قديم 17-05-03, 06:48 AM   #1

=المحرر=
عضو شرف

 
الصورة الرمزية =المحرر=  






رايق

الصورة العامة لحياة الإمام السجاد (ع)








سيرة الإمام السجّاد عليه السلام

السيد علي الخامنئي



مقدمة :
إن الحديث عن الإمام السجاد (عليه السلام) وكتابة سيرته عمل صعب، لأن أساس التعرف من قبل الناس على هذا الإمام تم في أجواء غير مساعدة إطلاقاً.
ففي ذهن أغلب كتّاب السيرة والمحللين أن هذا الانسان العظيم قد انزوى للعبادة ولم يكن له أي تدخل في السياسة. حتى أن بعض المؤرخين وكتّاب السيرة ذكروا هذه المسألة بشكل صريح، أما الذين لم يقولوا هذا الأمر بصراحة فإن مفهومهم عن حياة الإمام السجاد (عليه السلام) ليس سوى هذا الأمر. وهذا المعنى موجود في الألقاب التي تنسب اليه والتعابير التي يطلقها الناس عليه: كما يطلق البعض (المريض) لقباً له، في حين أن مرضه لم يستغرق أكثر من عدة أيام في واقعة عاشوراء. ومن الطبيعي أن كل انسان يمرض في حياته عدة أيام، وإن كان مرض الإمام للمصلحة الإلهية حتى لا يكلف هذا العظيم بالدفاع والجهاد في سبيل الله في تلك الأيام لكي يستطيع في المستقبل أن يحمل الحمل الثقيل للأمانة والإمامة على عاتقه، ويبقى حيّاً بعد والده لمدة 35 أو 34 سنة ويقضي أصعب عصور الإمامة عند الشيعة.

أنتم عندما تنظرون الى ماضي حياة الإمام السجاد (عليه السلام) سوف تجدون حوادث متنوعة وملفتة جداً، كما حدث لبقية أئمتنا، حتى أننا اذا جمعنا سيرة الأئمة (عليهم السلام) معاً فلن نجد مثل سيرة الإمام السجاد (عليه السلام).

إن سيرة كل إنسان بالمعنى الواقعي للكلمة تتضح عندما نعرف التوجه العام له ومن بعدها نقوم بملاحظة الحوادث الجزئية في حياته. فإذا عُرف التوجه العام فإن الحوادث الجزئية سوف يصبح لها معنى، أما اذا لم يعرف ذلك التوجه العام او فهم خطأ فإن تلك الحوادث الجزئية سوف تصبح بدون معنى او بمعنى خطأ. وهذا لا يختص فقط بالإمام السجاد (عليه السلام) او سائر أئمتنا (عليهم السلام) بل إن هذا يصدق وينطبق على سيرة كل انسان.

مثلاً في خصوص الإمام السجاد (عليه السلام) نجد أن رسالته الى محمد بن شهاب الزهري تعتبر نموذجاً لإحدى الحوادث في حياته. فلو أخذنا هذه الحادثة بنفسها وبمعزل عن بقية الحوادث في تلك المرحلة، لا يمكن أن نفهم شيئاً. فقد تكون هذه الرسالة من أحد الذين ينتسبون الى آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأحد العلماء المعروفين في ذلك الزمان وهي تمثل جزءً من جهاد واسع وأساسي، ويمكن أن تكون صادرة عن مفكّر عادي، او يمكن أن تكون اعتراض شخصية على شخصية أخرى كالاعتراضات التي تشاهد على طول التاريخ بين شخصيتين او عدة أشخاص. وهذا ما أردت أن أشير اليه في هذه المسألة وهو أننا اذا التفتنا الى الحوادث الجزئية وقطعنا النظر عن التوجه العام في حياة الإمام فلن تفهم سيرة الإمام، فالمهم أن نعرف التوجه العام.

نذكر بحثنا الأول بشأن التوجه العام للإمام السجاد (عليه السلام) في الحياة ونقرنه بكلماته وحياته، وايضاً بالمفهوم العام عن حياة الأئمة (عليهم السلام) ثم نوضحه.


الصورة العامة لحياة الإمام السجاد (عليه السلام):
كان الإمام السجّاد (عليه السلام) ما بين استلامه للإمامة في عاشوراء 61 هـ واستشهاده مسموماً في سنة 95 هـ يتابع إنجاز هدف إقامة حكومة أهل البيت. لذلك ينبغي أن نفسّر جزئيات عمل الإمام والمراحل التي مرّ بها والاساليب التي اتبعها والتوفيقات التي حصلت وكل الكلمات التي بينها وكل التحركات التي قام بها والأدعية والمناجاة التي جاءت بصورة الصحيفة السجادية.. كل هذه ينبغي أن تفسّر بالنظر إلى الخط العام. كذلك المواقف التي اتخذها طوال مدة الإمامة:

1 ـ موقفه من عبيد الله بن زياد ويزيد الذي تميز بالبطولة والشجاعة والفداء.

2 ـ موقفه الذي تميز بالهدوء من مسرف بن عقبة، هذا الذي قام بتدمير المدينة واستباح أموالها بأمر من يزيد في السنة الثالثة من حكمه.

3 ـ حركة الإمام مقابل عبدالملك بن مروان أقوى خلفاء بني أمية وأمكرهم، حيث تميز موقفه بالشدّة حيناً والاعتدال حيناً آخر.

4 ـ موقف الإمام (عليه السلام) من عمر بن عبدالعزيز.

5 ـ تعامل الإمام مع أصحابه وأتباعه ووصاياه لأصدقائه.

6 ـ موقف الإمام من وعّاظ السلاطين وأعوان الظلمة.

كل هذه المواقف والتحركات ينبغي أن تدرس بدقة. ووفق تصوري أرى أنه بالالفتات إلى النهج العام، فإن كل هذه الجزئيات والحوادث سوف تصبح لها معانٍ مناسبة وواضحة. وسوف تجد عندها أن هذا الإنسان العظيم قد قضى كل حياته وسعيه في طريق الهدف المقدس وهو إقامة حكومة الله على الأرض وتحقيق الإسلام، وقد استفاد من أنضج وأفضل الوسائل، وتقدّم بالقافلة الإسلامية التي كانت بعد واقعة عاشوراء في تشرذم وتفرّق مهول، وأنجز مهمته العظمى ومسؤوليته الأصيلة (التي سوف نشير إليها بالتفصيل لاحقاً)، والتي قام بها كل الأئمة وجميع الأنبياء والرجال الصالحون، مراعياً السياسة والشجاعة والدقّة في الأعمال. وبعد 35 سنة من الجهاد الذي لم يعرف الراحة رحل عن الدنيا كريماً مرفوع الرأس وقد حمل ثقل الرسالة ليَكِل هذا الأمر من بعده إلى الإمام الباقر(عليه السلام).

إن انتقال الإمامة إلى الإمام الباقر (عليه السلام) ومعها مهمة إقامة حكومة الله على الأرض تظهر بصورة واضحة في الروايات. ففي رواية نجد أن الإمام السجاد (عليه السلام) يجمع أبناءه مشيراً إلى محمد بن علي، أي الباقر (عليه السلام)، ويقول: (احمل هذا الصندوق وخذ هذا السلاح وهذه الأمانة بيدك).

وحينما فتح الصندوق كان فيه القرآن والكتاب.

تصوري أن ذلك السلاح يرمز إلى القيادة الثورية وذلك الكتاب يرمز إلى الفكر والعقيدة الإسلامية، وقد أودعهما الإمام السجاد (عليه السلام) ذلك الإنسان الواعي إلى الإمام الذي سيأتي من بعده مودعاً الدنيا راحلاً إلى عتبة الرحمة الإلهية بذهن مرتاح ووجدان هادئ ورأس مرفوع.

كانت هذه الصورة الكلية لحياة الإمام السجاد (عليه السلام). ولكننا لو أردنا أن ندرس جزئيات الأحداث ينبغي، علينا أولاً أن نمهّد بالوضع السابق لها إذ يوجد في حياة الإمام السجاد فصل قصير ومحدّد نذكره أولاً ثم نقوم بعدها بشرح السير العادي لحياة الإمام وتفصيل الأوضاع وأحوال الزمان والظروف التي كانت موجودة.

الفصل المصيري القصير هو مرحلة ما بعد كربلاء، أي فصل الاسر الذي كان قصيراً ولكنه كان مؤثراً جداً ومعبّراً، حيث نجد في عين الأسر الصلابة والقوة.

لقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) يرسم ملحمة بطولية عظيمة بأقواله وأفعاله خلال فترة الاسر والمرض هذه، والتي تعتبر فترة مختلفة تماماً عن المرحلة الاصلية من حياته، حيث اصبح الإمام يعمل على البنية التحتية باعتدال ودقة وهدوء، حتى إنه أحياناً كان يجلس مع عبد الملك بن مروان في مجلس واحد ويتصرف معه تصرفاً معتدلاً. أمّا في هذا الفصل فإننا نشاهد الإمام بصورة ثورية هادرة بحيث انه لم يكن يسكت على أي حديث صغير، وكان أمام الملأ يردّ بأجوبة تزلزل أركان العدو.

في سوق الكوفة أيضاً وبصوت واحد وزمان واحد يخطب الإمام هو وعمته زينب وأخته سكينة فيثورون الناس ويفشون الحقائق.

وفي الشام، في مجلس يزيد أو في المسجد المقابل لجميع الناس يبيّن الإمام الحقائق بأبلغ بيان، بحيث تضمّنت خطبه وكلماته حقانية أهل البيت بالخلافة وأفشت جرائم النظام الحاكم وبينت مدى التخدير الشديد الذي يمارسه النظام ضد الناس الغافلين. ولا يوجد مجال هنا لذكر الخطبة وإماطة جزء من اللثام عن معانيها، لأن هذا عمل مستقل ومنفصل عن موضوعنا، ولكن ينبغي لكل من يريد أن يفسر هذه الخطبة أن يدرسها كلمة كلمة بالالتفات إلى هذه الأصول.
تلك كانت حالة الإمام السجاد(عليه السلام) في مرحلة الأسر العصيبة.


مرحلة ما بعد الأسر:


قد يطرح سؤال هنا وهو أنه لماذا يقوم الإمام السجاد (عليه السلام) في مرحلة ما بعد الأسر بالاعتدال والتقية ويقضي بالدعاء والاعمال المعتدلة على التحركات الثورية والشديدة، وفي مرحلة الأسر يتصرف بشدة وقوة ووضوح؟

والجواب أن مرحلة الاسر كانت فصلاً استثنائياً، حيث كان الإمام السجاد (عليه السلام)، بمعزل عن كونه إماماً ينبغي أن يهيئ أرضية للحركة لإقامة الحكومة الإلهية والإسلامية، كان اللسان الناطق للدماء المسفوكة في عاشوراء، فالإمام السجاد (عليه السلام) لم يكن هنا في الحقيقة بل كان لسان الحسين (عليه السلام) الصامت الذي تجلّى في هذا الشاب الثوري في الشام والكوفة. فلو لم يكن الإمام السجاد (عليه السلام) شديداً وحاداً وصريحاً في بيان القضايا فلن يبقى في الحقيقة مجال لعمله المستقبلي، لأن مجال عمله المستقبلي دم الحسين بن علي (عليه السلام) الهادر، كما أن دم الحسين كان أيضاً ارضية للنهضات الشيعية في طول التاريخ.

وهكذا ينبغي أن يتم العمل أولاً على تحذير الناس، ثم في ظل هذا التحذير تبدأ المعارضة الأصولية والعميقة والبعيدة المدى، ولا يمكن أن يتحقق هذا التحذير إلاّ باللسان الحاد والشديد.

لذلك كان دور الإمام السجاد (عليه السلام) في هذه المرحلة وكذلك دور زينب (عليها السلام) هو بيان ثورة الحسين بن علي (عليه السلام) ، إذ ان معرفة الناس بقتل الحسين ولماذا قتل وكيف قتل سوف تؤثر على مستقبل الإسلام ومستقبل دعوة أهل البيت(عليهم السلام)، بعكس الحال فيما لو لم يعرف الناس ذلك.
بناءً على هذا، فإنه ينبغي لأجل الإطلاع وتوسعة هذه المعرفة على مستوى المجتمع بذل كل ما يمكن بذله الى اقصى الحدود الممكنة. لهذا تحرك الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا الاتجاه مثل سكينة ومثل فاطمة الصغرى ومثل زينب نفسها ومثل كل أسير (كل بقدر استطاعته). لقد اجتمعت كل هذه الطاقات حتى تنثر دم الحسين المسفوك في الغربة في كل المناطق الإسلامية التي مرّوا بها من كربلاء إلى المدينة. وحين دخل الإمام السجاد (عليه السلام) إلى المدينة كان عليه أن يبيّن الحقائق أمام العيون والأنظار الباحثة والسائلة، وقد تم ذلك في أوّل وصوله، لهذا كان هذا الفصل القصير مقطعاً استثنائياً في حياته.

