قديم 26-08-12, 03:44 PM   #1

نورت دنيانا
مشرفة حواء

 
الصورة الرمزية نورت دنيانا  







رايقه

Vt الزائرة الفاتنة!!



الزائرة الفاتنة!!

لم أدرك حين كنت أدرس في مدارس التعليم العام أن الواقع الذي نعيشه غير المنهج الذي ندرسه، فقد درست وتعلمت بل كنتُ متفوقة في دراستي. تعلمت وأدركت عظمة الخالق عز وجل وإخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بالقضاء والقدر بل والرضا بما قدّره الله تعالى.

ومرت السنون وتزوجتُ رجلاً عشتُ معه سنين جميلة، أنجبت فيها ابنتي الأولى ثم الثانية والثالثة تباعاً، ففي كل عامٍ تستقبل الأسرة مولودة وكنت خلالها أرقب في عيني زوجي رغبته الملحقة في إنجاب ذكر يحمل اسمه، وكأن الاسم لا بد أن يحمله آخر غيرك!!

تغير زوجي وبدأ يتعامل معي بأسلوب ينقصه الحب والاحترام عندما أنجبتُ ابنتي الرابعة، وكانت آية في الجمال! كبرت فكانت صورتها تحكي كل معاني البراءة والطهر.

في العام الرابع عشر لزواجنا حملت للمرة الثامنة وابنتي السابعة لم تبلغ شهرها الثالث بعد! وعصفت بي أمراضٌ كثيرة كان الضغط والسكر أبرزها عدا هشاشة العظام التي زارتني باكراً وعمري لم يتجاوز أربعاً وثلاثين سنة، وعدا كون رحلة الحمل هذه وهناً على وهنٍ فقد تحولت لرحلة عذاب نفسي وتهديد من زوجي الذي ازداد جبروتاً وغلظة في التعامل معي ومع بناتي السبع على الرغم أن الله قد أنعم عليه بنعمة الصحة والمال إلا أنه يضيق الخناق علينا! وبرغم كوني امرأة عاملة وأصرف مرتبي كاملاً على بناتي وبيتي إلا أننا نوشك أن نعد من الفقراء!!

ثقل الحمل في الأشهر الأخيرة وصاحبته الأمراض فسقطت بعض أسناني أو أصابها التسوس من جراء نقص الكالسيوم الذي استهلكته خلال الحمل المتواصل لعدة سنوات، كما ضعف نظري كثيراً، وتحول لون شعري إلى اللون الرمادي كحياتي! بل هو أفتح منها قليلاً!!

لم أعترض قط على ما وهبني الله من البنات، فقد كنت أمارس حياتي كأم وصديقة لبناتي! بل إنني كثيراً ما أحمد الله على ما وهبني من نعمة الإنجاب أولاً ثم ممارسة الأمومة ثانياً، وتبقى ثالثاً ورابعاً المتعة التي أجدها في الحديث معهن حين ينقلن لي أخبار المدرسة وأحاديث صديقاتهن ومداعباتهن لمعلماتهن فقد وهبهن الله خفة في الدم وجمالاً في الروح!

وما كنت لدينا حين نتحلق ونضع القهوة والحلا مساءً ونجتمع معاً لا يقطع حديثنا إلا صراخ إحدى الصغيرات وقد أغلقت أختها دونها باباً أو تشاجرت معها عند لعبة!!
وإن كان الناس يؤلفون ويروون الطرف والنكت فنحن نعايشها يومياً!

تستطيع حينما ترى حياتنا أن تنعتها بالانبساط ولكنك أبداً لن تصفنا بالسعداء! فنحن وإن كنا (أنا والبنات) في حالة سرور إلا أنه ما إن يحضر (السيد) إلا وتجد البنات يتقافزن متفرقات هلعات فهو على الدوام عابس مكفهر متبرم ناقم عجباً.. كيف ينقم على نعمة؟!اقترب موعد الولادة، وبدأ التوتر يظهر في أجواء الأسرة، ولم أجرؤ على الكشف لمعرفة جنس المولود، فأوكلت أمري لله، فأنا لا أود استباق الأحداث..

شعرت البنات بناقوس الخطر يدق في أركان بيتنا من جراء تهديد والدهن لي بالطلاق تارة وبالزواج من ثانية تارة أخرى، بل وتعدى الأمر إلى التهديد بالطرد من المنزل إن أنجبت بنتاً !!

وعاشت البنات في قلق ونقلن معاناتهم لصديقاتهن في المدرسة وامتد ذلك القلق لأسرهن إشفاقاً على وضعنا!!

وحين حلت الامتحانات.. كنت في الأيام الأخيرة من الحمل، مما استدعى زوجي إلى إرغامي على الذهاب للمستشفى بدعوى تأخر الوضع، وكان! حيث استخدمت في الولادة (الطلق الصناعي) مما أنهك قواي.. ولكني أخيراً وضعت..

وضعتها أنثى.. الثامنة، جميلة، بل فاتنة.. سليمة من العاهات. وحين علم زوجي بذلك لم يتمالك نفسه فخرج من المستشفى غاضباً ساخطاً وترك بناته في مدارسهن ينتظرنه للعودة للمنزل بعد انتهاء الامتحان، وتركني أعاني آلام الوضع والحيرة.

وأخيراً عادت البنات بصحبة إحدى المعلمات، بينما أنا في المستشفى أرقب عودته لتسجيل الصغيرة وإثبات ولادتها حيث لا توجد معي أوراق رسمية! ورجع زوجي بعد يومين وأعادني إلى منزلي بعد إنهاء الإجراءات، وكان يشتم ويسب، وكنت أصبر وأحتسب! عدت إلى منزلي فأورقت أغصان البنات واستأنفن المذاكرة فكلهن متفوقات دراسياً ولكن القلق أخذ يساورني على مستقبلهن، إلا أنني عدت إلى المنهج الرباني مؤمنة بالقضاء والقدر، والرضا به.

تستكمل السيدة الصابرة حديثها وتقول: لم يكن وجود طفل صغير في المنزل شيئاً مستغرباً فنحن ما نكاد نودع السنة الأولى من حياته إلا ونستقبل طفلاً آخر! لم نصل بالطبع إلى تكوين فريق كفريق كرة القدم فلا زلنا بحاجة لمدافع أو أكثر. أما المهاجم فمتواجد طوال الوقت يسجل أهدافاً موجعة على فريقه!!

والعجيب أن سلوى تستقبله.. ترفع شماغه عن رأسه، تداعبه، تقبّل يده، ولكنه يقابل ذلك اللطف بجفاء وغلظة، وكثيراً ما يعنفها، ويتمتم بكلمات ساخطة ومكررة: (الله لا يكثركن عند الصديق) !!

وإن كان من المعتاد أن يكون الأب الذي لديه بنات أكثر لطفاً وحناناً ممن لديه ذكور إلا أن هذا الأب لم يستشعر الأجر لمن يعول ابنتين فكيف بثمان؟! ولم يستمتع قط بهذا الجو الأسري الآسر وبلطف بناته وحنانهنّ! ولم يقدّر كونه أباً ومسؤولاً عن أسرته حين أحال حياة الأسرة إلى قلقٍ وتوتر، عدا اضطهاده زوجته بالتهكم بلفظ (أم البنات) وكأنها وصمة عار!! ومع ذلك كنا نقنع أنفسنا بأن حياتنا.. ممتعة.. جميلة!!

وجود سلوى في منزلنا أضفى على حياتنا الهدوء النسبي والدعة، فقد كبرت البنات واستكملن دراستهن في تخصصات مختلفة عدا (سلوى) في الصف الثالث الثانوي، وهي الصغرى حيث لم أنجب بعدها لأن زوجي كف عن المطالبة! بعد أن اعترته أمراض مختلفة فلم يعد يفكر في إنجاب المزيد! فضلاً على أن صحتي لا تسعفني لمواصلة الإنجاب. ولم ينفذ زوجي تهديداته، وانغمس في العمل التجاري وجمع الأموال!! وقلّت حدته وأصبح هادئاً بعد أن تكالبت عليه الأسقام، وأصيب بمرض يستدعي نقل مادة من النخاع الشوكي حيث توقف عن الحركة تماماً، وكثرت مراجعاته للمستشفى، فتقاعدت عن العمل لأصحبه عند كل مراجعة. واستدعى الأمر التبرع له من أحد أقاربه، فذهبنا جميعاً للمستشفى لعمل اختبار لمعرفة مدى ملائمة السائل لجسمه.. وكانت.. (سلوى) !! هي .. التي أثبتت الاختبارات والتحاليل مطابقتها تماماً للمطلوب!! وخضعت لعملية نقل جزء من النخاع لإنقاذ والدها.
باقٍ من الحزنِ أضعاف الذي ذهبا
لا الجوع دهر ولا كل الفصولِ صِبا!!

وحيث لم تكن (سلوى) من أهل الدنيا.. فقد فارقت الحياة بعد إجراء العملية!!
غادرت الدنيا، بصراعاتها، وآلامها، وقلقها.. تركتها لنا ورحلتْ.. بعد أن أودعت في كبدي وسماً من الألم لا ينمحي.. وفي قلبي جرحاً لا يندمل.. وفي عيني دمعة متجمدة!!

حين كنت أراها بين أخواتها تتفجر نشاطاً وحركة، وتضج حيوية وإقبالاً على الدنيا بجمالها الأخاذ وذكائها الوقاد عدا تفوقها الدراسي وقدرتها على التعامل الرائع مع والدها ومعي و مع الناس.. حين كنت أرقبها وهي كذلك ينقبض قلبي.. ويعاودني إحساس قديم لا يكذب!! بل يتجدد!!.. كنت أدرك أنها ليست الثامنة بل .. الزائرة!!

جاءت.. لتوقف تيار الألم، وتزرع الأمل، وتلوّن حياتي بالتفاؤل.. جاءت.. وكأن قدومها هبة من الله لوالدها لتستمر به الحياة.. وهو ( الساخط على مجيئها ) .
جاءت.. لتمسح شقاء السنين..
ورحلت.. لتجعلني أعاني وحدي الشقاء والبؤس بدونها !!
جاءت (سلوى) لحكمة..
ورحلت لعِبرة !!


كـــ/ رقية سليمان الهويريني


:. مما راق لــــي :.

نورت دنيانا غير متصل  

قديم 26-08-12, 03:59 PM   #2

romanticrose
إداريه

 
الصورة الرمزية romanticrose  






افكر

رد: الزائرة الفاتنة!!


واااو
على رغم حزن الكلمات و معاناة كاتبتها و تسليطها الضوء
على واقع مُعاش
إلا أن روعة الأسلوب و روعة وجود البنات في البيت الواحد
لا يعرف هذه النعمة إلا من فقدها ..

نوارة ..
مقال أكثر من رااائع
سلمتِ ..

__________________

romanticrose غير متصل  

قديم 26-08-12, 04:11 PM   #3

نورت دنيانا
مشرفة حواء

 
الصورة الرمزية نورت دنيانا  







رايقه

رد: الزائرة الفاتنة!!


اللهم صل على محمد وآل محمد

سلم الله قلبك غاليتي رومانتك ..نورتي..

نورت دنيانا غير متصل  

قديم 26-08-12, 04:32 PM   #4

ABU 3ID
كاتب متميز

 
الصورة الرمزية ABU 3ID  







مشكوك فيه

رد: الزائرة الفاتنة!!


لقد احزنتي هذه الكلمات
آآآآآآآآآه صحيح من ليس لديه نعمة الآخت هو من يحسى بها
.
.
.
من احزن ما قراءة
يعطيش العافية مشرفتنا

__________________

ABU 3ID غير متصل  

قديم 26-08-12, 05:05 PM   #5

مركزأشبال الرضا
مبتدئ

 
الصورة الرمزية مركزأشبال الرضا  







رايق

رد: الزائرة الفاتنة!!


المقااال جداً مؤثر
يسلموو ع النقل

مركزأشبال الرضا غير متصل  

قديم 26-08-12, 05:41 PM   #6

نورت دنيانا
مشرفة حواء

 
الصورة الرمزية نورت دنيانا  







رايقه

رد: الزائرة الفاتنة!!


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة abu 3id
 لقد احزنتي هذه الكلمات
آآآآآآآآآه صحيح من ليس لديه نعمة الآخت هو من يحسى بها
.
.
.
من احزن ما قراءة
يعطيش العافية مشرفتنا  


اللهم صل على محمد وآل محمد

عدرا أخي العزيز أبوعيد ماكان هدفنا إدخال الحزن على قلبك , ولكن لكي نقف على الأهداف الجوهريه التي يحتويها المقال ..

الله يعافيك ويسلمك وأبعد الله الكدر عن قلبك ..

نورت دنيانا غير متصل  

قديم 26-08-12, 05:43 PM   #7

نورت دنيانا
مشرفة حواء

 
الصورة الرمزية نورت دنيانا  







رايقه

رد: الزائرة الفاتنة!!


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مركزأشبال الرضا
 
المقااال جداً مؤثر


يسلموو ع النقل
  

اللهم صل على محمد وآل محمد

أختي الغاليه وجودك زاد الموضوع قيمه ألف شكر لحضورك الطيب..

نورت دنيانا غير متصل  

 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
المنتدى يستخدم برنامج الفريق الأمني للحماية
مدونة نضال التقنية نسخ أحتياطي يومي للمنتدى TESTED DAILY فحص يومي ضد الإختراق المنتدى الرسمي لسيارة Cx-9
.:: جميع الحقوق محفوظة 2019م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 12:51 PM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.11
Copyright © 2013-2019 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited