لا شك أن أهل البيت عليهم السلام ، هم القدوة والأسوة ، والنور الذي يضيء في القلوب ليشتعل الفكر المنطفئ ، ولتوقد قبس النور الحقيقي الإلهي ..فالعلماء والفقهاء أجمعوا على وجوب المحبة والمودة لأهل البيت عليهم، واتفق المسلمون على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم على تعظيمهم وتبجيلهم واحترامهم، فلا يوجد مسلم على وجه البسيطة إلا ويكن حباً عميقاً لآل البيت عليهم السلام، والباعث على وجوب المحبة لهم هو الحب العميق للنبي محمد صلى الله عليه وآله ، هذا الحب الذي لا يكتمل إلا بمحبة أقرب الناس إليه، وهم أهل البيت عليهم السلام ، الذين لم يرثوا عنه صلى الله عليه وآله شرف الانتساب إليه فقط ، وإنما ورثوا أيضاً علومه وشمائله وأخلاقه، مما يستدعي مضاعفة الحب والمودة والاحترام والولاء لهم .
والسؤال الذي نود الإجابة عليه هو : كيف نحب أهل البيت ؟
وأحببت هنا أن أنقل لكم ما قرأت في ذلك الأمر يقول أحد العلماء الأجلاء ..
من أجل تجسيد المفهوم الحقيقي لمعنى ( حب أهل البيت ) علينا اتباع ما يلي:
1- دراسة حياة الأئمة عليهم السلام دراسة تحليلية، والتعرف على تاريخهم ، وأفكارهم، وأعمالهم .. بصورة تفصيلية.
ومن الخجل حقاً أن يعرف أحدنا الأسماء البارزة والمغمورة في عالم الفن والرياضة ، ويكون ملماً - بأدق - التفاصيل عن حياتهم، - كما أنه من المخجل أيضاً أن تعرف نظريات وأفكار علماء قدموا للبشرية شيء نحسبه عظيماً وهو عند الله هين - في الوقت الذي يجهل فيه أبسط الأشياء عن تاريخهم عليهم السلام، ومع ذلك يعتبر نفسه موالياً لهم أو أو محباً !
إن الحب يدفع بالمحب لمعرفة كافة التفاصيل عن المحبوب، ولا يمكن أن نعتبر الجهل بحياتهم عليهم السلام إلا نقيضاً للحب والود والولاء.
ومن أبرز علامات المحب الحقيقي لهم عليهم السلام قراءة سيرة حياتهم، والاطلاع على تفاصيل أعمالهم، والإلمام الشامل والدقيق بشخصياتهم.
2- أن نجعلهم قدوات لنا، ورموزاً للحق والفضيلة، فهم أئمة الهدى، ولذلك يجب الاقتداء والتأسي بهم، وبذلك نحقق معنى " الولاية " لأهل البيت، فولايتهم تعني اتباعهم في الدين، وامتثال أوامرهم ونواهيهم، والتأسي بهم في الأعمال والأخلاق.
يقول الإمام الصادق عليه السلام : " ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا، أولئك شيعتنا " ** " البحار، ج65، ص164، رقم الحديث 13" . وقال الإمام الباقر عليه السلام : " أيكتفي من انتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله " ** " روضة الواعظين، ص322.
فالالتزام بالدين، واتباع تعاليمه ومثله وقيمه، هو التجسيد العملي لولاية أهل البيت عليهم السلام، فقد روي عن الأمام الباقر عليه السلام أيضاً قوله: " إنما شعيتنا من أطاع الله عزّ وجلّ " ** " البحار، ص153، رقم الحديث 7" . وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " أما المطيعون لنا فسيغفر الله ذنوبهم امتناناً إلى إحسانهم" قالوا: يا أمير المؤمنين: ومن المطيعون لكم؟ قال: " الذين يوحدون ربهم، ويصفونه بما يليق به من الصفات، ويؤمنون بمحمد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ويطيعون الله في إتيان فرائضه وترك محارمه، ويحيون أوقاتهم بذكره، وبالصلاة على نبيه محمد وآله الطاهرين، ويتقون على أنفسهم الشح والبخل، ويؤدون كل ما فرض عليهم من الزكاة ولا يمنعونها" ** " البحار، ج65، ص163، رقم الحديث 12 " . وقال الإمام الصادق عليه السلام : " شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكون أموالهم، ويحجون البيت، ويجتنبون كل محرم" ** " البحار، ج65، ص167، رقم الحديث23".
فمن يوالي أهل البيت ويحبهم، عليه أن يكون مطيعاً لله عزّ وجلّ، ممتثلاً لأوامره، منتهياً عن زواجره .. أما من يرتكب المحرمات تلو المحرمات، ويخالف تعاليم الشرع في كل لحظة، فليس له أن يعتبر نفسه إلا من اتباع الشيطان - ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قرينا - فتأمل !
3- أن ننهل من علومهم وفكرهم وفلسفتهم في الحياة، ففكر أهل البيت هو فكر الإسلام، وتراثهم هو تراث الإسلام، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه " ** " كنز العمال، ج11، ص614، رقم الحديث 32979 ". وروي عنه أيضاً صلى الله عليه وآله قوله : " أنا دار الحكمة، عليَّ بابها " ** " سنن الترمذي، ج9، ص306، رقم الحديث3725 ". وقال الإمام علي عليه السلام في خطبة يذكر فيها حال الأئمة وصفاتهم: " ... جعلهم الله حياة للأنام، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم للإسلام" ** " ميزان الحكمة، ج1، ص193، رقم الحديث 924. فأهل البيت عليهم السلام هم منبع العلم، وبحر الحكمة، ومن يأخذ العلم من غيرهم ينطبق عليه قوله عليه السلام: " تركوا صافياً وشربوا آجناً " ** " الآجن: الماء المتغير اللون والطعم - نهج البلاغة، ج2، ص318، خطبة144".
إن من يملك علوم أهل البيت عليهم السلام يستغني عن الأفكار المستوردة من هنا وهناك، فأهل البيت هم " شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم .. " ** " ميزان الحكمة، ج1، ص192، رقم الحديث920 ". كما يقول الإمام علي عليه السلام، فعلوم أهل البيت بحار زاخرة بجميع أنواع العلم والمعرفة، فقد روي عنهم أكثر من مائة ألف حديث ورواية، وهي بلا شك تشكل تراثاً ضخماً من المعرفة، وتمثل المنظومة الفكرية في الإسلام، بما تعبر عنه من مضامين عقدية وفقهية واجتماعية ونفسية وأخلاقية وسياسية واقتصادية.
4- أن نخلد ذكرهم، بنشر فضائلهم وعلومهم، وبإقامة الاحتفالات في ذكرى مواليدهم، والمآتم في أيام وفاتهم، وذلك من أجل استذكار سيرتهم العطرة، ووفاءً لأداء حق المودة إليهم عليهم السلام " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " ** " سورة الشورى، 23 ".
كما ينبغي تسمية أولادنا بأسمائهم، علماً بأن للاسم تأثيراً على شخصية صاحبه، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغير الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان " ** " البحار، ج101، ص127، رقم الحديث4 " . وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إن أول ما ينحل أحدكم ولده الاسم الحسن فليحسن أحدكم اسم ولده" ** " البحار، ج101، ص130، رقم الحديث20". وعن أبي الحسن عليه السلام قال: " لا يدخل الفقر بيتاً فيه اسم محمد أو أحمد أو علي الحسن أو الحسين أو جعفر أو طالب أو عبد الله أو فاطمة من الناس " ** " البحار، ج101، ص131، رقم الحديث25.
ومن المؤسف أن نرى بعض المسلمين اليوم يسمون أولادهم بأسماء النصارى واليهود! مع العلم أن أسماء الأئمة عليهم السلام هي أجمل وأروع الأسماء ولكنه التقليد الأعمى، وانعدام الثقة بالذات، نتيجة للانبهار بالحضارة المادية المعاصرة.
ومن الضروري كذلك تسمية المحلات والمؤسسات والشوارع بأسمائهم عليهم السلام تبركاً وتيمناً بهم، وتخليداً لذكرهم، وتعريفاً بفضلهم وحقهم علينا، فعن ربعي بن عبد الله قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك .. إنّا نسمي بأسمائكم وأسماء آبائكم فينفعنا ذلك؟
فقال: " أي والله .. وهل الدين إلا الحب ؟ " ** " البحار، ج101، ص130، رقم الحديث19.
وبتحويل هذه النقاط الأربع إلى """ ممارسة عملية """ نجسد معنى " المحبة والمودة والولاء " لأهل البيت عليهم السلام ، وإلا فالولاء والمحبة إذا كانت مجرد قلقلة لسان، وعواطف جياشة، فإنها ستتحول إلى مشاعر بليدة، وعواطف فارغة، وولاء أجوف، وحب بارد، بل إن الولاء الذي يتجسد أفكاراً وسلوكاً، يتحول إلى ولاء سلبي وحب قاتل !
إن السلوك والممارسة والتطبيق العملي وفقاً لمنهج أهل البيت عليهم السلام وتحويل الأقوال إلى أفعال، والأفكار إلى طاقة منتجة، والقيم إلى التزامات وحدود وضوابط ... وهي وحدها المعبر الحقيقي عن مضمون " الحب " و " الولاء " لأهل البيت عليهم السلام .. وأختم قولي بقول الإمام الصادق عليه السلام : " كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم " .. وهل الدين إلا المعاملة ..
اخوكم لمحات.....