وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحلقة التاسعة :
تحدثت سلمى في الحلقة السابقة عن تفاصيل اقتيادها الى مزرعة عدي ، وكيف تصرف معها عدي بوحشية ونال منها ولكنه كان متضايقا كثيرا بسبب عنادها ، وقد أوعز الى أبو حسين بأن يأخذ سلمى الى بيت فارس رئيس مسؤول ورشة التعذيب لكي يداويها ، قاطعتها وهي تدخن سيجارتها بعصبية واضحة وقلت لها : - مدام ، كان يقال عن عدي بأنه يصل الى ما يريده مباشرة دون الحاجة الى الانتظار مدة طويلة ، فهل هناك مبرر برأيك لانتظاره كل تلك المدة حتى يصل اليك ؟ - هذا السؤال أنا نفسي سالته مرات ومرات ، ولم يجبني عليه سوى الدكتورة ماجدة لقد قالت لي : لو كان الأستاذ ليس صيادا ماهرا لتصرف منذ البداية ونال منك ، ولكن حبه الشديد للصيد جعله يصبر ، ويبحث عن أكثر من وسيلة لاصطيادك . - إذن فعدي كان يعتبرك فريسة ، وهو صياد - طبعاً . هذه هي الصورة التي نقلتها الدكتورة ماجدة والتي تعرف عدي جيدا ، وتعتبره صديقا وهو يعتبرها كذلك ، وسمعت فيما بعد بأنها حصلت على الكثير من صداقتها له ، ومنها عقود نفط ، ومجوهرات ، وأشياء كثيرة أخرى. - سيدة سلمى هل يمكن أن نعود الى ماحدث بعد أن استقبلك فارس هنا توقف جهاز التسجيل عن العمل ، أبدلت شريط التسجيل ، وأشرت لسلمى بيدي كي تبدأ الكلام ، فبدأت تكمل حكايتها التي أصرت هي على أن تسميها مأساة . - بعد أن أخذني أبو حسين الى بيت فارس انزلني فارس الى قبو البناية التي فيها البيت ، تركني هناك واغلق الباب ، وكان يقول وهو يخرج : من قال بأني لاأستطيع شفاء الأمراض المستعصية ، والله لأكسر رأسك . كان المكان مظلما بشكل غريب ، ولا أي خيط من الضوء ينبعث ، ارتميت على الارض من شدة التعب ،تذكرت ماحدث معي فانفجرت بالبكاء ، مرت حياتي أمام عيني ، كرهت كل لحظة عشتها في حياتي ، وتذكرت ولدي ، صرت أصرخ وأنادي : ياولدي ، ياولدي ، سمعت خشخشة مفاتيح ، وسمعت الباب يفتح اندفع ضوء قوي الى الداخل للحظات ثم انقطع مع اغلاق الباب ، سمعت فارس يقول : ست سلمى الصراخ بآخر الليل لايناسبك ، انصحك بالصمت ، كي أستطيع النوم ، وتستطيعين أنت ايضا النوم . كان المكان مظلماً ، والهدوء يجعل أية حركة مسموعة بشكل واضح، وكنت أحس بأنفاسه قريبة من وجهي ، لكني لم أكن أراه ، أحسست بيده تمسكني ، وتشدني بقوة ، وقال هامساً وأنا أحاول التخلص منه: تدرين مدام ، لولا أن الأستاذ وضعك في باله منذ اليوم الأول لدخولك اللجنة لاختطفتك ، أنت جميلة جدا مدام ، والآن الفرصة لي لكي أستمتع بك ، لا يوجد من يرانا . حينها صحت ولا أدري كيف خطرت لي تلك الفكرة : إذا لمستني سأقول للأستاذ ، وأنت تعرف ماذا سيفعل الأستاذ حين يعلم بأنك اقتربت مني ، قال مرتبكا : تقولين للأستاذ ، لا مدام ، احذري أن تفعلي ذلك ، والله إذا علم الأستاذ عدي بأني لمستك لمساً سيقطع عنقي ، انتهى الموضوع ، لكن مسألة تأديبك لم تنته مدام ، سأتركك الآن ولكن توقعي دخولي في أي وقت ، أنا لن أتركك وحيدة بعد هذه اللحظة . تركني وانسحب بهدوء ، غادر الغرفة وأغلق الباب ، حاولت لملمة نفسي والسيطرة على الخوف الشديد الذي صار يشاركني أوقاتي كلها ، لم أدر كم مر من الوقت ، لكني كنت نائمة حين فتح الباب مرة أخرى ، ودخل فارس يحمل بيده صحناً فيه طعام ، وقال لي وهو يقدم لي الصحن تفضلي كلي بعد قليل تبدأ الحفلة ، ظننت أن هناك حفلة يقيمها عدي وسيأخذوني اليها ، لكن الحفلة كانت عبارة عن صوت موسيقى قوية اندفعت من قلب الظلام الحالك ، يرافقها ضحك فارس الذي لم يتوقف ، استمر الأمر لا أدري كم من الوقت ، صرت أبكي وأصرخ لكن الموسيقى استمرت ، كنت اتخبط مثل المجنونة تماما وأنا ابحث عن ذلك الملعون الذي كان صوت ضحكه يمزقني ، صرت أدور في مكاني وانا أصرخ : كفى ، كفى ،أحسست بأن طبلة أذني تمزقت وأني فقدت السمع حين توقفت الموسيقى فجأة وعاد الهدوء الخانق ليسيطر على المكان ، حاولت إخراج صوتي لأتأكد بأن سمعي مازال بخير ، قلت : حرام ، حرام ، فخرج صوتي مبحوحاً ، واندفعت ضحكة صغيرة ، وبعدها قال فارس : حرام ست سلمى ، والذي تفعلينه ليس حراماً ، ترفضين النعمة التي أرسلها الله إليك ، وترفضين الأستاذ عدي ، من أنت لترفضي الأستاذ ، تدرين لولا أنه يريدك لصرت الآن في دجلة ، مدام سلمى ماكان قبل قليل هو بداية احتفالاتنا التي لن تنتهي ان شاءالله أنت لا تدرين كم تجعلني هذه الاحتفالات سعيدا ، الله كم هو رائع أن يحتفل الناس ، اليس كذلك مدام ، ألا تحبين الاحتفالات أنت أيضا ، ها تكلمي مدام ، ثم شدني من شعري وسحلني على الأرض وكنت أصرخ بشدة .وكل فترة كان يتكرر هذا الأمر مرتين أو ثلاثاً. - مدام وضعت في قبو وبدأ فارس بتعذيبك ، كم استمر هذا الأمر؟ - لا أدري يمكن يومين أو ثلاثة أيام أو خمسة لاأدري الليل والنهار متشابهان تماماً ، ظلام دامس وصراخ وموسيقا عالية تصم الآذان ، وسحل ، كنت أسحل كأني نعجة مذبوحة ، كان يربط قدمي ويبدأ يسحلني على أرض الغرفة ، وهو يضحك دون توقف إلى الآن أستغرب ماالذي كان يضحكه ، كان يستمتع وهو يسمع صراخي، وتوسلي اليه ، بعد لاأدري كم من الأيام فتح الباب ودخل ثلاثة رجال ، كان الذي في الوسط عدي ، عرفته لأنه كان أطولهم ، أضيء المصباح وتأكدت فعلا بأنه عدي كان يحمل سيجاره ويبتسم ، كنت مرتمية على الأرض الباردة ، نظر الي عدي متأملا وقال وهو ينظر الى أديب شعبان : هل تعتقد أن الست تربت . رد أديب : أكيد أستاذ المدام إنسانة واعية ومتعلمة ولا يمكن تظل تعاند بلا سبب ، يعني الموضوع منته مثل ما قال فارس ، ونحن واثقون بأن عقلها سيرشدها الى الطريق الصحيح أليس كذلك مدام ؟ لم أرد لم أقل شيئاً ، صاروا يضحكون ثم أشار عدي لفارس فحملني وأخرجني من القبو كان الوقت نهاراً ، وضعني فارس في السيارة ، التي انطلقت بسرعة ، كان فارس يقود السيارة وقربه كان يجلس شخص لم أره من قبل ، بعد قليل وصلنا الى منزل الأعظمية ، انزلوني من السيارة وسحبوني سحبا الى الداخل ، حين رأيت زينب في الصالون ارتحت قليلا ، ورغم عدم قدرتي على الكلام الاّ أني سألتها عن ولدي ، فأشارت لي بيدها أن أسكت ، فسكت ، أدخلتني زينب الى الحمام ، ووضعتني في الحوض ، وفتحت مرش الماء ثم أجرت لي حماما ، واثناء ذلك قالت لي بأن قريبها عرف بأنهم يضعون ولدي عند زوجة أحد أفراد مرافقة عدي وأن زوجة ذلك الرجل متضايقة من وجود الصغير عندها لأنه يبكي طوال الليل ويطلب أمه ويزعجها مع أولادها الثلاثة ، وقد طلب قريب زينب من العقيد عامر أن يسمح له بأخذ الصبي ووضعه عنده لأن زوجته لن تغضب من وجوده ، كلام زينب جعلني أنسى كل مامر ، صدقني ، انتهت همومي وأوجاعي كلها يعني ابني بخير ، ويمكن يصير بأيدي أمينة ، زينب وعدتني بأنها هي من ستهتم بالصغير وستحاول قدر المستطاع أن تؤمن لي فرصة لرؤيته ، كان هذا الشيء الأكثر أهمية بالنسبة لي - مدام ، بعد وضعك في بيت الأعظمية ، واطمئنانك على الصغير ماالذي حدث تماما ؟ - صار الأمور تتم في البداية بشكل عادي لاشيء ، أنام واستيقظ وأسأل كل يوم عن ابني ، كان أبو حسين يأتي مرتين في اليوم ، وكان الباب مقفلا طيلة الوقت ، كل احتياجات البيت مؤمنة تقريبا ، ولا ينقص شيء أبدا ، أحضروا لي مجموعة كبيرة من ملابس السهرة ، والمكياجات والمجوهرات بعضها حقيقي وبعضها مزيف ، جاءت الدكتورة ماجدة لزيارتي مرتين وفي كل مرة كانت تقدم لي النصائح كي أهتم بنفسي ، وقالت لي : يريد الأستاذ أن يراك كما رآك أول مرة في اللجنة ، هو لايحب أن يراك بهذه الصورة ،ونصحتني أن أنسى كل ما حدث خلال الأيام الماضية ، وأحاول إرضاء الأستاذ ، لأني لم أر غضبه الحقيقي بعد ، هكذا أكدت لي ماجدة التي ودعتني لأنها مسافرة الى لبنان لأن لديها عملا ، وقالت بأنها ستحاول العودة بعد شهر أو شهرين ، ورجتني أن أتخلى عن عنادي كيلا أصاب بأذى ، صدقني ، شعرت بأنها صادقة وأنها تريد الخير لي وليس بيدها حيلة تجاه مايحدث ، عانقتني الدكتورة ماجدة وغادرت ، وتلك كانت المرة الأخيرة التي أراها فيها ، فكرت لمدة يومين فيما قالته ماجدة ، وفررت أن أعمل بنصيحتها ، بدأت الاهتمام بنفسي ، وصرت آكل بشكل جيد ، وطلبت من أبو حسين أن يخبر الأستاذ بأني أرغب في رؤيته ، غاب أبو حسين فترة بعد الظهر كلها ، وعاد مساء وطلب مني أن أجهز نفسي للذهاب الى سهرة يقيمها الأستاذ ، لبست أفخر واحد من الثياب التي جلبوها لي ، ووضعت عقدا ماسيا حول عنقي ، ثم ركبت في السيارة الى جانب ابو حسين ، وصلنا الى مزرعة عدي ، وكان عدي جالسا يدخن السيجار ، وبالقرب منه ذئب مربوط بسلسلة ذهبية ، أحسست بالخوف لرؤية الذئب ، لكن عدي قال ضاحكا : اقتربي ، لاتخافي ، هذا الذئب أحسن من البني آدم ، هذا ذيب مخلص ، يسمع الكلام ، اشار لي فجلست الى جانبه ، قدم لي كأس ويسكي ، فشربته دفعة واحدة كانت تلك هي المرة الأولى التي أشرب فيها الكحول ، لكن كما قلت لك قررت أن أعمل بنصائح ماجدة ، وهي قالت لي بأن عدي لايحب من لايطيع وكان علي أن اكون مطيعة تماماً ، بعد قليل وصلت سيارتان فيهما شباب وفتيات ، نزلوا بصخب وهم يضحكون ، سلموا على عدي ، وجلسوا على المقاعد القريبة من الطاولة ، ثم بدأ الشرب والغناء وماهي إلا نصف ساعة تقريباً ، حتى جاءت سيارة أخرى ، ونزلت منها الراقصة نوسة وهي ، وبدأ التصفير والتصفيق حين بدأت ترقص على أنغام الموسيقا التي كانت تعزفها فرقة موسيقية كانت موجودة في جانب المكان الذي كنا نجلس فيه ، استمر الوضع حتى منتصف الليل كان الجميع ثملين بمن فيهم أنا ، لم أكن فاقدة التركيز تماما ، لكني كنت أشعر بدوار يجتاحني ، أشار عدي للجميع فتوقفوا عن الحركة ولكنهم كانوا يضحكون بشكل هستيري ، قال عدي : اسمعوا ولاك ، انتم سكرانين ، ولازم الرجل بينكم يشوفنا كيف يمكن يبقى رجلا بعد كل الذي شربتموه ، قال أحدهم ضاحكا : وداعتك أستاذ ، أية امرأة موجودة هنا لايمكنها أن تقاومني ، ضحك عدي وقال : هيا دعونا نرى مراجلكم ، بدأ الرجال يخلعون ملابسهم مثل المجانين ، وكان عدي يراقب مايحدث ضاحكا ، ثم هجموا مثل الوحوش على الفتيات اللواتي كن يضحكن ، طارعقلي وأنا أرى ما يحدث ، أمسكني عدي من يدي وقال لي ضاحكاً: عزيزتي ، هذه أمتع لعبة في العالم ، شوفي الناس كيف يحبون بعضهم ، هذه هي المتعة ، عيوني الحياة شلون تقول الأغنية ها نعم الحياة حلوة بس نفهمها ، وأنا أفهم الحياة أكثر منكم كلكم ، أنا أعرف أكثر منكم ، ولأجل هذا فأنا أرى الحياة ليس كما يراها الآخرون ، لأنهم لايفهمونها وأنا أفهمها ، انتم مساكين تفكرون بأشياء غريبة، كلكم مساكين ، لكن أعدك بأن أعلمك كيف تعيشين الحياة ، اتفقنا ، هززت رأسي موافقة وأنا أشيح ببصري عن تلك القذارة التي كانت تحدث ، شيء ليس معقولا ، شيء مقرف حقا ، مثل الحيوانات تماما ، لا ، الحيوانات أحسن ، كان عدي يراقب بنشوة غريبة وهو يبتسم ، ويداعب رأس الذئب ، استمرت السهرة حتى سمعنا صوت أذان الفجر عندها نهض عدي ، وامسك بيدي وسرنا الى غرفة في الطابق الثاني من البناء الموجود وسط المزرعة تماما ، من شدة التعب ومن تأثير الخمر نمت مباشرة ، وحين فتحت عيني في الصباح ، ورأيت عدي نائما الى جانبي ، وكنت شبه عارية صرت أبكي بصوت مخنوق ، ولم أستطع التوقف عن البكاء إلاّ حين فتح عينيه ، خفت أن يتسبب بكائي بإزعاجه ، الحقيقة خفت من ردة فعله إذا رآني أبكي . - سيدة سلمى ، هل يمكن أن تصفي لي تماما ماهي المشاعر التي كانت تنتابك ، وقد صرت عشيقة عدي صدام حسين ، يعني ، واعذريني ، ألم تشعري بأنك محظوظة مثلاً ، عفواً لجرأتي؟ - أستاذ أنا تهدمت حياتي كاملة ، قتلوا زوجي وأبعدوا ابني عني ، خربوا حياتي كلها وتقول لي محظوظة ، خوية ، أي حظ بعد أن تحولت حياتي بالكامل إلى هذا الشكل السيء ، أنا كنت أشعر بالكراهية لكل شيء في العالم ، ولنفسي في البداية ، كرهت كوني جميلة ولفت نظره ، وكرهت زوجي ، الله يرحمه ، لأنه لم يسمع كلامي حين طلبت منه أن نغادر بغداد ، حتى ابني كرهته ، لأن وجوده منعني من الانتحار ، وتقول لي محظوظة ، لكن ربما أكون محظوظة لأن عدي لم يلق بي لأتحول إلى واحدة من أولئك المسكينات اللواتي لاشك بأنهن مررن بظروف تشبه ظروفي وربما أقسى حتى تحولن الى ماهن عليه . - وربما اخترن ذلك بأنفسهن ، طمعاً بالهدايا ، والحظوة ، و.....ز - لا أستاذ اسمح لي ، لا يمكن هناك إنسانة أو إنسان يقبل أن يكون في ذلك الوضع الذي رأيتهم فيه إن كان في رأسه ذرة عقل واحدة ، يمكن لأنك لم تر الوضع تقول ذلك الكلام ، ولكن لو رأيت لغيرت رأيك ، ولبكيت لحالهم . - تقصدين أن عدي فعل بهم مثلما فعل بك كي يصلوا الى ما وصلوا اليه ؟ - تماما ، وأنا واثقة من كلامي ، رجاله ومرافقوه يشبهون الذئاب الجائعة ، شرهون في الأكل والشرب والكلام ، في كل شيء هم شرهون ، وتشعر حين تنظر الى أي واحد منهم بأنك تنظر الى وحش لا إلى إنسان ، على الرغم من الثياب الأنيقة والعطورات الفاخرة والسيارات الفخمة . - كيف هم شرهون؟ - تشعر وأنت تنظر اليهم بأنهم قادرون على التهام الطعام الموجود في الأرض كله ، وعلى اغتصاب النساء كلهن ، قبيحون بشكل لايتصوره العقل ، بشاعة لاحدود لها ، أتمنى ألا أرى في يوم من الأيام واحدا منهم لأني لا أدري ماالذي يمكن أن أفعله . - مدام سلمى ، اعذريني للتعبير ، ولكن بعد أن صرت عشيقة عدي ماالذي تغير في حياتك ؟ أقصد هل خفت الضغوط التي كنت تعيشينها ؟ وماذا حل بولدك ؟.
في الحلقة القادمة : احتضنته ، وقبلته ، وكان ينظر إلى وجهي مستغربا
يتبع