البقيع .. ومركز الحوار
سماحة السيد محمد الناصر

البقيع :
في الثامن من شوال كل عام تمر بنا المناسبة الأليمة لذكرى هدم قباب أئمة البقيع عليهم السلام، الذي
جرى في العام 1344 هـ على يد فئة تشكل أقلية بين المسلمين نشأت في القرن الثاني عشر، وادعت تصحيح المعتقد الديني.
وقد ناقشنا في الأعوام الماضية مقولة هؤلاء القوم بكل موضوعية؛ وقلنا إن المذاهب الإسلامية وسيرة المتشرعة لم تمانع فقهياً ولا عملياً من تشييد الأبنية والقباب على قبور الأنبياء والأولياء، وندعو اليوم مرة أخرى كما مئات الملايين من المسلمين الذين تخفق قلوبهم بمحبة النبي وأهل بيته عليهم السلام ونطالب المسؤولين بإعادة إعمار البقيع مهوى الأفئدة، وإشاعة أجواء الأخوة والوئام والتسامح الديني.
إن سياسة التفرد والإقصاء واحتكار الفتوى والرؤية الدينية تضر ببلادنا، ومن صالح بلادنا مهبط الوحي أن تبادر إلى الانفتاح على الآراء والمدارس الإسلامية، إثراء للفكر وتقوية للنسيج الإسلامي والوطني.
ونثمن مبادرة إنشاء مركز للحوار وتقريب المذاهب التي أعلنت في مؤتمر التضامن الإسلامي، شريطة أن تكون جادة وأن تمس أسباب وعوامل الاختلاف والتفرق.
مركز الحوار:
وأذكِّر هنا بما طرحته سابقاً حول بعض ملامح المنهج النبوي في الدعوة والحوار:
1/ اعتماد حسن الظن بالمسلمين في موضوع التوحيد والمعتقدات الدينية، وعدم المسارعة إلى تكفير المسلمين أو تشريكهم أو تبديعهم، وهذا منهج نستقيه من الآيات القرآنية والنصوص النبوية وأقوال العلماء :
ـ قال الله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ نلاحظ هنا أن التحية الإسلامية تكفي علامة على الإسلام ويحفظ بها الدم والمال .
ـ وفي البخاري ومسلم أن النبي (ص) قال : (( أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله )) .
وفي الحديث دلالة صريحة على الاكتفاء بظاهر الإسلام، وترتب الأحكام بمقتضاه، وأما الدخائل والنوايا فالحساب فيها على الله تعالى .
ـ قال ابن حجر في فتح الباري : ( ويؤخذ منه – أي من هذا الحديث المتقدم ـ ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره بدون تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن ) .
ـ وأيضاً بناء على قاعدة أن لازم القول ليس بالضرورة قولاً، بمعنى أن من قال قولاً أو رأى رأياً يلزم منه الكفر، لا يكفر إذا كان غير ملتفت إلى لازم قوله، مثال ذلك : من قال إن لله يداً أو رجلاً فإن هذا تجسيم ويعود معناه إلى أن الله مخلوق نعوذ بالله، ولكن هذا القائل إذا كان غير ملتفت إلى ما يلزم من قوله مع فظاعته، فانه لا يتحمل مسؤوليته لأنه لا يتبناه ولم يقل به، وبالتالي لا يكفر.
2/ انطباق عنوان المسلم على فئة من الناس - بمجرده – يستدعي لهم حقوقاً عامة، هي عبارة عن وثيقة عريضة واسعة من الحقوق لا يجوز نقضها مادام العنوان باقياً؛ فيلزم مراعاة كافة حقوق الأخوة الإسلامية المفترضة على المسلم تجاه أخيه المسلم، ولا تبرر الاختلافات المذهبية الخروج من عهدتها.
3/ تشجيع الحوار الديني البناء والهادف والارتكاز على المشتركات وتوسيع دائرتها، وتضييق دائرة الخلافيات ومحاولة التفاهم بشأنها وتلمس المعذرات فيها .
4/ وهو أمر هام ـ عدم تحويل الفروع الفقهية إلى أصول، لأن ما يترتب على الخلاف في الأصول غير ما يترتب على الاختلاف في الفروع الفقهية، ومن الفروع زيارة القبور والبناء عليها، وأمثال ذلك، فهذه كلها مسائل فرعية يقع الخلاف حولها بين الفقهاء، وأين أصل التوحيد والإسلام والكفر من هذه المسائل !
5/ إفساح المجال أمام أتباع المذاهب الإسلامية تطبيق التمذهب بمذاهبهم، والأخذ بمقتضاها، وعدم الزجر عن ذلك بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتبار أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بالاتفاق أولاً على ماهية المنكر والمعروف عند الطرف القابل .
آمل رفع الجفاء الواقع بحق النبي (ص) وآله الأطهار عليهم السلام، وأن يعاد بناء تلك القبب الطاهرة لترتفع شامخة إلى جانب القبة النبوية الخضراء .