المقطع التالي يبدأ حين يباشر الإمام السجاد (عليه السلام) حياته الاعتيادية في المدينة ، ويبدأ عمله من بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرمه. ولأجل بيان برنامج الإمام نحتاج إلى دراسة الأوضاع التي كانت سائدة وظروف زمانه أيضاً، ولذلك نوكل هذا الموضوع إلى حلقات تالية.


الأرضية الاجتماعية:



عندما حدثت واقعة كربلاء، سيطرت على كافة العالم الإسلامي ـ حيث وصل الخبر وخاصة الحجاز والعراق ـ حالة من الرعب والخوف الشديد بين الشيعة وأتباع الأئمة، لانهم شعروا أن حكومة يزيد مستعدة أن تفعل أي شيء لإحكام قبضتها حتى ولو كان قتل الحسين بن علي (عليه السلام) سبط الرسول الذي هو معروف بالعظمة والاعتبار والقداسة في كافة أنحاء العالم الإسلامي. هذا الرعب الذي ظهرت آثاره في الكوفة والمدينة، بلغ ذروته بعد مرور زمان معين إثر وقوع عدة حوادث أخرى ـ إحداها حادثة

الحرة ـ فسيطر جوّ القمع الشديد في منطقة نفوذ أهل البيت (عليهم السلام) في الحجاز (وخاصة المدينة) وفي العراق (وخاصة الكوفة). فضعفت الاتصالات وصار أتباع الأئمة والمعارضون بالقوة لنظام بني أمية المعدودون في حالة ضعف وعدم ثبات.

وتنقل رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال في الحديث عن الوضع في ذلك الزمان؟ (ارتدّ الناس بعد الحسين (عليه السلام) إلاّ ثلاثة).

وذكر في رواية أنهم خمسة، وفي البعض أنهم سبعة.

وفي رواية عن الإمام السجاد (عليه السلام) ـ يرويها أبو عمر المهدي ـ يقول سمعت عن الإمام أنه قال: (وما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا).

وقد نقلت هذين الحديثين حتى يتضح الوضع العام لعالم الإسلام بالنسبة للأئمة وأتباعهم. فهذا القمع الذي حدث أوجد مثل تلك الحالة التي صار فيها أتباع الأئمة (عليه السلام) متفرقين آيسين خائفين لا يملكون القدرة على التحرك. ولكن في تلك الرواية يكمل الصادق (عليه السلام) القول: (ثم إن الناس لحقوا وكثروا).

التنظيمات السرية:

لو أردنا أن نفصل هذه القضية المذكورة أكثر لكانت على هذا النحو:

بعد واقعة شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) صار الناس في خوف ورعب، لكن ليس إلى درجة أن لا يبقى للتنظيمات التي أعدها أتباع الأئمة باقية، ودليل ذلك أننا نرى أنه في الوقت الذي جاؤوا بأسرى كربلاء إلى الكوفة، شوهدت التحركات التي تدل على وجود التنظيمات الشيعية.

وبالطبع عندما نتحدث عن “التنظيمات الشيعية السرية” لا نقصد النمط الموجود للتنظيمات في هذا العصر، بل المقصود تلك الروابط العقائدية التي كانت تصل الناس بعضهم ببعض وتحملهم على التضحية والأعمال السرية، والتي تؤلف في أذهاننا مجموعة واحدة.

في تلك الأيام التي كان أهل البيت (عليهم السلام) في الكوفة وفي إحدى الليالي يسقط حجر في السجن الذي كانوا فيه. وإذا بالحجر ورقة كتب عليها: “لقد أرسل حاكم الكوفة رجلاً إلى يزيد في الشام حتى يعلم ماذا يفعل بكم، فإذا سمعتم غداً ليلاً صوت تكبير فاعلموا أنكم ستقتلون هاهنا، وإذا لم تسمعوا فاعلموا أن الوضع سيتحسن”.

عندما نسمع مثل هذه القصة ندرك جيداً وجود شخص من أعضاء هذه التنظيمات داخل الجهاز الحاكم لابن زياد وهو مطلع على ما يجري. ويمكنه أن يصل إلى السجن ويوصل صوته إليه.

مثال آخر: عبدالله بن عفيف الأزدي الرجل الأعمى الذي قام بردة الفعل الأولى عند ورود الأسرى إلى الكوفة وأدى ذلك إلى استشهاده. وكذلك ما كنّا نرى في الشام عند اللقاء بأهل البيت من البكاء والملامة، وهذه الحوادث تكررت حتى في مجلس يزيد أيضاً.

بناء على هذا، فمع وجود الرعب الشديد بعد هذه الحادثة لم يتحطم نظام عمل الشيعة ولم يتفرقوا أشد التفرق. ولكن بعد وقوع حوادث أخرى ازداد جوّ القمع أكثر. ومن هنا يمكن ربط الحديث (ارتد الناس بعد الحسين... ) بالحوادث التي وقعت بعده.

وخلال هذه المرحلة ـ قبل وقوع الحوادث الأخرى ـ قام الشيعة بإعادة الانسجام السابق والاستعداد.

وينقل الطبري قائلاً: “فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد لها”.
وهو يقصد الشيعة في طلب الثأر لدماء الحسين بن علي (عليه السلام). وازداد عددهم يوماً بعد يوم حتى مات يزيد بن معاوية.

ولهذا نجد مع كل هذا الضغط والقمع الشديد ازدياد التحركات ـ كما ينقل الطبري ـ ولعله إشارة لهذا الدليل يقول مؤلف كتاب “جهاد الشيعة” (وهو كاتب غير شيعي ولا يمتلك رؤية واقعية تجاه الإمام السجاد (عليه السلام) ولكنه أدرك هذه الحقيقة): “أصبح الشيعة بعد شهادة الحسين (عليه السلام) كتنظيم واحد تجمعهم الاعتقادات والروابط السياسية ويعقدون الاجتماعات، ولهم القادة والقوى العسكرية. وكان التوّابون أول مظهر لهذه التنظيمات”.

إذن نشعر أنه مع تسلّل الضعف إلى التنظيمات الشيعية إثر حادثة عاشوراء، فإن التحركات الشيعية في مقابل هذا الوضع استمرت بنشاط لإعادة هذا التنظيم إلى سابق عهده، إلى أن جرت “واقعة الحرة”. وبرأيي فإن واقعة الحرة كانت مفصلاً عظيماً في تاريخ التشيع وضربة كبيرة جداً له.

لقد جرت هذه الواقعة سنة 63 للهجرة. وتفصيلها باختصار أنه في سنة 62 هـ وُلّي أحد شباب بني أمية على المدينة ففكر لاستمالة قلوب الشيعة في المدينة أن يدعو بعضهم إلى ملاقاة يزيد. فدعا بعض أشراف المسلمين والصحابة ـ الذين كانوا في معظمهم من محبي الإمام السجاد (عليه السلام) ـ إلى الشام للقاء يزيد والاستئناس به. فذهبوا إلى الشام والتقوا به حيث مكثوا عدة أيام. وأعطاهم يزيد مبالغ كبيرة من المال (بمقدار 50 الف درهم أو مئة الف) ثم رجعوا إلى المدينة.

عندما عادوا إلى المدينة ـ ولأنهم رأوا الفجائع في بلاط يزيد ـ بدأوا بانتقاده والتهجم عليه. وانقلبت القضية، فبدلاً من مدحه والثناء عليه بدأوا بالتشهير به وقالوا للناس: كيف يمكن أن يكون يزيد خليفة وهو شارب للخمر ويلاعب الكلاب والقردة ويمارس أنواع الفسق والفجور. إننا نخلعه عن الخلافة.

وكان على رأس هؤلاء عبدالله بن حنظلة الذي دعا الناس إلى القيام على يزيد وخلعه. فأدت هذه الحركة إلى أن يأمر يزيد أحد قادته من بني أمية ويدعى “مسلم بن عقبة” بالإسراع إلى المدينة وإخماد الثورة فيها. فقدم ابن عقبة وحاصرها عدة أيام ثم دخلها وارتكب فيها أبشع وأفجع الجرائم التي لم يحدث مثلها في تاريخ الإسلام.

وقد عرف بعد هذه الحادثة المفجعة باسم “مسرف بن عقبة”.

مجريات وتفاصيل هذه الحادثة كثيرة ولا أريد هنا أن أشرح ما جرى، ولكن يكفي أن أقول أنها أصبحت أكبر وسيلة لإرعاب محبي وأتباع أهل البيت، خاصة في المدينة التي هرب منها من هرب وقتل آخرون، بعضهم من أصحاب أهل البيت الخيرين كعبد الله بن حنظلة.

لقد وصل هذا الخبر إلى كافة أقطار العالم وعُلِم أن النظام الحاكم سوف يقف بقوة أمام أية حركة من هذا القبيل.

الحادثة الأخرى التي أدت إلى إضعاف الشيعة هي حادثة شهادة المختار في الكوفة وتسلط عبدالملك بن مروان على كافة العالم الإسلامي.

فبعد موت يزيد، تبعه خلفاء لم يدوموا في الحكم إلاّ فترات قليلة كمعاوية بن يزيد الذي لم يحكم أكثر من ثلاثة أشهر، ثم مروان بن الحكم الذي حكم لمدة سنتين أو أقل، ثم وصل الأمر إلى عبدالملك الذي كان أكثرهم تدبيراً كما جاء بشأنه:

كان عبدالملك أشدهم شكيمة وأقساهم عزيمة”.

فاستطاع أن يقبض على زمام أمور العالم الإسلامي بيده ويوجد نظاماً إرهابياً وقمعياً، وكان امساكه بزمام الأمور متوقفاً على القضاء على خصمائه؛ فالمختار الشيعي قد صُفّي قبل مجيئه على يد مصعب بن الزبير، ولكن عبدالملك أراد أن يضع نهاية لاستمرار حركة المختار وغيره في عالم التشيع. وبالفعل قام بذلك، حتى عانى الشيعة في العراق وخاصة الكوفة التي كانت في ذلك الوقت أهم مراكزهم أشد معاناة.

على كل حال، لقد بدأت هذه الحوادث من واقعة كربلاء ثم تتالت: من قبيل واقعة الحرة والقضاء على حركة التوابين في العراق وشهادة المختار وشهادة إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي وآخرون عظام من الشيعة. وبشهادتهم طغى جوّ من القمع والخمود الشديد على المراكز الشيعية في المدينة والكوفة وحلت غيوم الغربة والوحدة على المكان.



مواقف الإمام في مراحل القمع:


يظن البعض أنه فيما لو أراد الإمام أن يقاوم نظام بني أمية لكان ينبغي أن يرفع راية المقاومة، أو أن يلتحق بالمختار أو عبدالله بن حنظلة أو أن يقودهما معلناً بذلك المقاومة المسلحة بكل وضوح. لكننا نفهم من خلال النظر إلى ظروف زمان الإمام السجاد (عليه السلام) أن هذا ظنّ خاطئ وذلك بالالتفات إلى هدف الأئمة (عليهم السلام) الذي سأبينه لاحقاً.

لو قام الأئمة (عليهم السلام)، ومن جملتهم الإمام السجاد (عليه السلام) في تلك الظروف بمثل هذه التحركات العلنية والسلبية، فـ باليقين لما بقي للشيعة من باقية، ولما بقيت الأرضية أو فسح المجال لاستمرار ونمو مدرسة أهل البيت ونظام الولاية والإمامة فيما بعد. لهذا نجد أن الإمام السجاد (عليه السلام) في قضية المختار لم يعلن التعاون معه، وبرغم ما جاء في بعض الروايات عن ارتباط سري بينهما إلاّ أنه وبدون أدنى شك لم يكن ارتباطاً علنياً، حتى قيل في بعض الروايات أن الإمام السجاد (عليه السلام) كان يذم المختار، ويبدو هذا الأمر طبيعياً جداً من ناحية التقية، وذلك حتى لا يُشعر بوجود أي ارتباط بينهما، مع العلم بأنه فيما لو انتصر المختار فإنه بالتأكيد سيعطي الحكومة لأهل البيت (عليهم السلام)، ولكن في حال هزيمته، ومع وجود أدنى ارتباط واضح وعلني، لكانت النقمة شملت وبشكل قطعي الإمام السجاد (عليه السلام) وشيعة المدينة واجتثت جذور التشيع أيضاً. لأجل ذلك لم يُظهر الإمام أي نوع من الارتباط العلني معه.

جاء في إحدى الروايات أنه عندما دخل مسلم بن عقبة إلى المدينة في واقعة الحرة، لم يشك أحد على الاطلاق في أن أول شخص سيقع ضحية نقمته هو علي بن الحسين (عليه السلام)، لكن الإمام السجاد بتدبيره الحكيم تصرف بحيث دفع هذا البلاء عنه، وبذلك حافظ على استمرار المحور الأصلي للشيعة.

وهناك روايات في بعض الكتب ـ منها “بحار الانوار” ـ تحكي عن إظهار التذلل من قبل حضرة السجاد (عليه السلام) عند مسلم بن عقبة، ولكنني بالقطع أكذب هذه الروايات وذلك للإسباب التالية:

أولاً: لا تستند هذه الروايات إلى أي سند صحيح.

ثانياً: يوجد روايات أخرى تكذبها وتدفعها من حيث المضمون.

ففي لقاء الإمام (عليه السلام) مع مسلم بن عقبة توجد روايات عديدة لا تنسجم أية واحدة منها مع الأخرى، لأن بعض تلك الروايات تنطبق وتنسجم أكثر مع نهج الأئمة وسيرتهم، فنحن بصورة طبيعية نقبلها.

على كل حال، مع أننا لا نقبل بتلك الروايات التي تتحدث عن صدور مثل هذه الأفعال عن الإمام، ولكننا لا نشك أيضاً في أن الإمام لم يقابل مسلم بن عقبة بتصرف معادٍ، لأن أي تصرف من هذا القبيل سوف يؤدي إلى قتل الإمام، وهذا سيؤدي بدوره إلى خسارة عظيمة لا تجبر بلحاظ الدور الذي ينبغي أن يقوم به الإمام السجاد بالنسبة لثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وتبليغ حقيقتها. لهذا يبقى الإمام ـ وكما قرأنا في رواية الإمام الصادق (عليه السلام) ـ ويلحق الناس شيئاً فشيئاً ويزداد عددهم. وفي ظل تلك الظروف الصعبة وغير المساعدة يبدأ عمل الإمام السجاد (عليه السلام).

في تلك الفترة ساد حكم عبد الملك ـ الذي شمل أكثر مراحل الإمام لمدة تجازوت الثلاثين سنة ـ وكان نظامه يقوم بالإشراف التام والمراقبة الدائمة لحياة الإمام السجاد (عليه السلام)، ويستخدم الجواسيس والعيون الكثيرة التي كانت تنقل إليه أدق التفاصيل حتى المسائل الداخلية والخاصة للإمام.

فمثلاً كان للإمام السجاد (عليه السلام) جارية تزوجها بعد أن أعتقها. وصل هذا الخبر إلى عبدالملك، فكتب رسالة إلى الإمام السجاد أراد أن يفهمه فيها أنه مطلع على أعماله ومجريات حياته، وكان يريد ضمن ذلك أيضاً أن يقوم بنوع من البحث والتفاخر والاستعلاء، فيكتب للإمام أن هذا العمل ليس من سيرة قريش، وأنت من قريش، فما كان ينبغي أن تفعل هذا! فيجيبه الإمام جواباً شديداً مظهراً عدم تقبله لتصرف عبدالملك الممتزج بالتودد والمكر.

بعد أن اتضحت أرضية عمل الإمام، أشير بشكل مختصر إلى الهدف والمنهج الذي اعتمده الأئمة، وبعدها نقوم بدراسة جزئيات حياة ذلك الإمام فيما يتعلق بهذا النهج.

بدون شك كان الهدف النهائي للإمام السجاد (عليه السلام) إيجاد الحكومة الإسلامية، وكما جاء في كلام الصادق (عليه السلام) بأن الله تعالى قد وقت عام 70 لقيام الحكومة الإسلامية، ثم بسبب قتل الإمام الحسين (عليه السلام) سنة 60 فإن الله أخرها إلى سنة 147 ـ 148، وهذا يحكي بشكل تام عن أن الهدف النهائي للإمام السجاد وسائر الأئمة هو إيجاد الحكومة الإسلامية. ولكن كيف يمكن أن تقام الحكومة الإسلامية في مثل تلك الظروف؟!

إن هذا يحتاج إلى عدة أمور:

1 ـ ينبغي أن تدّون وتدرس وتنتشر المدرسة الإسلامية الحقيقية التي يحمل علمها الأئمة (عليهم السلام)، هذه المدرسة التي هي أيضاً المبنى الأساس للحكومة الإسلامية.

إذ كيف يمكن أن تقام حكومة مبنية على أساس الفكر الإسلامي الأصيل، والمجتمع الإسلامي قد أبعد لسنوات طويلة عن الفكر الإسلامي الصحيح، إضافة إلى أنه لم تكن هناك أية ظروف مساعدة لنشره وتثبيت أركانه بين الناس؟

إن أعظم الأدوار التي مارسها الإمام السجاد (عليه السلام) هي أنه دوّن الفكر الأصيل للإسلام: كالتوحيد، والنبوة، وحقيقة المقام المعنوي للإنسان، وارتباطه بالله، وأهم دور كان للصحيفة السجادية هو في هذا المجال. فانظروا إلى هذه الصحيفة، ثم جولوا ببصركم في أوضاع الناس على صعيد الفكر الإسلامي في ذلك الزمان ستجدون مدى المسافة التي تفصل بين الاثنين.

ففي ذلك الزمان الذي كان المسلمون في كل أنحاء العالم الإسلامي يسيرون نحو الحياة المادية والملذات بدءاً من شخص الخليفة عبدالملك بن مروان إلى العلماء المحيطين به (ومن جملتهم محمد بن شهاب الزهري، وسوف أذكر أسماء علماء البلاط فيما بعد)، نزولاً إلى الجميع الذين كانوا يغوصون في بحر الدنيا والماديات، يقف الإمام السجاد (عليه السلام) ويقول مخاطباً الناس: (أولا حرّ يدع هذه اللمامة لأهلها).

ففي هذه الجملة يوضح الإمام أن الفكر الإسلامي الاصيل كان عبارة عن: جعل الهدف للمعنويات والتحرك نحو الوصول إلى الاهداف المعنوية والإسلامية، وجعل الإنسان يرتبط بالله عبر التكليف. وهذا هو الموقف المقابل تماماً لحركة الناس في ذلك الزمن.

كان على الإمام السجاد (عليه السلام) أن يقوم بعمل كبير لأجل أن يحفظ الفكر الأصيل للإسلام في فضاء المجتمع الإسلامي. وكانت هذه الحادثة بداية أعمال الإمام السجاد (عليه السلام).

2 ـ تعريف الناس على حقانية أولئك الذين ينبغي أن يتسلموا زمام الحكم، إذ كيف يمكن لأهل البيت تشكيل حكومة في الوقت الذي كان الإعلام والتبليغ ضد آل الرسول قد ملأ العالم طوال عشرات السنين حتى عصر الإمام السجاد (عليه السلام)، وفيه ظهرت الأحاديث الموضوعة على رسول الله والتي تخالف حركة أهل البيت، بل إنها في بعض الموارد تشتمل على سبهم ولعنهم، وقد نشرت بين اناس لم يكن لديهم أي اطلاع على المقام المعنوي والواقعي لأهل البيت.

لهذا، فإن أحد الأهداف والتحركات المهمة للإمام كانت ترتبط بتعريف الناس على حقانية أهل البيت وأن مقام الولاية والإمامة والحكومة حق ثابت لهم وهم الخلفاء الواقعيون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا الأمر إضافة لما له من أهمية عقائدية وفكرية فإنه يرتبط بالحركة السياسية المناهضة للنظام الحاكم.

3 ـ كان على الإمام أن يؤسس بعض الاجهزة والتشكيلات التي يمكن أن تكون منطلقاً أصلياً للتحركات السياسية المستقبلية؛ ففي مجتمع متمزق يعيش تحت أنواع القمع والفقر والتضييق المالي والمعنوي، وبالأخص الشيعة الذين كانوا يعانون من تضييق متزايد، لم يكن باستطاعة الإمام السجاد (عليه السلام) أن يقوم وحده أو مع جماعة قليلة وغير منظمة بالثورة والمواجهة. لهذا كان همّ الإمام السجاد (عليه السلام) أن يبدأ بتشكيل هذه التنظيمات التي كانت ـ برأينا ـ موجودة منذ أيام أمير المؤمنين، غير أنها ضعفت وتلاشت إثر واقعة عاشوراء والحرة وواقعة المختار.

بالنتيجة نجد أن عمل الإمام يدور ضمن ثلاثة محاور:

الأول: تدوين الفكر الإسلامي بصورة صحيحة وطبق ما أنزل الله، بعد مرور أزمنة من التحريف والنسيان عليه.

الثاني: إثبات حقانية أهل البيت في الخلافة والإمامة.

الثالث: إيجاد التشكيلات المنظّمة لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) وأتباع التشيع.

هذه الأعمال الثلاثة هي التي ينبغي أن ندرسها ونبحث لنرى أي واحد منها قد تحقق في حياة الإمام السجاد (عليه السلام).

إلى جانب هذه الأعمال كانت هناك أيضاً أعمال أخرى وتحركات قام بها الإمام وأتباعه لأجل اختراق ذلك الجو المرعب والقمعي؛ ففي ظل الإجراءات الأمنيّة المشدّدة التي كان يفرضها الحكم نلاحظ مواقف عديدة للإمام أو أتباعه، كان الهدف منها كسر حواجز القمع وصناعة بعض الأجواء الملائمة ، خاصة مع الأجهزة الحاكمة أو التابعة لها، مثل المواقف التي حدثت بين الإمام وعبدالملك عدة مرات، أو الأمور التي جرت مع العلماء المنحرفين والتابعين لعبدالملك (من قبل محمد بن شهاب الزهري)، كل ذلك لأجل خرق ذلك الجو المتشدد.

إن الباحث عندما يستعرض الروايات سواء الأخلاقية أو المواعظ أو الرسائل التي نقلت عن الإمام أو التصرفات التي صدرت عنه، وذلك على اساس ما بيّناه، فإنه سوف يجد لها المعاني المناسبة، وبتعبير آخر سوف يرى أن جميع تلك التحركات والأقوال كانت ضمن الخطوات الثلاث التي اشرنا إليها، والتي كانت تصب جميعاً في دائرة إيجاد الحكومة الإسلامية. وبالتأكيد لم يكن الإمام يفكر في إيجاد حكومة إسلامية في زمانه، لأنه كان يعلم أن وقتها في المستقبل، أي في الحقيقة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام).

انتهينا في الأبحاث الماضية إلى ان هدف جميع الأئمة (عليهم السلام) بما فيهم الإمام السجاد (عليه السلام) كان إقامة الحكومة الإسلامية، وأن تحقيق هذا الهدف استلزم من الإمام السجاد (عليه السلام) القيام بثلاثة أدوار، بدونها لن يكون هناك إمكانية لإقامة هذه الحكومة.

الأول: تعريف الناس على الفكر الإسلامي الأصيل. هذا الفكر الذي دفن تحت تراب النسيان نتيجة حكم الظالمين طوال ذلك الزمان، أو تعرّض للتحريف في عقول المسلمين. فكان على الإمام السجاد (عليه السلام) أن يقوم بتعريف الناس على الحقائق الإسلامية والاصول الدينية بكل ما أمكنه من قوة وبأكبر درجة تصل إليها أمواج كلماته وتعاليمه.

الثاني: تعريف الناس على حقيقة قضية الإمامة، وبتعبير آخر بيان مسألة الحكومة الإسلامية والحكم الإسلامي الحقيقي، وتوعية المجتمع الإسلامي على حقيقة مجريات ذلك الزمان الذي شهد حكم الظالمين والكفار والفاسقين، وإفهامه بأن حكومة عبدالملك وأمثالها ليست الحكومة التي يريدها الإسلام. فمادام الناس غير مدركين لهذه القضية ولم يخرجوا من حالة التخدير التي تفاقمت على مرور الزمان، فإن إقامة الحكومة التي يريدها الإمام السجاد (عليه السلام) سوف تبقى غير ممكنة.

الثالث: تشكيل مجموعة لتأسيس حزب يكون أعضاؤه كوادر أساسيين لجهاز الإمامة.

وبهذه الأمور الثلاثة سوف تتهيأ أرضية إقامة الحكومة الإسلامية والنظام الإسلامي.

لقد قلت سابقاً وأؤكد ما قلته الآن بأن الإمام السجاد (عليه السلام) لم يكن يرى أنه سيتم تحقيق الحكومة الإسلامية في زمانه (وهذا بخلاف ما عمل لأجله الإمام الصادق (عليه السلام) في زمانه)، لأنه كان معروفاً بأن الأرضية في زمان الإمام السجاد (عليه السلام) لم تكن معدة لذلك، فقد كان الظلم والقمع والجهل أكبر من أن يزول خلال هذه السنوات الثلاثين. لقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) يعمل للمستقبل. ومن خلال القرائن العديدة نفهم أيضاً أنه حتى الإمام الباقر (عليه السلام) لم يكن يهدف إلى إقامة حكومة إسلامية في زمانه، أي أنه منذ سنة 61 حتى 95 هـ (شهادة الإمام السجاد (عليه السلام)) ومنذ سنة 95 حتى 411 هـ (شهادة الإمام الباقر (عليه السلام)) لم يسعَ كل منهما إلى إقامة حكومة إسلامية في زمانه، ولهذا كانا يعملان على المدى البعيد.

وسوف نستشهد على ما قلناه بكلمات وبيانات الإمام السجاد (عليه السلام) لأنها أفضل المصادر وأكثرها أصالة للتعريف على سيرة وحياة الإمام السجاد (عليه السلام) بل على حياة كل الأئمة (عليهم السلام). غاية الأمر ـ وكما أشرنا سابقاً ـ أننا نفهم هذه البيانات بصورة صحيحة عندما نطلع على حركة الأئمة ومقصدهم من الجهاد والمواجهة والسعي والسير، وبغير هذه الصورة قد نفهم معاني هذه الكلمات، التي سوف أبيّنها، بشكل سيّئ.

والآن بعد أن اطّلعنا على بعض تلك الحوادث والتي استفدناها ببركة بيانات الأئمة (عليه السلام) وكلماتهم، سوف نعتمد الآن على نفس المصادر وسنرى أية استفادات صحيحة نحصّلها.

قبل أن ندخل في صلب البحث ينبغي أن نذكّر بنقطة قصيرة وهي أنه بسبب مرحلة القمع الشديد التي كان يعيشها الإمام السجاد (عليه السلام)، لم يستطع أن يبيّن لنا تلك المفاهيم بصورة واضحة، ولذلك كان يستفيد من أسلوب الموعظة والدعاء (خاصة أدعية الصحيفة السجادية التي سوف نتعرض لها فيما بعد والبيانات والروايات التي نقلت عن الإمام (عليه السلام) والتي كان يطغى عليها لحن الموعظة) حيث كان الإمام من ضمن بيان الموعظة والنصيحة يبيّن ما أشرنا إليه سابقاً، وبهذا اتّبع الإمام السجاد (عليه السلام) منهجاً حكيماً وشديد الحذاقة. وبذلك الاسلوب الذي ظاهره موعظة الناس ونصحهم أدخل الإمام (عليه السلام) إلى أذهانهم ما يريده، وهذا من أفضل أشكال التعاطي الأيديولوجي والفكري الصحيح.

ما سنقوم بدراسته هنا هو كلمات الإمام السجاد (عليه السلام) الواردة في كتاب “تحف العقول” حيث سنشاهد عدة أنواع من الاسلوب المذكور والتي تشير إلى طبيعة الجهات المخاطبة.

أحد تلك الأنواع، البيانات الموجّهة لعامة الناس والتي يظهر فيها أن المستمع ليس من الجماعة المقربة والخاصة للإمام أو من الكوادر التابعين له. وفي هذه الخطابات يستند الإمام (عليه السلام) دائماً إلى الآيات القرآنية، لماذا؟ لأن عامة الناس لا ينظرون إلى الإمام السجاد (عليه السلام) كإمام، بل يطلبون الدليل في كلماته، ولهذا كان الإمام يستدل إمّا بالآيات أو بالاستعارة من الآيات، حيث استخدم هذا الأسلوب في أكثر من 50 مورداً ذكر في تلك الروايات.

ولكن في الخطاب الموجّه إلى المؤمنين نجد الأمر مختلفاً، لأن هؤلاء المؤمنين يعرفون الإمام السجاد (عليه السلام) وقوله مقبول عندهم، ولهذا لم يكن يستند في كلامه إلى الآيات القرآنية. ولو أحصينا كل كلامه الموجه إليهم لوجدنا أن استخدام الآيات القرآنية فيه قليل جداً.

في رواية مفصّلة في كتاب “تحف العقول” تحت عنوان: “موعظة لسائر أصحابه وشيعته وتذكيره إياهم كل يوم جمعة”، حيث نجد هنا أن دائرة المستمعين واسعة، وهذا ما نستنتجه من القرائن المفصلة الواردة فيها.

ففي هذه الرواية لم يستخدم الإمام كلمة “أيها المؤمنون” أو “أيها الإخوة” حتى نعلم أن خطابه موجه إلى جماعة خاصة، ولكنه قال (أيها الناس) وهذا يشير إلى عمومية الخطاب.

ثانياً: لا يوجد في هذه الرواية تصريح بشيء معارض للجهاز الحاكم، بل انصرف كل الخطاب لبيان العقائد، وما ينبغي ان يعرفه الإنسان وذلك بلسان الموعظة.

فالخطاب يبدأ هكذا: (أيها الناس، اتّقوا الله واعلموا أنكم إليه راجعون..) ثم يتطرق الإمام (عليه السلام) إلى العقائد الإسلامية ويوجّه الناس إلى ضرورة فهم الإسلام الصحيح. وهذا يدل على أنهم لا يعرفون الإسلام الصحيح، حيث يوقظ بهذا البيان الدافع لمعرفة الإسلام الصحيح بين الناس.

انظروا مثلاً كيف يستفيد الإمام السجاد (عليه السلام) من أسلوبه الجذاب، حيث يقول: (ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده)، وبهذا يريد أن يوقظ فيهم الدافع لمعرفة الله وفهم التوحيد، (وعن نبيّك الذي أرسل إليك)، ثم الدوافع لفهم النبوة، (وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه...) وفيها، وأثناء عرضه لهذه العقائد الأصيلة وهذه المطالب الاساسية للإسلام كالتوحيد والنبوة والقرآن والدين، يبيّن هذه النقطة الاساسية بقوله (عليه السلام): (وعن إمامك الذي كنت تتولاه). فهو هنا يطرح موضوع الإمامة، وقضية الإمامة عند الأئمة تعني قضية الحكومة، إذ لا يوجد فرق بين الولاية والإمامة على لسان الأئمة (عليهم السلام). وإن كان للولي والإمام معانٍ مختلفة عند البعض، ولكن هاتين القضيتين ـ الولاية والإمامة ـ على لسان الأئمة أمر واحد والمراد منهما واحد. وكلمة “الإمام” المقصودة هنا تعني ذلك الإنسان المتكفل بإرشاد الناس وهدايتهم من الناحية الدينية، وأيضاً المتكفّل بإدارة أمور حياتهم من الناحية الدنيوية، أي خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

الناس في إيران وفي الفترة السابقة لعهد الإمام (الخميني) لم يكونوا يعرفون المعنى الحقيقي للإمام ولكن الشعب اليوم أصبح يفهم معناها جيداً. فنحن نقول ان الإمام بمعنى قائد المجتمع، أي ذلك الإنسان الذي نتعلم منه ديننا وتكون بيده أيضاً إدارة دنيانا، بحيث تكون إطاعته في أمور الدين وأمور الدنيا واجبة علينا.

ولحسن الحظ أن هذا المعنى “للإمام” قد ركز في أذهان الناس بعد الثورة.

في عالم التشيّع تعرضت هذه القضية (دور الإمام) إلى فهم خاطئ؛ ففي السابق كان الناس يتصوّرون أنّ هذا الفرد الواحد هو الذي يحكم المجتمع وهو الذي ينبغي أن يدير أمور الحياة بيده وبجهده الخاص، فيحارب ويصالح ويعمل وينفذ كل طلب هو بنفسه، فهو يأمر الناس وينهاهم من جهة، وفي نفس الوقت هو الذي ينفّذ هذه الأمور وحده لإصلاح دينهم! واليوم أيضاً تعرّضت هذه القضية للفهم الخاطئ بحيث أصبحنا نعتبر أن الإمام في عصر الغيبة ما هو إلاّ عالم ديني، وهذا بالطبع تصور خاطئ.



لفظة “إمام” تعني المتقدم والقائد:


فالإمام الصادق (عليه السلام) عندما كان يلفت الناس في منى أو عرفات بقوله: (يا ايها الناس إن رسول الله هو الإمام)، كان يشير إلى أن الإمام هو ذلك الإنسان الذي يتولى أمور الناس الدينية والدنيوية.

في المجتمع الإسلامي أيام حكم عبدالملك بن مروان وفي عصر الإمام السجاد (عليه السلام) كان هذا المعنى يفهم بشكل خاطئ، لأن إمامة المجتمع، وهي إدارة شؤون حياة الناس، قد أخذت من أهلها وأعطيت إلى من لا أهلية لهم بها، حيث كانوا يسمون أنفسهم بالأئمة ويعرفهم الناس بذلك، فالناس كانوا يطلقون لقب الإمام على عبدالملك ومن قبله على أبيه وقبلهما على يزيد وغيره، وقد قبلوهم على أساس أنهم قادة المجتمع وحكام الناس.

وهكذا عندما كان الإمام السجاد (عليه السلام) يقول: إنك ستُسأل عن إمامك في القبر، كان يشير إلى أنك هل انتخبت الإمام المناسب والصحيح؟ وهل ذلك الشخص الذي كان يحكمك، ويقود المجتمع الذي تعيش فيه هو حقاً إمام؟ وهل هو ممن رضي الله عنه؟ لقد كان الإمام بهذا الكلام يوقظ الناس ليجعل هذه القضية في نفوسهم حساسة.

بهذه الطريقة كان الإمام يحيي قضية الإمامة التي لم يكن الجهاز الأموي الحاكم يرضى أبداً بالتطرق إليها في المواعظ وفي الخطابات العامة. (كانت هذه من إحدى الوسائل الهادئة التي استخدمها الإمام في هذا المجال، وسوف نشير لاحقاً إلى أساليب أكثر حدّية).

بناءاً على هذا ففي البيان العام الموجه إلى عامة الناس نجد أن الإمام وبلغة الموعظة كان يحيي المعارف الإسلامية، وخاصة تلك المعارف الحساسة في ذهن الناس، ويسعى لأجل أن يتعرف الناس عليها ويتذكروها.

ويمكن الالتفات في هذا النوع من الخطاب إلى نقطتين:

الأولى: إن هذا النوع من البيان للإمام لم يكن تعليماً، بل من نوع التذكير. أي إن الإمام لم يكن يجلس ليبين للناس دقائق التوحيد، أو يفسر لهم مسألة النبوة. وإنما يذكرهم بها. لماذا؟ لأن المجتمع الذي كان يعيش فيه الإمام لم تكن تفصله عن مرحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسافة زمنية كبيرة حتى ينحرف كلياً عن العقائد الإسلامية، بل كان هناك الكثير من الاشخاص الذين عايشوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومرت عليهم مرحلة الخلفاء الراشدين وقد عاصروا أئمتنا العظام من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الإمام الحسن (عليه السلام) إلى الإمام الحسين (عليه السلام). ومن الناحية الاجتماعية لم يكن الوضع قد وصل إلى مرحلة يعاني فيها المجتمع الإسلامي من الانحراف العقائدي والاصولي بالنسبة لمسألة التوحيد والنبوة والمعاد والقرآن.

نعم، كانت هذه المسائل تدريجياً تخرج من ذاكرتهم، وكانت الحياة المادية تحيط بهم إلى درجة نسيان الفكر الإسلامي وفكر الاعتقاد بالإسلام.

فلقد كانت الحوادث الدنيوية والمادية في المجتمع تجري بحيث لا تبقي في أذهان الناس اي توجه للتسابق في مضمار المعنويات والخيرات. وفي حال حصول هذا الأمر فإنه لم يكن يتعدى القشور والسطوح.

أما بالنسبة للمفهوم الذي كان الناس يحملونه في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والعصر المتصل به عن التوحيد والحساسية المتميزة تجاهه، فلم يكن الناس في عصر الإمام يحملونه. هنا كان الأمر يحتاج إلى التذكير حتى يرجع الأمر إلى سابق عهده، لا أن هناك أشياء محرفة ينبغي أن تصحح. وهذا بخلاف المراحل اللاحقة، كمرحلة الإمام الصادق (عليه السلام)، لأن المسألة حينها لم تكن بهذا الشكل؛ فقد ظهر في ذلك الوقت الكثير من المتكلمين والمتفلسفين والمفكرين، وتحت عناوين متعددة كانوا يجلسون في المساجد الكبرى، مثل مسجد المدينة وحتى المسجد الحرام ومسجد الشام ويدرّسون العقائد المنحرفة والباطلة. لقد برز حينها أناس مثل “ابن أبي العوجاء” يدرسون عقائد الزنادقة والالحاد. لهذا، إذا تأملتم أحاديث وكلمات الإمام الصادق(عليه السلام) تجدون بيان التوحيد والنبوة وأمثالها بصورة استدلالية.

فالحاجة إلى الاستدلال ضرورية لمواجهة استدلال الخصم. وهذا ما لا نجده في بيانات الإمام السجاد (عليه السلام) التي كانت تعتمد على الوجدان حتى لا تنسى القضايا الأساسية.

باختصار لم يكن عصر الإمام السجاد (عليه السلام) يحكي عن خروج عن الفكر الإسلامي حتى عند الحكام. نعم قد يظهر لي أن هناك مورداً حدث فيه مثل هذا الأمر وذلك عندما ألقى يزيد اللعين تلك الابيات الشعرية في حالة السكر عندما أحضر أسرى أهل البيت (عليهم السلام) فقال:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

ولكن إذا شئنا أن نقول، فإن هذا الكلام كان تحت تأثير السكر. وإلاّ حتى أمثال عبدالملك أو الحجاج لم يكونوا يجرؤون على إعلان مخالفتهم لفكرة التوحيد أو النبوة. لقد كان عبدالملك بن مروان يقرأ القرآن إلى درجة أنه عرف كأحد قرّاء القرآن. غاية الأمر أنه عندما وصل إليه خبر تنصيبه خليفة قبّل القرآن وقال: “هذا فراق بيني وبينك”. إن هذا ما حدث فعلاً. والحجاج بن يوسف الذي سمعتم عن ظلمه (وباليقين إن الذي سمعتموه هو أقل بكثير مما فعله) كان عندما يخطب في الناس يأمرهم بالتقوى. وهكذا نفهم أن ما كان في حياة الإمام السجاد (عليه السلام) هو التذكير بالأفكار الإسلامية لإخراج الناس من مستنقع الدنيا والدوافع المادية إلى ساحة معرفة الله والدين والقرآن.

الثانية: وهي ما أشرنا إليه سابقاً من أن الإمام من خلال بيانه العام الذي اتخذ أسلوب الموعظة كان يأتي على ذكر مسألة الإمامة. كما كان يحدث في النظام الشاهنشاهي البائد عندما كان البعض يتحدث إليكم ويذكّركم قائلاً: أيها الناس فكروا بالله وبالتوحيد والنبوة وبقضية الحكومة.. فانظروا هنا كيف يمكن أن نفهم مسألة الإمامة وكيف كانت هذه الكلمة في النظام السابق كلمة خطرة. فحينها لم يكن الإتيان على ذكر الحكومة بالأمر السهل، أما إذا جاء ذلك بلغة الوعظ وعلى لسان رجل زاهد وعابد فإنه يمكن أن يقبل. وبتعبير آخر لا يثير الحساسيات.

هذا نوع من بيانات الإمام السجاد (عليه السلام)، أما النوع الثاني فهو ذلك الخطاب الموجه إلى مجموعة خاصة وليس مشخصاً فيها لمن، ولكنه موجه إلى مجموعة من الذين يخالفون النظام الحاكم. فمن يمكن أن يكون هؤلاء؟



بناء الكوادر:


النوع الثاني من البيانات هو تلك التي يوجه فيها الخطاب لمجموعة خاصة. هذه الخطابات وإن لم يعلم منها بالتحديد من هي تلك الفئة المخاطبة، ولكن من الواضح أنها لفئة مخالفة للنظام الحاكم وأفرداها هم في الواقع من أتباع الإمام (عليه السلام) ومن المعتقدين بحكومة أهل البيت (عليهم السلام).

ولحسن الحظ أننا نجد في كتاب تحف العقول نموذجاً من هذا النوع من البيانات (وذلك لأننا لا نجد في غيره من الكتب موارد أخرى من هذا النوع بالرغم من أن هناك الكثير من مثل هذه البيانات في حياة الإمام السجاد (عليه السلام)، ولكن على أثر الحوادث المختلفة التي جرت في ذلك العصر من القمع والتنكيل والاضطهاد وقتل الأصحاب زالت تلك الآثار وبقي القليل منها).

يبدأ الخطاب التابع لهذا النوع الثاني هكذا:

(كفانا الله وإياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبّارين).

ويعلم من هذا البيان أن الإمام والجمع الحاضر مهددون من قبل السلطات الحاكمة، وأن المسألة ترتبط بمجموعة خاصة هم المؤمنين بأهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك جاء الخطاب بصيغة “يا أيها المؤمنون” خلافاً للنوع الأول حيث يستعمل “يا أيها الناس” أو “يا بن آدم”. وذلك لأن الخطاب موجه إلى المؤمنين في الحقيقة بأهل البيت وأفكار أهل البيت (عليهم السلام).

والدليل الآخر الواضح جداً عندما يقول (عليه السلام): (لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا، والمائلون إليها المفتونون بها، المقبلون عليها).

فالمقصود الأصلي من الكلام هو حفظ هؤلاء المؤمنين وبناء الكادر اللازم للمستقبل، ومن الواضح أنه على أثر الصراع الشديد في الخفاء ما بين أتباع الأئمة (عليهم السلام) وأتباع الطواغيت فإن أتباع الأئمة عانوا من الحرمان الكبير، كما حدث في مرحلة جهادنا: أولئك الذين كانوا يواجهون الحكم قبل انتصار الثورة بالتأكيد لم يكونوا في حالة الراحة التي كان يعيشها غيرهم، وإنما كان السجن والنفي والخوف والتعذيب والهروب عنوان حياتهم. فإذا كان أحدهم تاجراً أو بائعاً مثلا يفرضون عليه ضرائب أكثر من الحد المعمول به، وإذا كان طالباً جامعياً يبقى دائماً مراقباً وقد يخرجونه من الجامعة، وإذا كان معمماً يلاحق ويعتقل أو ينفى، وإذا كان إدارياً يعزل أو يعلّق راتبه؛ فمهما كان المجاهد ومن أية طبقة كان في زمن الشاه كان يعاني من حرمان مادي ونقص في الأموال. بل إنهم منعوا البعض من الذهاب إلى الحج وذلك بالتضييق عليه أو منعه من السفر.

والخطر الأكبر الذي يهدد المجاهدين هو أن يتوجهوا إلى الرفاهية، هذه الرفاهية التي لا تجرهم إلاّ إلى ترك الجهاد.

لقد كان الإمام (عليه السلام) يؤكد كثيراً على هذه النقطة ويحذر الناس من الرفاهيات في هذه الدنيا الكاذبة الخداعة التي لا تؤدي إلاّ إلى التقرّب من الطواغيت. لهذا فإنكم تجدون في هذا البيان وفي العديد من بيانات الإمام السجاد (عليه السلام) وفي الروايات القصيرة التي نقلت عنه تأكيداً على هذا الأمر.

ماذا يعني التحذير من الدنيا؟ يعني حفظ الناس من الانجذاب نحو أصحاب الرفاه والإيمان بهم وتمييزهم بحيث تخف حدة مواجهة الناس لهم. وبالطبع فإن هذا النوع من الخطابات موجه للمؤمنين، أمّا في الخطاب الموجه إلى عامة الناس فقليلاً ما نجد مثل هذا النوع. ففي خطاب عامة الناس كما ذكرنا سابقاً كثيراً ما يظهر: أيها الناس التفتوا إلى الله، إلى القبر والقيامة، إلى أنفسكم والغد. فما هو هدف الإمام (عليه السلام) من هذا النوع الثاني من الخطاب؟ المقصود هو بناء الكادر.

فهو (عليه السلام) يريد أن يصنع من المؤمنين كوادر ملائمة للمرحلة، ولهذا فإنه يحذرهم من الانجذاب نحو أقطاب القدرة والرفاهية الكاذبة، ويكرر ذكر النظام الحاكم خلافاً للنوع الأول من البيانات، كما يقول مثلاً: (وان الأمور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلات الفتن وحوادث البدع وسنن الجور وبوائق الزمان وهيبة السلطان ووسوسة الشيطان). وهنا نجد أن الإمام مباشرة بعد ذكر هيبة السلطان وقدرته يذكر وسوسة الشيطان، يريد بذلك أن يلفت النظر إلى حاكم ذلك الزمان ويضعه إلى جانب الشيطان. وفي تتمة الكلام جملة لافتة جداً (ولأنها مهمة جداً أنقلها وهي تحكي عن مطلب ذكرته سابقاً): (لتثبّط القلوب عن نيتها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحق) (تلك الهداية الموجودة الآن في المجتمع).

فالإمام السجاد (عليه السلام) يعظهم بنفس الأسلوب السابق، فهو يحذرهم من مجالسة أهل المعاصي.
من هم أهل المعاصي؟
أولئك الذين جُذبوا لنظام عبدالملك الظالم.

الآن حاولوا أن تتصوروا شخصية الإمام السجاد (عليه السلام)، وأن تكوّنوا تصوراً عنه.
هل ما زال ذلك الإمام المظلوم الصامت المريض الذي لا شأن له بالحياة؟ لا، فالإمام هو الذي كان يدعو مجموعة من المؤمنين والأصحاب ويحذرهم ـ بهذه الكيفية التي ذكرناها ـ من التقرب إلى الظلمة ونسيان المجاهدة، ويمنعهم من الانحراف عن هذا الطريق، كل ذلك لأجل أن يكونوا مؤثرين في إيجاد الحكومة الإسلامية.


فلسفة الإمامة عند الإمام:


من جملة الأشياء التي أراها جليّة وشديدة الأهمية في هذا القسم من بيانات الإمام السجاد (عليه السلام)، تلك الكلمات التي يذكّر فيها بتجارب أهل البيت (عليهم السلام) الماضية. ففي هذا القسم يشير الإمام (عليه السلام) إلى تلك الأيام التي مرت على الشيعة من قبل الحكام الجائرين مثل معاوية ويزيد ومروان، ووقائع مثل الحرة وعاشوراء وشهادة حجر بن عدي المهمة، ويريد الإمام أن يحث أولئك المخاطبين من خلال ذكر تلك الحوادث الشديدة، على التحرك والثورة.

والتفتوا الآن إلى هذه الجملة:

(
فقد لعمري استدبرتم من الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيها ما تستدلون به على تجنب الغواة و
..).

أي إنكم تستحضرون تلك التجارب وتعلمون ماذا سيفعل بكم أهل البغي والفساد ـ أي حكام الجور ـ عندما يتسلطون عليكم! ولذلك يجب عليكم أن تتجنبوهم وتواجهوهم.

وفي هذا الخطاب يطرح الإمام مسألة الإمامة بصورة صريحة. أي قضية الخلافة والولاية على المسلمين والحكومة على الناس وإدارة النظام الإسلامي، وهذا الخطاب لم يكن بمقدور الإمام في ذلك الوقت أن يوجهه لعامة الناس. فيقول (عليه السلام): (فقدّموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته).

وهنا يعيّن الإمام فلسفة الإمامة عند الشيعة، وأي إنسان يجب أن يطاع بعد الله، من هو ذلك الإنسان الذي أوجب الله طاعته. ولو فكر الناس في ذلك الوقت بهذه المسألة لعلموا بوضوح أنه لا يجب طاعة عبد الملك، لأنه من غير الجائز أن يوجب الله طاعة عبد الملك، ذلك الحاكم الجائر بكل فساده وبغيه.

وبعد أن يقدّم الإمام هذه المسألة يتعرض لرد شبهة مقّدرة فيقول: (ولا تقدّموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت وفتنة زهرة الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الأمر منكم).

ففي هذا الخطاب والخطاب السابق يركّز الإمام على مسألتين من المسائل الثلاث التي أشرنا إليها سابقاً، الأولى: تدوين الفكر الإسلامي وإحياؤه في أذهان الناس والحثّ على تعلمه. والأخرى: مسألة الولاية السياسية أي الحكومة والقيادة للنظام الإسلامي. وعندما يعرّف الإمام هاتين المسألتين فإنّه يقوم في الواقع بتعريف النظام العلوي والنظام الإسلامي الإلهي.



ضرورة التشكيلات:


نوع آخر من بيانات الإمام السجاد (عليه السلام) وهو أهم من البيانين الأولين وفيه يدعو الإمام وبكل وضوح الناس إلى ضرورة إيجاد تشكيلات خاصة، وبالطبع فإن هذه الدعوة موجّهة إلى أولئك الذين يتبعون أهل البيت (عليهم السلام) وإلا لو كانت إلى غيرهم من عامة الناس لافشيت وأدّت إلى إيذاء الإمام وتعرضه للضغوط الصعبة. وبحمد الله يوجد من هذا النوع من البيانات نموذج في (تحف العقول).


يبدأ الإمام بهذه العبارة:
(
إن علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، تركهم كل خليط وخليل ورفضهم كل صاحب لا يريد ما يريدون
).

وهذا تصريح بالدعوة إلى إيجاد تشكيلات شيعية. فهو (عليه السلام) يعرفهم أنه يجب عليهم الابتعاد عن أولئك الذين يخالفونهم في الدافع ولا يتبعون الحكومة العلوية وحكومة الحق.

وبالتأكيد ليكن هناك مراودة ومعاشرة، ولكن لتكن مثل ما حدث في إيران عندما كان الناس يعلمون أن البقال الفلاني عميل للسافاك أو أن ذلك الشخص يعمل مخبراً للنظام.

وهناك نوع آخر من بيانات الإمام لا يوجد فيها تلك المطالب الكلية التي أشرنا إليها مثل رسالة الحقوق. ففي هذه الرسالة التي كتبها الإمام لأحد الأشخاص يذكر حقوق الأفراد والأخوان على بعضهم البعض؛ مثل حق الله عليك، وحق أعضائك وجوارحك وحق العين واللسان و.. كما يذكر حق حاكم المجتمع الإسلامي وحقك عليه.

وبدون أن يذكر الإمام اسم الحكومة والمواجهة والنظام، يبيّن خصائص الحكومة الإسلامية التي يمكن أن تتحقق في المستقبل.

ونوع آخر نجده في الصحيفة السجادية، وهذا الأمر يتطلب بحثاً مفصلاً ربما هو عمل أولئك الذين يعملون في هذا المجال.

فالصحيفة السجادية عبارة عن مجموعة من الأدعية في كافة المواضيع التي يلتفت إليها الإنسان الحي والواعي، وأكثرها في الروابط والعلاقات القلبية والمعنوية للإنسان. في هذه الأدعية والمناجات يحيي الإمام الدوافع نحو حياة إسلامية ويوقظ الناس إليها.

إحدى النتائج التي يمكن أن تحصل من الأدعية وقد ذكرناها مراراً هي إحياء الشعور السليم والصحيح في القلوب. فعندما تقولون: (اللهم اجعل عواقب أمورنا خيراً) فإن هذا الدعاء يحيي في قلوبكم ذكر العاقبة ويدفعكم للتفكر في المصير. فقد يغفل الإنسان أحياناً عن عاقبته، يعيش ولا يلتفت إلى مصيره، فإذا تلا هذا الدعاء يستيقظ فجأة إلى ضرورة تحسين عاقبته. أما كيف يتم ذلك فهذا بحث آخر. فقط أردت أن أضرب مثلاً حول الدور الصادق للدعاء. وهذا الكتاب المليء بالدوافع الشريفة للأدعية كافٍ لإيقاظ المجتمع وتوجيهه نحو الصلاح.

وإذا تجاوزنا ذلك، وجدنا روايات قصيرة وعديدة نقلت عن الإمام السجاد (عليه السلام)، منها ما ذكر سابقا: (أوَ لا حرٌّ يدع هذه اللماظة لأهلها).
انظروا كم هو مهم هذا الحديث، فالزخارف الدنيوية والزبارج كلها بقية لعاب الكلب لا يتركها إلا الحر. وكل أولئك الذين يدورون في فلك عبد الملك إنما يريدون تلك اللماظة. وأنتم أيها المؤمنون لا تنجذبوا إليها.

ونجد الكثير مثل هذه البيانات الثورية والملفتة للإمام (عليه السلام). وسوف نصل إليها فيما بعد إن شاء الله. لقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) شاعراً، وشعره يحتوى على معان مهمة سوف نذكرها في المستقبل إن شاء الله.


المواجهات الشديدة مع علماء البلاط:
في تتمة بحثنا حول القضايا المرتبطة بسيرة الإمام السجاد (عليه السلام) وأساليبه وخططه لإيجاد الأرضية المساعدة للحركة التي يمكن أن تنتهي إلى إقامة الحكومة العلوية الإسلامية، ذكرنا ما ملخصه أن هذه التحركات كانت تتّجه إلى التبيين والتوضيح عند البعض، وإلى التشكيلات والتنظيم بالنسبة للبعض الآخر، وإلى الهداية والارشاد بالنسبة لآخرين.

وهكذا يُتخيل الإمام السجاد من خلال هذه الصورة ـ التي قدمناها ـ إنساناً صبوراً سعى خلال 30 أو 35 سنة متواصلة إلىجعل تلك الأرضية السّيئة جداً في عالم الإسلام، إلى جعلها تتجه نحو الظروف التي يمكن له (عليه السلام) أولخلفائه أن يحققوا خلالها المجتمع الإسلامي، والحكومة الإسلامية.

ولو فرضنا أن تلك السنوات الخمس والثلاثين من عمره الشريف لم تكن موجودة لقطعنا بعدم وصول الأمر إلى الإمام الصادق (عليه السلام) بتلك الحال التي تمكن معها من التصرف والتعاطي الصريح والواضح مع الحكم الأموي، والعباسي فيما بعد.

وعليه، فلأجل إقامة وتحقيق المجتمع الإسلامي، لابد من الأرضية الفكرية والذهنية، بل وتعتبر أهم من أي شيء. هذه الأرضية التي تطلب تحقيقها في ذلك العصر ـ من عالم الإسلام ـ سنوات عديدة من العمل المتواصل، ذلك العمل الذي نهض به الإمام السجاد (عليه السلام) متحملاً أعباءه الجسيمة وتكاليفه الباهظة.

إلى جانب هذا، نجد في حياة الإمام السجاد (عليه السلام) بعض المساعي الاخرى التي تدل في الواقع على مدى تقدم الإمام في المجال المذكور.

والقسم الأعظم من هذه المساعي سياسي، وأحياناً شديد القساوة، وأحد نماذجه مواجهته، وكيفية تعامله مع العلماء التابعين، والمحدثين الكبار العاملين لصالح النظام الحاكم.

ولعل اكثر الابحاث المتعلقة بحياة الأئمة إثارة هو قضية تعامل الأئمة (عليهم السلام) مع حملة الفكر والثقافة في المجتمع الإسلامي، أي العلماء والشعراء.

فالأئمة كانوا يتحملون مسؤولية هداية الناس في أفكارهم وأذهانهم وأولئك كانوا يوجهون الناس إلى الوضع الذي يريده خلفاء بني أمية وبني العباس، والتسليم لأعمالهم.



سيرة الإمام السجّاد عليه السلام

احتياج الظلمة إلى جعل الأحاديث:
كما نعلم، فإن الحكام الظالمين كانوا يرون في جذب قلوب الناس إليهم أهم عامل في بقاء ملكهم وسلطانهم، إذ لم يكن الفاصل الزمني بين الناس وبين صدر الإسلام كبيراً، وبالتالي كان إيمان الناس بالإسلام لا يزال قوياً.

وهم ـ الناس ـ إذا أدركوا أن البيعة التي قدموها للحكام ليست صحيحة، وأن هذا الظالم لا يجوز أن يكون خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لو أدركوا ذلك فبالتأكيد لن يرضوا أن يسلّموا قيادهم بتاتاً، وحتى لو قلنا ان هذا الأمر لا يشمل الجميع، فعلى الأقل نقول: القدر المسلّم به أن الكثيرين كانوا يتحملون الوضع المنافي للإسلام في الجهاز الحاكم نتيجة الإيمان القلبي، إذ انهم كانوا يظنون أن هذا وضع إسلامي.

ولإبقاء هذه الضبابية في أذهان الناس كان حكام الجور يستغلون المحدثين وعلماء الدين قدر الامكان ويحركونهم طبقاً لمصالحهم فيطلبون منهم وضع الأحاديث واختلاقها ونسبتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الكبار بما يوافق ميولهم وأهواءهم.



نماذج من اختلاق الحديث:


في هذا المجال يوجد موارد تقشعر منها الأبدان. ونحن ننقل بعضها كمثال:

ـ في زمن معاوية، التقى شخص بكعب الاحبار، ولأن كعباً كانت له صِلات حميمة مع معاوية سأل ذلك الشخص: من أين أنت؟

قال: من أهل الشام.

قال له: لعلك من ذلك الجيش الذي يدخل منه 70 الف جندي إلى الجنة بدون حساب.

قال: من هم هؤلاء؟!

قال: أنهم أهل دمشق.

قال: كلا، لست من أهل دمشق.

قال كعب: اذن، لعلك من ذلك الجيش الذي ينظر الله إليه كل يوم مرتين(!!).

ـ من هم هؤلاء؟!

ـ أهل فلسطين.

وربما لو قال ذلك الشخص انني لست من أهل فلسطين، لأخبره كعب الاحبار أحاديث عن كل من أهالي بعلبك وطرابلس وبقية مدن الشام بحيث يبيّن له أن أهل الشام هم الافضل. وأنهم أهل الجنة.

وكعب الاحبار كان يختلق هذه الاحاديث ويضعها إما تملقاً لأمراء الشام حتى يكون نصيبه أكثر ومنزلته في قلوبهم أعلى، وإما بسبب العداء المتجذر في نفسه للإسلام وبغية تدمير الاساس العظيم لأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ويوجد في كتب التذكرات والرجال والحديث الكثير من هذه القصص. منها قصة ذلك الأمير الذي ارسل ابنه إلى المدرسة (الكتّاب) وهناك ضربه المدرس. عندما رجع الابن باكياً إلى أبيه وأخبره، غضب الاب وقال: سأذهب وأضع حديثاً على هذه المدرسة حتى لا يكرروا فعلتهم هذه.

ومن هذه القصة نعلم كم كان سهلاً اختلاق الاحاديث عندهم، حتى لو كان بدافع العصبية والشفقة على دموع الطفل.

وعلى أيّ حال فقد كان لهذا الوضع اثر في ايجاد ذهنية وثقافة منحرفة عن الإسلام. وكان السبب في ذلك أولئك المحدثون والعلماء العاملون في خدمة السلاطين والاقوياء.

وفي هذا الوضع تعتبر مواجهة هؤلاء عملاً في غاية الأهمية.



بعض الاحاديث المختلقة من محمد الزهري:


يوجد هنا نموذج يبين كيفية مواجهة الإمام السجاد (عليه السلام) لهذا الوضع:

تربط هذه المواجهة بمواجهة الإمام لمحمد بن شهاب الزهري.

كان محمد بن شهاب الزهري في البداية أحد تلامذة الإمام السجاد (عليه السلام) المقربين، أي أنه من جملة الذين تعلموا علومهم ونقلوا الاحاديث عن الإمام، ولكن بالتدريج ـ بسبب التجرؤ الذي كان فيه ـ اقترب من نظام الحكم حتى صار أحد أعوانه وتحوّل إلى واحدٍ من الذين واجهوا الإمام.

ولأجل أن نطلع أكثر على وضع الزهري،ننقل عدة أحاديث بشأنه:

أحد هذه الأحاديث، ما جاء عنه: (كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا أن لا يمنعه أحد من المسلمين).

ويفهم من هذا الحديث أنه حتى ذلك الزمان لم يكن متعارفاً بين هذه الطائفة من المحدثين بأن كل ما يعلمونه من الاحاديث ينبغي ان يكتبوه، وكذلك يتضح ان محمد بن شهاب الزهري كان في خدمة الامراء وأنه كان يُحمل على كتابة الاحاديث التي تناسبهم.

أحدهم ويدعى (معمر) كان يقول: كنا نظن اننا قد نقلنا من الزهري أحاديث كثيرةً إلى ان قتل الوليد. فعندها رأينا كتباً كثيرةً تحمل على ظهور الدواب وتخرج من خزائن الوليد ويقال: هذا علم الزهري: أي أن الزهري وضع من الاحاديث التي تناسب الوليد وأهواءه ما عجزت عن حمله الرجال. ماذا تتصورون ان تكون تلك الاحاديث؟ مما لا شك فيه أنها لا تدين الوليد وإنما تؤيد أعماله وتصحّحها.

ويوجد حديث آخر يتعلق بفترة ارتباط الزهري بالنظام الحاكم. فقد روى اليعقوبي في تاريخه:

ان الزهري نسب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الاقصى. وأن الصخرة التي وضع رسول الله قدمه عليها تقوم مقام الكعبة”.

ويعود هذا الحديث إلى ذلك الزمان الذي كان عبدالله بن الزبير حاكماً على مكة، والناس الذين يريدون الحج بطبيعة الحال لابد وأن يدخلوا مكة ـ وهي تحت نفوذ ابن الزبير ـ وكانت تلك الايام فرصة مناسبة له للتبليغ ضد أعدائه ـ وخاصة عبدالملك بن مروان ـ، ومن جانب آخر بما ان عبدالملك كان يدرك خطورة هذا الأمر، ولكي يمنع الناس من الذهاب إلى مكة، رأى أن أفضل الطرق هو وضع أحاديث تبيّن أن شرافة القدس بمنزلة شرافة مكة. ونحن نعلم ـ في العرف والثقافة الإسلامية ـ أنه لا توجد منطقة في العالم توازي الكعبة شرفاً ومكانة ولا يوجد حجر في الدنيا يضاهي الحجر الاسود. فكانت تلك الاحاديث المجعولة وسيلة لعبد عبدالملك لكي يدفع الناس للذهاب إلى المسجد الاقصى الذي كان تحت نفوذه بدلاً من مكة المكرمة.

فإلى أي مدى كان لهذه الاحاديث تأثير في نفوس الناس وأفعالهم؟! وهل حدث في زمن ما أن الناس حجوا إلى بيت المقدس بدلاً من مكة ام لا؟! ولو حدث ذلك لكان ينبغي أن نعد المجرم الاصلي أو أحد المجرمين (محمد بن شهاب الزهري) الذي حرف الأمر في أذهان الناس لأجل مآرب عبدالملك السياسية.

وعندما يصبح الزهري تابعاً لجهاز الخلافة، فلم يمنعه شيء من وضع الأحاديث ضد الإمام السجاد (عليه السلام) والتنظيمات العلوية. منها ما وجدته في كتاب “اجوبة مسائل جار الله” ـ تأليف المرحوم السيد عبدالحسين شرف الدين ـ حيث يدعي الزهري في رواية أن أمير المؤمنين كان جبرياً، ونسب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال في معنى الإنسان في الآية: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} انه أمير المؤمنين (عليه السلام) (والعياذ بالله).

وفي رواية أخرى ينقل أن حمزة سيد الشهداء كان شارب خمر. وانما جعل هاتين الروايتين لدعم الجبهة السياسية ـ لعبدالملك وبني أمية ـ مقابل أئمة الهدى (عليهم السلام)، وبالتالي لنسف صورتهم بعنوان أنهم المسلمون الاوائل، ويعرفهم على أنهم مثل غيرهم من العوام والمقصرين في تطبيق احكام الدين.

وهذه الرواية تشير إلى وضعية محمد بن شهاب الزهري في مرحلة التبعية والارتباط ببلاط الحكم. ومن يطالع في اوضاعه الاجتماعية والفكرية يتبين له شخصيته بشكل واضح. وانا أترك هذا الأمر إلى كتب الرجال.

حسناً، مثل هذا الشخص الذي يتمتع بنفوذٍ ومنزلة عالية في جهاز الحكم وبين الناس، لا شك أنه موجود خطِر على الثورة الإسلامية، وينبغي أن يُتخذ موقف بشأنه.

الموقف الشديد للإمام السجاد (عليه السلام) من علماء البلاط


بالنسبة للزهري وأمثاله فقد وقف الإمام السجاد (عليه السلام) موقفاً حازماً وقاسياً جداً حيث يلحظ هذا من خلال الرسالة التي وجّهها إليه.

وقد يتساءل البعض إلى أي مدى يمكن أن تعكس (رسالة) هذا الموقف الشديد، ولكن بالالتفات إلى شدة اللهجة في مضمون هذه الرسالة الموجّهة إلى نفس الزهري، وكذلك بالنسبة للجهاز الحاكم وأنها لا تنحصر بمحمد بن شهاب بل كانت تقع في أيدي الآخرين وتتنقل عبر الألسن وتبقى عبر التاريخ ـ كما حصل فاليوم بعد أكثر من1300 سنة نحن نتناولها بالبحث ـ بالالتفات إلى هذه الأمور، يمكن أن ندرك مدى حجم الضربة التي وجهت للقداسة الشيطانية والاصطناعية لمثل أولئك العلماء. لقد كانت الرسالة خطاباً لمحمد بن شهاب ولكنها نالت من أشخاص آخرين على شاكلته.

ومن المعلوم أن هذه الرسالة عندما تقع بأيدي المسلمين وبالأخص شيعة ذلك العصر وتتنقل عبر الأيدي، فأي سقوط لهيبة هؤلاء ومكانتهم في الأعين!!

وهنا ننقل مقاطع من هذه الرسالة:

في البداية يقول (عليه السلام): (كفانا الله وإيّاك من الفتن ورحمك من النار).

في الجزء الثاني من هذه الجملة نجده يخصه بالخطاب، لماذا؟ لأن كل إنسان يتعرض للفتن حتى الإمام السجاد (عليه السلام) بدون أن يسقط فيها، ومحمد بن شهاب يتعرض للفتنة ولكنه سقط، أما بالنسبة لنار جهنم فإنها لا تقترب من الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ولهذا خصّ الكلام هنا بالزهري. وابتداء الرسالة بمثل هذه اللهجة دليل على تعامل الإمام معه بطريقة تحقير ومعاداة.

ثم يقول (عليه السلام): (فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك).

ودققوا هنا في هذه الجملة، لمن الخطاب فيها؟

إنما موجّهة لشخص يغبطه الجميع على حاله، فهو أحد العلماء الكبار المقربين للنظام الحاكم، بينما نجد الإمام عليه السلام يبيّنه ضعيفاً ووضيعاً.

بعد ذلك يشير الإمام إلى النعم التي حباه الله بها والحجج التي أتمها عليه ثم يقول أنه مع وجود تلك النعم من الله، هل تستطيع أن تقول كيف قد أدّيت شكرها؟

ويذكر جملة من آيات القرآن ويقول أن الله تعالى لن يرضى أبداً عن قصورك وتقصيرك، لأنه سبحانه قد أمر العلماء بتبيين الحقائق للناس: (لتبيّننه للناس ولا تكتمونه).

وبعد هذه المقدمة يحمل عليه بطريقة قاسية جداً بقوله (عليه السلام): (واعلم أن أدنى ما كتمت، وأخف ما احتملت، أن آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وأجابتك له حين دعيت).

ويظهر هذا الكلام الذي يطرحه الإمام بشكل واضح من ارتباطه بجهاز السلطة كالسوط الذي ينهال على رأسه.

(إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك، ودنوت ممن لم يردّ على أحد حقاً ولم تردّ باطلاً حين أدناك).

(وهو الخليفة الظالم) فبأي عذر تبرر عدم إرجاعك للحقوق الضائعة وإزالة المظالم الكثيرة. (وأحببت من حاد الله).

والجملة الشديد التأثير للإمام ما نقرأها في هذه الفقرة، حيث يقول (عليه السلام):

(أوليس بدعائه إياك ـ حين دعاك ـ جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليه إلى بلاياهم، وسلماً إلى ضلالتهم داعياً إلى غيّهم سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم).

ثم يقول:

(فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلاّ دون ما بلغت من إصلاح فسادهم).

وفي هذه الرسالة الشديدة اللهجة والكبيرة المضمون يفضح الإمام السجاد تلك الحركة السياسية التي استغلت الفكر والعلم. وأولئك الذين قبلوا مهادنة النظام أصبحوا مطالبين بالإجابة عن السؤال الذي بقي في المجتمع الإسلامي وسوف يبقى عبر التاريخ.

إنني أعتبر هذا أحد مراحل حياة الإمام السجاد (عليه السلام) المهمة، وأشعر بأنه عليه السلام لم يكتف بتحرك علمي وتربوي محدودين بين جماعة خاصة بل قام بحركة سياسية. وبالطبع يوجد قسم آخر في هذا المجال يتعلق بالشعر والشعراء سوف نتعرض له فيما بعد.

أحد مفاصل حياة الإمام السجاد عليه السلام هو ما يتعلق بمواجهته للنظام الحاكم.

وقد أشرت بشكل مختصر في الأبحاث السابقة إلى هذا الأمر وهنا أقدم شرحاً إضافياً:



تكتيك بداية المرحلة الثالثة لحركة الإمام (عليه السلام):


بالمقدار الذي اطلعت فيه على حياة الإمام السجاد (عليه السلام) والذي مازلت أذكره أنه لا يوجد مواجهة أو تعريض صريح وقاطع ضد الحكم من قبيل ما نشاهده في حياة بعض الأئمة الآخرين، كالإمام الصادق في عصر بني أمية، أو الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).

وسببه واضح، لأن مثل هذا التحرك الشديد في بداية حركة الأئمة (عليهم السلام) في المرحلة الثالثة من المراحل الأربع للإمامة، والتي تبدأ في حياة الإمام السجاد، سوف يعرّض قافلة أهل البيت (عليهم السلام) التي تحمل أعباء مسؤولية الرسالة للخطر الذي لا يؤدي إلى تحقيق المقصد. ففي ذلك الوقت لم يكن بستان أهل البيت الذي يتعهد الإمام السجاد (عليه السلام) بترتيبه وسقايته استحكمت غصونه وأشجاره.

وكما أشرت في بداية هذا البحث، فقد كان عدد المحبين والموالين لأهل البيت (عليهم السلام) قليلاً جداً، وفي ذلك العصر لم يكن ممكناً على أولئك الذين سيتحملون مسؤولية التنظيمات الشيعية أن يواجهوا خطر العدو الجائر.

وإذا أردنا أن نمثل، ينبغي أن نشبّه عصر الإمام السجاد (عليه السلام) هذا بمرحلة بدء الدعوة الإسلامية في مكة وهي المرحلة السرية. ولعله يمكن تشبيه عصر الإمام الباقر (عليه السلام) بالمرحلة الثانية في مكة حين أصبحت الدعوة علنية. ولهذا فإن المواجهة في تلك المرحلة لن تكون سليمة.

ومما لا شك فيه أننا إذا لاحظنا المواجهات الحادة في بعض كلمات الإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الثامن (عليه السلام) فيما لو صدرت عن الإمام السجاد (عليه السلام)، فإن عبد الملك بن مروان الذي كان في أوج قدرته كان يستطيع وبكل سهولة أن يطوي بساط تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) ليبدأ العمل من جديد، وهذا ليس عملاً عقلائياً. لكن على كل حال، يمكن أن نشاهد في ثنايا كلمات الإمام زين العابدين (عليه السلام) والتي ترجع على وجه الاحتمال إلى أواخر حياته الشريفة، إشارات أو مظاهر لتعرّضه ومواجهته لنظام الحكم.



أمثلة من مواجهة الإمام (عليه السلام):


كانت تلك المواجهات تظهر بعدة أشكال. وأحد أشكالها هو ما لاحظناه في تعامل الإمام السجاد (عليه السلام) مع محمد بن شهاب الزهري. والشكل الآخر يظهر من خلال بيان موقف ومكانة الخلفاء الأمويين على ضوء التعاليم والإشارات الدينية العادية. ويوجد حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول فيه: (إن بني أمية أطلقوا للناس الإيمان ولم يطلقوا الشرك حتى إذا حملوهم عليه لم يعرفوه).

فبنو أمية كانوا يسمحون للعلماء وأهل الدين، ومن جملتهم الأئمة عليهم السلام، بالتحدث حول الصلاة والحج والزكاة والصيام والعبادات، وكذلك حول التوحيد والنبوة والأحكام الإلهية. لكنهم لم يسمحوا بالبحث في مفهوم الشرك ومصاديقه وأمثلته في المجتمع، تلك التعاليم المرتبطة بالشرك لو درّست للناس، لفهموا مباشرة من هم المشركون، وأن ما يحملهم عليه بنو أمية ليس إلاّ الشرك، ولعلموا فوراً أن عبد الملك والخلفاء الباقين من بني أمية هم طواغيت يبارزون الله، وأن إطاعتهم تعد شركاً بالله. ولهذا لم يكونوا ليسمحوا للناس بتعلّم هذه المفاهيم.

نحن عندما نبحث في الدين الإسلامي حول التوحيد، فإن قسماً مهماً من هذا البحث يرتبط بمعرفة الشرك. ما هو الصنم، ومن هو المشرك؟

وللمرحوم العلامة المجلسي (ره) في بحار الأنوار، الجزء 48، نص رائع يقول فيه: (إن آيات الشرك ظاهرها في الأصنام الظاهرة وباطنها في خلفاء الجور الذين أشركوا مع أئمة الحق ونصبوا مكانهم).

فأئمة الحق هم خلفاء الله، وهم ينطقون عن الله، ولأن خلفاء الجور قد نصبوا أنفسهم مكانهم وادّعوا الإمامة، فقد أصبحوا أصناماً وطواغيت، وكل من يطيعهم فهو في الحقيقة مشرك بالله.

وللعلامة بعد هذه شرح قيّم؛ فهو يبيّن أن الآيات القرآنية ليست مختصة بعصر الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله، بل هي سارية وجارية في كل العصور والأزمان، يقول (ره): (فهو يجري في أقوام تركوا طاعة أئمة الحق واتّبعوا أئمة الجور لعدولهم عن الأدلة العقلية والنقلية واتّباعهم الأهواء، وعدولهم عن النصوص الجلية).

ومن هنا نرى أن الأئمة (عليهم السلام) إذا أرادوا أن يبيّنوا حقيقة الشرك فإنهم بذلك يقومون بما يشبه المواجهة مع نظام الحكم، وهذا ما يظهر في كلمات الإمام السجاد (عليه السلام).

ونموذج آخر من تلك الأمثلة في المواجهة ما نشاهده في المكاتبات والرسائل بين الإمام السجاد (عليه السلام) وعبد الملك (الخليفة الأموي المتجبّر)، أشير إلى اثنين منهما هنا:

1ـ في إحدى المرات يكتب عبد الملك رسالة إلى الإمام السجاد (عليه السلام) يلومه فيها على زواجه من إحدى جواريه. وكان للإمام جارية أعتقها ثم تزوّجها. فشمت منه عبد الملك. وكان عمل الإمام عملاً إنسانياً وإسلامياً صرفاً. ولكن دافع عبد الملك من تلك الرسالة هو التعرض للإمام، وإفهامه بأنه مطلع على مسائله الخاصة، موجّهاً له بذلك تهديداً ضمنياً. فأجابه الإمام عليه السلام برسالة بدأها بتوجيه أمر الزواج وأن العظام يفعلون مثل هذا الأمر، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قام به: (فلا لؤم على امرئ مسلم، إنما اللؤم لؤم الجاهلية). وهو يريد أن يذكره بسوابق أجداده في الجاهلية (من كفرهم وعنادهم)..

عندما وصلت الرسالة إلى عبد الملك، كان ابنه سليمان حاضراً. وعندما قرأها سمعه، وسمع ذمّ الإمام وأحسّ به مثل أبيه، فالتفت إليه قائلاً: يا أمير المؤمنين! أترى كيف يتفاخر عليك علي بن الحسين؟ يريد بذلك أن يحرض والده على رد فعل قاس. ولكن عبد الملك كان أعقل من ولده، فقال له: لا تقل شيئاً يا ولدي! فهذا لسان بني هاشم الذي يفلق الصخر. (أي أن استدلالهم قوي وقاس).

2ـ النموذج الثاني: المراسلة الأخرى التي تمت بين الإمام وعبد الملك، ومجرياتها:

علم عبد الملك أن سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) موجود عند الإمام. وكان هذا أمراً ملفتاً وباعثاً على التفاخر. وكذلك فإن وجوده يعد خطراً على الخليفة. لأنه يجلب أنظار الناس إليه، فكتب إليه يطلب منه تسليم السيف، ووعده بإنجاز ما يريد.

وردّ عليه الإمام، فأعاد عبد الملك مرة ثانية تهديده بوقف حصة الإمام من بيت المال إن لم يرسل السيف. فأجابه الإمام:

(أما بعد، فإن الله تعالى وعد عباده المتقين بنجاتهم من المحن {ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}، وقال: {إن الله لا يحب كل خوّان كفور}. فانظر أيّنا ينطبق عليه الكلام).

وهذه لهجة قاسية جداً أمام الخليفة، لأن تلك الرسالة إذا وقعت بيد أي إنسان فسوف يعلم:

أولاً: أن الإمام لا يعد نفسه خواناً.

ثانياً: لا يتصور أحد هذا الأمر بحق هذا الإنسان الجليل الذي تربى في بيت آل الرسول وهذا يعني: أنك أنت الخليفة خوّان وكفور. وإلى هذا الحد كان الإمام شديداً مقابل التهديد.

كانت هذه نماذج من مواجهة الإمام للحكم، وإذا أردنا أن نضيف نموذجاً آخر ينبغي أن ننظر إلى الأشعار التي نقلت عن الإمام السجاد أوعن أصحابه ومحبّيه، فهي تمثل نوعاً آخر من المواجهة.



مواجهة الفرزدق ويحيى:


للإمام اشعار لم استطع العثور عليها ولكن مما لا شك أنها موجودة وهي في غاية القوة والتحدي والثورة. ويمكن اعتبار شعر الفرزدق نموذجاً آخر. وقد نقل المؤرخون والمحدثون هذه القصة وخلاصتها:

عندما قدم هشام بن عبدالملك قبل فترة خلافته إلى الحج وأثناء الطواف أراد أن يتقدم لاستلام الحجر الأسود، ولكن العدد الهائل والازدحام الكبير منعه من الوصول، وكلما حاول أن يوصل نفسه مع أنه كان ابن الخليفة ومحاطاً بالمرافقين والحواشي، ولكن الناس كانوا يمرّون من حوله بدون اكتراث فيئس من استلام الحجر وقعد جانباً منتظراً انصراف الناس، وكان أصحابه جالسين حوله. وفي هذه الاثناء يمر رجل يعلوه الوقار والهيبة، سيماه سيماء الزاهدين ووجهه وجه الملكوتيين، يسطع من بين الحجاج كالشمس، فتنحى الناس له جانباً ليمرّ من بينهم ويصل إلى الحجر الأسود، فقبلّه ثم رجع للطواف مجدّداً.

فصعب ذلك على هشام كثيراً، وهو يرى نفسه ابن الخليفة ولا أحد يعطيه أية قيمة، بل يبعدونه بالركل والمطاحنة، ثمّ من جانب آخر يظهر رجل يصل إلى الحجر الاسود بكل هدوء. فسأل غاضباً: من هذا؟ وكان حواشيه يعرفون أنه علي بن الحسين (عليه السلام)، ولكن لئلاّ يغضب منهم، لم يقولوا شيئاً، لأنهم يعلمون وجود العداوة ما بين بني أمية وبني هاشم، فلم يريدوا ان يقولوا أن هذا كبير العائلة المعادية لكم، والناس يظهرون له كل هذا الحب والاحترام، لأنهم اعتبروا ذلك نوعاً من الإهانة لهشام.

كان الشاعر الفرزدق من المحبيّن لأهل البيت حاضراً هناك، وقد رأى تجاهلهم من إظهارهم لعدم معرفة علي بن الحسين(عليه السلام) فتقدم قائلاً: أيها الأمير، لو تسمح لي بأن أعرفه لك.

فقال هشام: قل. فانطلق لسان الفرزدق بقصيدة من أشهر القصائد الشعرية التي قيلت بحق أهل البيت، وبدأها بهذا البيت:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد خُتموا

وكانت أبيات هذه القصيدة كوقع السيوف على قلب هشام فغضب منه وطرده، وأرسل إليه الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) مالاً فلم يقبله وقال: “ما قلته إلاّ لله ولا أريد مالاً”.

وهكذا نشاهد مثل هذه المواجهات من بين أصحاب الإمام.

ونموذج آخر ما قام به يحيى ابن أم الطويل وهو ليس شعراً.

كان يحيى ابن أم الطويل من الشباب الشديدي الشجاعة والمخلصين لأهل البيت، وكان يذهب دائماً إلى الكوفة ويجمع الناس ويصرخ: فيهم أيها الناس، إنني كافر بكم، ولا أقبل بكم حتى تؤمنوا بالله. وهو يقصد أولئك الذين كانوا يتبعون بني أمية.



تعرض بني أمية للإمام السجاد (عليه السلام):


كان هذا مختصراً لحياة الإمام السجاد (عليه السلام)، وأشير هنا طبعاً إلى نقطة، فعلى رغم أن مرحلة إمامة الإمام السجاد (عليه السلام) قد امتدت إلى أكثر من 34 سنة كانت بعيدة عن المواجهة المباشرة للنظام الحاكم إلاّ أنه قد تمّ نشر بساط الإمامة الواسع وتعليم وتربية العديد من الافراد المؤمنين والمخلصين وتوضيح دعوة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما جعل بني أمية يمقتون الإمام ويتعرضون له. وكانوا من قبل قد جروه بالاصفاد والأغلال ـ ولم يكن هذا ما حدث في كربلاء، وإنما في زمن آخر بعدها ـ وقد تعرّضوا له في موارد عديدة، وآذاه أعوانهم حتى وصل بهم الأمر سنة95 للهجرة في زمن الوليد بن عبدالملك إلى أن سمّوه، فسما إلى جوار ربه شهيداً.






التعديل الأخير تم بواسطة زهرة ; 24-09-08 الساعة 10:18 PM. سبب آخر: بسبب عطب في الرابط + إضافة شئ تعويضي ينحى بـِ نفس اتجاه عنوان الموضوع

=المحرر= غير متصل  

قديم 03-06-03, 11:56 PM   #2

شروفه
عضو شرف

 
الصورة الرمزية شروفه  






رايق

تسلم ورحم الله والديك

شروفه غير متصل  

قديم 24-01-11, 03:12 PM   #3

دانة*
عضو مشارك  






رايق

رد: الصورة العامة لحياة الإمام السجاد (ع)


يسسسسسسسسسسسسسسسسسسلمو

دانة* غير متصل  

 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صلح الإمام الحسن عليه الصلاة و السلام الصراط المستقيم منتدى الثقافة الإسلامية 8 20-12-09 08:27 AM
النور الحادي عشر عاشق الحسين منتدى الثقافة الإسلامية 2 21-05-02 05:53 AM
الإمام الحسن العسكري عليه السلام . حياته .. نسبة .. وفاته كريكشون منتدى الثقافة الإسلامية 1 21-05-02 02:42 AM
مصائب الامام واستشهاده عليه السلام الصراط المستقيم منتدى الثقافة الإسلامية 3 30-04-02 09:26 AM

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
المنتدى يستخدم برنامج الفريق الأمني للحماية
مدونة نضال التقنية نسخ أحتياطي يومي للمنتدى TESTED DAILY فحص يومي ضد الإختراق المنتدى الرسمي لسيارة Cx-9
.:: جميع الحقوق محفوظة 2019م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 01:06 AM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.11
Copyright © 2013-2019 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited