمغفرة ) . فيقول (ص) : " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْمَغْفِرَةِ..".
وتأتي العناوين العملية لكل أساس من هذه الأسس :

العنوان الأول : من معين (بركة) هذا الشهر جعل الله :

- "شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ" ففي كلِّ الشهور بركة ينزلها الله على عباده ، ولكن البركة في شهر رمضان تتضاعف حتى تغلب كل الشهور .
- "وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ" لأنَّها الأيام التي يعيش فيها الإنسان في رحابة الله ؛ في عبادته ، وفي صومه وصلاته وورعه عن الحرام .
- "وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي" لأنها ليالي المناجاة ، حيث يناجي الإنسان ربَّه بالمحبة والعبودية ويسأله كلَّ حاجاته ، ليشعر الإنسان في هدأة الليل بالسكينة النازلة عليه من الله .
- "وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ" فكل ساعة من ساعات شهر رمضان تعدل شهوراً وأياماً ، لأنها تمتلئ برحمة الله وبركته ولطفه وعفوه .
العنوان الثاني : ومن معين (رحمة) هذا الشهر جعلكم الله في ضيافته :

يقول (ص) : " هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ " الله تعالى يبعث لكل واحد منكم بطاقة دعوة ، ليست كبقية البطاقات ، هي بطاقة قرآنية : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } . هذه هي بطاقة الدعوة : تعالوا إليّ يا ضيوفي ، وهي ليست من قبيل الأكل والشرب ولكنها ضيافة الرحمة والبركة والمغفرة .
العنوان الثالث : ومن نبع (مغفرة) هذا الشهر ألبسكم كرامته :

يقول (ص): " وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللهِ " فالله تعالى يسبغ عليكم بالكرامة، وأيّ كرامة أعظم من كرامة الله لك؟ فإذا أكرمك الناس كلهم ولكن الله يحقّرك، فما قيمة ذلك كله ؟ أما إذا أكرمك الله وحقّرك كلُّ الناس، فأنت من أهل الكرامة؛ لأن القضيَّة هي أن الله خالق الكون كله يقول لك تعال إليّ، فأنت في موضع الكرامة عندي، وكرامة الله رضوانه والقرب منه، { يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }.
ب - تأثيرات هذه الأسس على سلوك الصائم :

من جملة هذه الأسس علينا أن نقف فيما يطرحه الرسول (ص) من تعاليم سلوكية يستفيدها الصائم من هدي هذه البركة والرحمة والمغفرة .
1 - البركة عنوانها (التسبيح والعبادة) :
لقد جعل الله لهذا الشهر بركات فائضة ، ومن بركاته :
- " أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ " التنفّس هو سرّ حياتك ، والله يحسب لكل نفس يصعد أو يهبط تسبيحاً ، حتى لو لم ينطق بذلك لسانك ؛ لأنك عندما تعيش الإيمان والقرب من الله فإنّ روحك تسبّح ، ولذلك تتحرك كلُّ أعضائك في الداخل والخارج بالتسبيح لله ، لأنّ التسبيح ينطلق من إحساس الإنسان بربّه وخضوعه له بالربوبية ، فبعض الناس يسبّحون بلسانهم ولكنَّهم لا يعيشون معناه في أنفسهم .
- " وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ " النوم راحة لجسمك، لتستطيع من خلال ذلك أن تستعدَّ للعبادة والقيام بمسؤولياتك في ما حمّلك الله من المسؤوليات في نفسك وأهلك
- " وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ ".
فإذا كان الجوّ كذلك ، فما هي الطلبات التي نطلبها من ربنا : "فَسَلُوا اللهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ. فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ"؛ لأنّ ما يفوته في موسم شهر رمضان ، لا يعوضه في خارج هذا الموسم .
2 - الرحمة عنوانها (التواصل والعطاء) :
لا تتحقق الرحمة إلا من خلال جملة من التوصيات :
- "وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ" إنّ هناك الكثير من الناس يجوعون ويعطشون ، فماذا عليك أن تتذكّر ؟ أن تتذكّر جوع يوم القيامة ، حتى إذا أخلصت لله فلا تجوع ولا تعطش في ذلك اليوم .

- "وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ" لأنّ الصدقة تدفع البلاء وتطيل العمر وتداوي المرضى، والله تعالى فرض علينا في أموالنا حقاً معلوماً للسائل والمحروم، وهي غير الخمس والزكاة الذي فرضه الله.

- "وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ" لأنه يريد أن تقوم العلاقة بين الجيل القديم والجيل الجديد على أساس الاحترام والوقار، فعلى الجيل الجديد أن يوقّر الجيل القديم الذي سبقه بالإيمان وملك التجربة الأوسع، وعلى الجيل القديم أن يرحم الجيل الجديد، فيتعامل معه برحمة، وبذلك يتبادل الجيلان التجربة المشتركة.

- "وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ" شهر رمضان هو شهر التواصل، وهو ما أوصى به الإمام عليّ (ع) عند شهادته، يقول (ع) : " وعليكم بالتواصل والتباذل ، وإياكم والتدابر والتقاطع "، فصلة الرحم تطيل الأعمار وتعمّر الديار ، بينما قطيعة الرحم تقصّر العمر وتجعل الديار بلاقع وخراباً .. وفي مقطع آخر يقول (ع) : " وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ ". فالله تعالى أراد للأرحام أن تتواصل، والمطلوب من الإنسان، مهما أمكنه ، أن يصل حتى الرحم القاطع ، وقد جاء شخص إلى الإمام الصادق (ع) يشكو بني عمه الذين أبوا إلا القطيعة لرحمه ، ويسأله هل يقطعهم ، فقال (ع) : " إِن قطَعتَهم قَطَعَكُمْ اللهُ، وَإِنْ وَصَلْتَهُمْ وَصَلَكُمُ اللهُ". وأي جائزة أعظم من أن يعطيك الله ثواب ذلك رحمته يوم القيامة وأنت بحاجة إلى رحمته.

- "وَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ" فالله تعالى حرّم على الإنسان أن يمدّ بصره إلى بعض الأشياء: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [النور: 30-31] . كما حرّم الله غناء اللّغو والميوعة والمجون .

- "وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ" ومن الذي سيخلد في الدنيا ؟ فإذا تحمّلت مسؤولية الأيتام في حياتك ، فإنَّ الله يقدّر لأيتامك من يتحنَّن عليهم .. وفي مقطع آخر يقول (ع) : "وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً أَكْرَمَهُ اللهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ". ورعاية الأيتام تكون بمختلف أنواع الرعاية ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال المبرات التي تكفل الأيتام وترعاهم وتعلّمهم، والثواب على ذلك هو أن الله سوف يكرمك يوم القيامة جزاءً لإكرامك هذا اليتيم .

- " وَتُوبُوا إِلَى اللهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلَوَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، يَنْظُرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ.." ولا سيّما إذا كانت الصلاة جماعة، لأنّه إذا زادت الجماعة على العشرة، لا يحصي ثوابها إلا الله. " يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ .. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَنْفُسَكُمْ مَرْهُونَةٌ بِأَعْمَالِكُمْ، فَفُكُّوهَا بِاسْتِغْفَارِكُمْ. وَظُهُورَكُمْ ثَقِيلَةٌ مِنْ أَوْزَارِكُمْ، فَخَفِّفُوا عَنْهَا بِطُولِ سُجُودِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ الْمُصَلِّينَ وَالسَّاجِدِينَ، وَأَنْ لَا يُرَوِّعَهُمْ بِالنَّارِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ".
3 - المغفرة عنوانها (الصيانة) :
وتتجلى الصيانة في أمرين مهمين :
الأولى : تحسين الخُلُق :
حيث يتحدَّث النبي (ص) عن الجانب الإنساني في علاقة الإنسان بالناس الآخرين في هذا الشهر، كأنه (ص) يقول : عليك أن تكون إنساناًَ تحترم الآخر -سواء كان عائلتك أو جارك ، أو عاملاً أو موظفاً عندك و...- فتتعامل معه في هذا الشهر تعاملاً إنسانياً، بحيث تحترم إنسانيته ، فلا تحاول أن تقسو عليه أو تعنِّف معه أو تقهره أو تقوم بإذلاله، بأن تثقل عليه المسؤوليات التي تحمّله إياها، بل حاول أن تتعامل معه بالخلق الحسن، وفي هذا يرفع الله تعالى موقعك فيكتب لك النجاة في المصير يوم القيامة.

يقول (ص) : " أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ "، والصراط هو الطريق التي يعبرها الناس إلى ساحة القيامة ، وكثير من الناس لا يستطيعون أن يجتازوه ، فإذا أراد الإنسان أن يجتاز الصراط ويتحرك عليه بكل حرية من دون أن يقع أو يتأخر، فعليه أن يحسّن خلقه في هذا الشهر ؛ لأنّ جائزة حُسن الخلق هو هذا الجواز الذي يمنحه الله للإنسان، وهذا كناية عن النجاة من غضب الله وسخطه.

فكم لحسن الخلق من قيمة أخلاقية وروحية في الإسلام ، حتى إنه ورد في بعض الأحاديث : "إِنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ يُذِيبُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تُذِيبُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ، وَإِنَّ الْخُلُقَ السَّيِّئَ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ"، وأنّ الإنسان قد يكون له خلق حسن ولكن عمله قليل "فَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ"، فالله تعالى يهتم بأن يعيش الإنسان مع الناس بالأخلاق الحسنة، سواء في بيته، أو مع الناس، وقد جعل الرسول (ص) القاعدة للخلق الحسن وربطها بالإيمان في قوله (ص) : "لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ، وَ يَكْرَهُ لَهُ مَا يَكْرَهُ لَهَا"، وقد ورد عن عليّ (ع) : " يا بُنَي، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا ".
الثانية : كفّ الشر عن الآخرين:
يقول (ص) : "وَمَنْ خَفَّفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، خَفَّفَ اللهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ، وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ، كَفَّ اللهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ" إنّ ثقل الصوم على الإنسان العامل ، ربما يمنعه من الاستمرار في العمل بالمستوى نفسه الذي كان عليه قبل شهر رمضان . فمَن هو واقع تحت مسؤوليتك، كالموظف أو العامل، عليك أن تخفِّف عنه هذه المسؤوليات بمقدارٍ يجعله يرتاح في صيامه ، وجائزة ذلك أنّ الله تعالى يخفف عنك الحساب يوم يقوم الناس لربّ العالمين .

فعلى الإنسان في شهر رمضان، أن تكون علاقته مع الناس هي علاقة السلام ، فلا يصدر منه أي كلام أو عمل يسيء إليهم ، وأول من يجب أن يكفّ الإنسان عنه شره عياله ، فيؤذيهم بحجة أنه صائم !! فعليه أن يتذكّر غضب الله ، لأنّ الله ينتصر للمظلوم في الدنيا والآخرة .

أيها الأحبة :

في هذا الشهر الكريم ، لا بدّ للإنسان أن يقوّي عنصر العبادة فيه ؛ لأنّ ذلك هو الذي يقرّبه إلى الله ويفتح له أبواب الخير، يقول (ص) : " وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلَاةٍ، كَتَبَ اللهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ. وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ ثَقَّلَ اللهُ لَهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ. وَمَنْ تَلَا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ". والقراءة لا بد أن تكون قراءة وعي وتدبّر-.

"أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةُ، فَسَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُغَلِّقَهَا عَلَيْكُمْ (بمعاصيكم) وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةُ، فَسَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ.. وَالشَّياطِينَ مَغْلُولَةُ فَسَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ".

إنّ شهر رمضان هو شهر المغفرة والرحمة والبركة ، والشقي من حُرم غفران الله فيه ، وعلينا أن ننتهز هذه الفرصة لنقوّي إيماننا والتزامنا وعملنا وإنسانيتنا .

وعندما نريد أن نستقبل هذا الشهر الكريم نستقبله بالسلام والمحبة اللذين رسمهما رسول الله (ص) وأهل بيته (ع) ليكون مشعلاً للإسلام ..

أيها الأحبة..

سوف ندخل في موسم الرحمة والمغفرة والبركة ، وعلينا أن لا نخسر الموسم ، لأنّ من يخسر الموسم يخسر السنة كلها : "فَسَلُوا اللهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ. فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ".

نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقّنا لصيامه وقيامه والإخلاص له، والتوبة عن كلّ ذنوبنا، وأن يعيننا على أنفسنا بما يعين به الصالحين على أنفسهم، إنه أرحم الراحمين .

__________________

ابوحامد الدشه غير متصل  

قديم 02-08-11, 11:31 AM   #2

وقفة الم
مشرفة القرآن الكريم

 
الصورة الرمزية وقفة الم  







تعبانة

رد: خطبة الجمعة : كيف نستقبل شهر رمضان


مشكور اخوي ابو حامد على النقل الطيب
في ميزان حسناتك يارب

__________________
مددت كف الحب والولاء مبايعة للعمة السوداء أعني بذلك السيد الخمنائي

وقفة الم غير متصل  

 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
.:: جميع الحقوق محفوظة 2023 م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 10:21 AM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.11
Copyright © 2013-2019 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited