[ALIGN=CENTER]كما وعدتكم ستكون هناك قصص للقاص كاظم الشبيب
ومنها ما سنعرضه عليكم الآن [/ALIGN]
[ALIGN=CENTER]( حذائي المحترم )[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]وهذه القصّة هي القصّة الرّابعة حسب تسلْسلها في المجموعة وإليكم نصّها.[/ALIGN]
[ALIGN=CENTER]------------ [/ALIGN]
فجأة وبدون مقدمات قال مدير الجامعة :
- أيعقل يا دكتور أن تصدر منك هذه الأفعال وأنت أستاذ الفلسفة بالجامعة ؟
اتسعت حدقتا عيني الدكتور سرور على مصراعيها من هول السؤال ، ثم تلفت عن جانبيه لعل المقصود إنسان آخر ، لكن إشارة المدير حول مادة الفلسفه جعلته يتأكد أنه بذاته المعني ، فلا غيره يدرس هذه الماده ، وهذا ما يجعله معتداً بذاته .
- ما الأمر ولم هذا السؤال ؟ قال الدكتور سائلاً المدير .
- الأمر والسؤال نابعان يا أستاذ الفلسفه ( قالها المدير ساخراً ) ، أنك أصبحت طرفة الجامعة بين الطلبه، ولا أخفيك، حتى بين الدكاترة والمساعدين ! امتعض الدكتور من هذا الحديث، أخفى مشاعر استيائه، وقال لنفسه (( يجب ألا أتأثر بما يُقال عني ، وإن كنت منزعجاً مما يصلني من تعليقات ممن حولي أحياناً ، يجب أن أكون قوياً ، فما يحدث لي أمرٌ طبيعي ويتكرر لكل عالم فيلسوف )) .
- أفصح عن الموضوع، وعلاجه، ولا بأس بأسبابه إن وجدت؟
هكذا كان طلب الدكتور على هيئة جادة مع إشارات من يده تخفي الجد في الطلب . فقال المدير محتداً حانقاً :
- يا دكتور سرور ، الموضوع وأسبابه وكذلك علاجه في قدميك !!
- ماذا تعني؟
- يا دكتور، بصراحة، إن جل المشكلة في حذائك !، لقد حاولت عبر زملائك الدكاترة بأن تغيره فلم تستجب ، لكن أن تصل الأمور إلى أن يصبح حذاؤك جزء من مادة الفلسفة ، فهذا لا يمكن السكوت عنه ، لم أسمع في حياتي العلمية والعملية على مدى أربعين سنة نظرية ( الحذاء ميزان للإنسان ومقياس للمجتمع ومرآة للحضارة) إلا منك … علق الدكتور قائلاً:
- هذا ليس نقصاً في النظرية أو قصور وتقصير في صاحبها !
اشتط المدير غضباً من قوله، فقال غاضباً عبارات متقطعة:
- إذن يا دكتور القصور في عقلي أنا كمدير جامعة ! هذا ما تريد قوله إذن ! يا دكتور سرور هل تعلم بأن ألقابك في الجامعة تجاوزت العشرات، منها ، الدكتور الحذاء ، الدكتور أبو حذاء ، عاشق الحذاء ، مستر شوز ، الدكحذفس سرور( من دكتور وحذاء وفيلسوف ) ، الدمجحذفس سرور ( من دكتور ومجنون وحذاء وفيلسوف ) ، العاقل المجنون ، مجنون الأحذية، إلى آخره من التسميات .
أعجب الدكتور أن يكون لنظريته أصداء وتفاعلات بين جنبات الجامعة وقاعاتها وإدارتها وطلبتها ، بينما احزنه أن تطلق عليه أسماء تدل على أن مبدعيها يتناولون شخصه باستخفاف ولا يتعاطون أو يتفاعلون مع نظريته بالعمق العلمي الذي هو لب الجامعات وهدفها.
- أين يكمن الحل والعلاج يا سعادة المدير ؟
سأل الدكتور، فأجاب المدير:
- بعد أن استحفل الأمر، وطفح الكيل ، أمامك أحد طريقين يا دكتور سرور ،إما أن تخلع هذا الحذاء إلى الأبد وتبتعد عن طرح نظرية الحذاء أوتقدم استقالتك من الجامعة !!
مكث الدكتور ، في منزله طوال النهار ، محتار بين خياران أحلاهما مرٌ . (( فالإستقالة تعني لي قطع عصب الحياة ، ليس المادي بل العلمي. وخلع الحذاء يعني التخلي عن قيمي ومبادئي، بل يعني خيانة لنظريتي. لدي متسع من الوقت، يومان، كي أرد على المدير ))، هكذا كان يحدث نفسه.
- يا سرور فكر ملياً قبل أن تقدم استقالتك، فالحياة صعبه والأولاد كبروا ومطالبهم زادت.
قالت زوجته منبهة. فقال:
- سوف أرفع الموضوع إلى الوزير ، ومن المؤكد أنه سيتفهم موقعي وأهميتي ، وسيعتبر ليس الحذاء أو خلعه ضمن السلوك الشخصي لحرية الإنسان وحقوقه.
- وما الذي دفع المدير إلى هذا القرار؟
سألته فأجاب:
- قبل أسبوع، بالتحديد يوم الإثنين الماضي ، كان موعدي مع الطلبه في اللقاء المفتوح الشهري، وحيث أن الحرية في النقاش واختيار المواضيع هو شعاري في هذا الملتقى فكانت النتائج أصعب من أن يتحملها الوضع الإداري والعلمي ، لفساده وضعفه . في ابدء أجبت على الأسئلة الإعتيادية للطلبة، ثم قام طالب جريء فسألني بخبث:
- منذ عرفناك في الجامعة لم نراك ترتدي سوى حذاء واحد ، عفواً فسؤالي ليس شخصي بل علمي بحت، فهل لسلوكك هذا علاقة بنظريتك ( الحذاء والإنسان والمجتمع والحضارة ) ؟
- نعم .
- كيف ؟ سأل الطالب فأجبته:
- لكل نظرية فلسفية أو أخلاقية مُبدع أبدعها ، أي صاحب النظرية، ويجب عليه أن يكون ملتزماً فكرياً وسلوكياً بنظريته . فقيامي بهذا السلوك وعدم تغييري لحذائي هو جزء من النظرية . لذلك لاأغير حذائي.
ارتفعت الأصابع والأيادي بكثرة في القاعة ترغب فيإعطائها فرصة الدخول في الحوار ، فسأل طالب:
- ما هي العلاقة بين الإنسان وحذائه؟ فبادرت قائلاً بتودد هادف:
- أعزائي الطلبه، اعلموا أن الحذاء يعبر عن شخصية صاحبه وطبيعتها
، فالعسكري مثلاً تكون أحذيته ( الوظيفية أو الحياتية ) تنبىء عن القسوة والعنف سواءً كانت لامعةأو بالية . وأحذية السياسي ناعمة متملصه تختلف عن أحذية الإقتصادي اللمعة والمتقشفة. وتوجد طبقة ومستوى معين منها تفصح عن طبقة من الإنسانية الكادحة، الفلاح ، الحداد، البناء وغيرهم. أما شخصية الإنسان الرومانسي فلها حذاؤها الدائم التجدد بعكس شخصية الكلاسيكي فهي ذات ارتباطات تأصيلية الطابع . ولوجود هذه العلاقة بين الإنسان وحذائه على كل واحد منا أن يقدر حذاءه وهذا لا ينبع إلا من احترام الإنسان لنفسه، لأنه يحترم شخصيته التي يعبر عنها حذاؤه .
كنت أشعر أثناء إجابتي ببعض الضحكات في زوايا القاعة ، وأحياناً بعض من الهمز واللمز .
- وهل لطبيعة المجتمع علاقة بالحذاء ؟
وقف طالب جاء وسأل ، فقلت:
- عندما يسير الإنسان في مجتمع غربي مثل لندن وروما وباريس متطلعاً لأحذية الماره ، ثم ينتقل ليسير في مجتمع عربي كالقاهره وبيروت ودمشق ، سيجد هذه العلاقة بين المجتمع والحذاء . وسيجد اختلافاً كبيراً بين لابسي الأحذية في بمبي عن لابسيها في أفريقيا وإن اشتركت المنطقتين بعامل الفقر. فطبيعة المجتمع ووظائفه ومستواه المادي يقرأه المشاهد في أقدام الناس ، أي في أحذيتهم.
كذلك توجد ملاحظة أخرى ، فالمجتمع الصانع للأحذية يحترم الحذاء ويعمل له نصب تذكاري بينما المجتمع المستهلك للأحذية لا يكن ذات التقدير لها .
قام طالب وأشار على زملائه بأن يلتزموا الهدوء ، فاستجابوا بشكل ملفت ، ثم تغامزوا فيما بينهم وتضاحكوا ، فسأل :
- هل تعني يا أستاذ بأنك تحب حذاءك، وهل للحذاء علاقة بالحب ؟
- أشكرك على هذا السؤال ، وإن كنت أستغرب ضحكات زملائك عليه! الحقيقة أن حبي لحذائي يعود لكون الحذاء يرمز إلى حقبة من الزمن والتاريخ بما يعتمل فيه من أحداث وشخصيات وتغيرات ثقافية وفكرية واقتصادية . على صعيد الشخص أو المجتمع ، مثلاً ، حذائي هذا له من العمر خمسة وعشرون سنة ، فعلى الصعيد الشخصي له تاريخ طويل معي، أفراحي وأحزاني ، تطوري من مرحلة علمية إلى أخرى ، أسفاري ، علاقاتي ، اسراري . وعلى الصعيد الاجتماعي شهد حذائي تغيرات ومقابلات ، ولو نطق لحدثكم بما لا يمكن لمؤرخ أن يسجله بقلمه . مثال آخر ، الواحد منا يرتدي حذاءه لفترة طويلة من الزمن ، يقضي معظمها ، في أغلب الحالات ، في بلاده ماشياً به على تراب وطنه ، وكما تعلمون أن الإنسان مرتبط بحب خاص بهذا التراب ، لذلك كم يستحق هذا الحذاء من مكانة في قلوبنا ؟
- هل يوجد يا أستاذ في التاريخ من اهتم بالحذاء وأعطاه هذه القيمة ؟
أي هل لنظريتك جذور تاريخية ؟
السائل طالب ذو اهتمام بمادة الفلسفة وأسئلته دائماً في صلب المواضيع المطروحة . فهززت رأسي إعجاباً وقلت :
- لقد جاء ذكر الحذاء في بعض الكتب السماوية ، بمفردات أخرى غير الحذاء ، مثل (( النعال )) كقول القرآن لموسى (( فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى )) والنعل هنا رمزية ، وإن كان الخلع جاء بسبب وجود موسى (ع) في الوادي المقدس ، أي في حضرة موجد الوجود قبل الوجود.
وفي التاريخ الحديث أعطى الفنان العالمي التشكيلي فان جوخ للحذاء قيمة معنوية ضخمة عندما رسم زوجاً من الحذاء مهتري أحدهما مقلوب على قفاه والآخر فيه شق ، وكانت حالة هذا الزوج مهترئة وباليه ، وأراد فان جوخ أن يقول للعالم عبر هذه اللوحة ، التي بيعت بأكثر من ثلاثة ملايين دولار ، احترموا الحذاء وحافظوا عليه وإن تمزق وأصبح بالياً . واللوحة احترام للصانع والمصنوع والمستخدم .
وشرح الدكتور سرور لزوجته ما حدث بعدها من التفاف وتجمهر الطلبة حوله بتعليقات متنوعة ، جادة وساخره ، سائلة وضاحكة ، موافقه رافضه ، ثم قال لزوجته :
- ما رأيك الآن ، هل أقدم استقالتي ؟
- اسمع يا سرور ( تكلمت وبها خوف من المستقبل وحنق على أفكار زوجها ) ، سأذهب مع الأولاد إلى دار أهلي ، فإن قدمت استقالتك فهذا فراق بيني وبينك ، وإن خلعت الحذاء المتهالك ذو الرائحة المقززة جئتك مطيعة محبه.
وقامت وأخذت الأولاد وحقيبة من الملابس وغادرت المنزل .[/ALIGN]
[ALIGN=CENTER]**** [/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]انتهت المهلة ، اتصل الدكتور سرور بمدير الجامعة الذي وافق على إعطاء الدكتور أيام أخرى كي يحسم أمره .
في اليوم الأخير من المهلة الثانية ، التي قضاها كاملةً في منزله ، فلم يبرحه لأي مكان آخر ، ((فالأمر جلل)) كما كان يحدث نفسه ، أحضر الحذاء ونظفه بفرشة خاصة بالأحذية حتى زالت بقايا الأتربة وما التصق به من قاذورات الشوارع .
ثم جلب خرقة مبلله بالماء ومسحه برفق من الخارج والداخل ، وكلما أدخل الخرقة في جوفه ودسها فيه جاءته رائحة الحذاء العفنه فيحدث نفسه (( إنها رائحة الحقبة التاريخية العفنه )) ، الجولة التالية كانت بمسحه بقطعة قماش مخملية مبلولة بزيت الزيتون ويعلل لنفسه (( يقولون أن هذا الزيت يحافظ على الجلود البشريه والحيوانيه في دتمومتها وطراوتها )) . بعدها، أخذه إلى جهاز تنشيف الشعر وجففه ، ثم أخرج من خزانةالملابس قطعة قماش من الحرير ووضعه فيها وبخ عليه ثلاثة أنواع من العطور ويقول (( حتى يرتاحضميري بحيث أني لم أهنك بل أقدم لك فروض الاحترام والتقدير )).
أخرج ورقة وكتب فيها :
[ALIGN=JUSTIFY](( حذائي المحترم أضطررت مجبراً على احالتك إلى التقاعد المبكر ، وإني أعلم أنك مخلص وأمين في عالم يعج بأمراض الخيانة والتراجع ، واعلم أنك ستحافظ على كتمان أسراري إلى الأبد ، ومن جانبي أعاهدك على المحافظة على النظرية وتطويرها ، وأعتذر منك من كل ما بدر مني ، وأشكرك من أعماقي لخدماتك الجزيله. المخلص سرور )).
ووضع الرسالة في جوف الفردة اليمنى . لفه بالحرير بعدأن قبله وقال:[/ALIGN][/ALIGN]- وداعاً يا حذائي المحترم !
الكاتب القاص : كاظم الشبيب
تنسيق الألوان
فارس حزن