2009-05-12
التوافق: الخبر

استعرض سماحة السيد محمد باقر الناصر في خطبة الجمعة يوم الجمعة الماضي قولاً من أقوال علماء المدرسة السلفية خروج الإمام المهدي وهو شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني , حيث قال في كتابه منهاج السنة ج 4 ص211 :« وأما الحديث الذي رواه عن ابن عمر , عن النبي صلى الله عليه وسلم : (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي ؛ اسمه كاسمي , وكنيته كنيتي , يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً , فذلك هو المهدي) ؛ فالجواب :
إن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة , رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره , كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن مسعود : ( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم , لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه رجل مني أو من أهل بيتي , يواطئ اسمه اسمي , واسم أبيه اسم أبي , يملأ الأرض قسطاً وعدلاً , كما ملئت جوراً وظلماً ) , ورواه الترمذي وأبو داود من رواية أم سلمة , وأيضاً فيه : (المهدي من عترتي من ولد فاطمة ) , ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد وفيه : (يملك الأرض سبع سنين) , ورواه عن علي رضي الله عنه , أنه نظر إلى الحسن وقال : ( إن أبني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم , يشبهه في الخلُق , ولا يشبهه في الخلْق , يملأ الأرض قسطاً ) » .
وقال سماحة السيد نلاحظ هنا: أن ابن تيمية صحح الحديث الوارد عن النبي (ص) بشأن المهدي , ولكن لم يصرح بتواتره , وقد نقل عنه الشيخ محمد المنتصر الكتاني في بيان المجمع الفقهي الإسلامي الذي عرضناه سابقاً , أن ابن تيمية يقول بتواتر أحاديث المهدي في فتاواه , وقد بحثت فيها بقدر الوسع فلم أجد نصاً بهذا المضمون , وبكل الأحوال هو أعلم بابن تيمية والعهدة عليه .
مشيرا الى أن ما هو مطروح للبحث الآن أصل مسألة المهدي , أي الاعتقاد بخروج رجل من نسل النبي (ص) من ولد فاطمة (ع) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً , ويطهر الأرض كلها من الظلم والفساد , وأما التفاصيل فسوف نبحثها واحداً واحداً فيما بعد , ولذلك لا يضرنا ما ذكره في الأحاديث التي نقلها والتي تخالف المعتقد الشيعي في المهدي ؛ من قبيل أن اسم أبيه كاسم أبي النبي , وأنه من ولد الحسن عليه السلام.
ثم انتقل سماحة السيد الناصر الى جملة من أقوال علماء السنة من غير المدرسة السلفية المتعارفة في هذا العصر ، ومنها :٭ ممن حكى تواتر أحاديث المهدي الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين السجستاني الآبري , صاحب كتاب "مناقب الشافعي" المتوفى ( 363هـ ) , قال : « وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر المهدي , وأنه من أهل بيته , وأنه يملك سبع سنين , وأنه يملأ الأرض عدلاً , وأن عيسى عليه السلام يخرج فيساعده على قتل الدجال , وأنه يؤم هذه الأمة , ويصلي عيسى خلفه » نقل ذلك عنه ابن القيم في كتابه المنار المنيف .
٭ وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : « تواترت الأخبار بأنّ المهدي من هذه الأمة. وأن عيسي ـ عليه السلام ـ سينزل ويصلي خلفه » .
٭ ومنهم العلامة الشيخ محمد البرزنجي المتوفى( 1103 هـ) في كتابه " الإشاعة لأشراط الساعة " , قال: « فمنها المهدي , وهو أولها , واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر , ـ إلى أن قال ـ : ثم الذي في الروايات الكثيرة الصحيحة الشهيرة , أنه من ولد فاطمة ـ إلى أن قال ـ :
تنبيه : قد علمت أن أحاديث وجود المهدي , وخروجه آخر الزمان , وأنه من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولد فاطمة ؛ بلغت حد التواتر المعنوي , فلا معنى لإنكارها ».
٭ الشيخ محمد السفاريني الحنبلي المتوفى سنة (1188 هـ ) ، في كتابه " لوامع الأنوار البهية " , قال: « وقد كثرت بخروجه ـ يعني المهدي ـ الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي , وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم ـ ثم ذكر بعض الآثار والأحاديث في خروج المهدي , وأسماء بعض الصحابة الذين رووها ـ ثم قال : وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم رضي الله عنهم بروايات متعددة , وعن التابعين من بعدهم , ما يفيد مجموعه العلم القطعي , فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم , ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة ».
٭ القاضي محمد بن علي الشوكاني الزيدي المتوفى سنة (1250هـ ) , قال في كتابه "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح" : « والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها , منها خمسون حديثاً , فيها الصحيح والحسن , والضعيف المنجبر , وهي متواترة بلا شك ولا شبهة , بل يصدق وصف المتواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول , وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي , فهي كثيرة جداً لها حكم الرفع , إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك» .
٭ الشيخ صديق حسن القنوجي المتوفى سنة (1307هـ ) قال في كتابه " الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة " : « والأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جداً , تبلغ حد التواتر المعنوي , وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم و المسانيد ـ إلى إن قال ـ لاشك أن المهدي يخرج آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام , لما تواتر من الأخبار في الباب , واتفق عليه جمهور الأمة خلفا عن سلف , إلا من لا يعتد بخلافه ـ إلى أن قال ـ فلا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر , المدلول عليه بالأدلة , بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر ».
٭ الشيخ محمد بن جعفر الكتاني المتوفى سنة (1345هـ) قال في كتابه " نظم المتناثر من الحديث المتواتر" : « والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة , وكذا الواردة في الدجال , وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام» .
وحكى التواتر غير هؤلاء من الأعلام ؛ كالسيوطي في كتابه الحاوي للفتاوي , والسخاوي في فتح المغيث , والمغربي في إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون , والألباني وغيرهم .
بعد هذا كله ؛ لا يبقى مجال للشك في أصل الاعتقاد بالمهدي الموعود من نسل فاطمة عليها السلام , ولو اعترى الشك بعض التفاصيل لأسباب مختلفة ؛ فإن ذلك لا يغير من التسالم الواقع على أصل الموضوع , وها هي الصلاة فريضة مسلمة , وهي من الضروريات ولا يختلف عليها اثنان من المسلمين , ومع ذلك وجد الخلاف بين الفقهاء في الكثير من تفاصيلها .
ثم نضيف إلى ذلك كله رأي الشيعة الإمامية , الذين أطبقت كلمتهم على هذه العقيدة , بل إن الشيعي لا يكون إمامياً إثني عشرياً ما لم يؤمن بالمهدي , لأن المهدي ختام الأئمة الإثني عشر , وقد التصقت بهم هذه العقيدة حتى ظن البعض أنها من مختصاتهم .
هذا ؛ وقد أحصى العلماء 400 رواية عن النبي (ص) في المهدي من طرق أهل السنة فقط , كما ينقل ذلك السيد صدر الدين الصدر في كتابه المهدي , مما يوفر تواتراً قطعياً . وأحصى العالم الجليل الشيخ لطف الله الصافي حفظه الله تعالى في كتابه القيم منتخب الأثر أكثر من 6350 رواية في المهدي من طرق الشيعة والسنة , وهذا يعني أن الشك في هذا الكم الضخم من الروايات غير جائز , إذ لو جاز ذلك لطال الكثير من المسلمات الدينية التي لا تحظى بمثل هذا المستند .
ولكن مع ذلك فقد تجرأ البعض وشكك في هذه الحقيقة , ولعل أول من فتح هذا الباب هو ابن خلدون , ثم تبعه مثل أحمد أمين , ومحمد رشيد رضا , ومحي الدين عبد الحميد , والشيخ عبد الله بن محمود , ولا يعبأ بخلافهم بعد ما ذكرناه , وقد تصدى للرد عليهم علماء السنة أنفسهم , وسفهوا رأيهم واعتبروه مجازفة وتقحماً , وقولاً بغير علم , وبرأيي أن الباعث لذلك أمور نذكر منها الآن أمرين هما :
1 ـ الجهل بفن الحديث وعلومه .
2 ـ توهم البعض أن هذه العقيدة عقيدة شيعية خاصة .
وللأسف ؛ كثيراً ما يتجرأ بعض الجهال على أحكام الإسلام , لمجرد العداء للشيعة , فيتهجم من حيث لا يشعر على أحكام الله تعالى , وأبرز مثال على ذلك تشريع المتعة المنصوص عليه في كتاب الله سبحانه , وهو من الأحكام الشرعية المسلمة , غاية ما هنالك أنهم يقولون أن هذا الحكم نسخ .
ولنا وقفة مع هؤلاء المشككين في خطبة قادمة إن شاء الله تعالى .
وتناول سماحة السيد في الخطبة الثانية صلاة الجمعة ( أهميتها وأحكامها (2) :
قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾.
تكلمنا فيما سبق عن أهمية صلاة الجمعة , وذكرنا قسماً من أحكامها , ونكمل اليوم ما تبقى :
حول خطبتي الجمعة:
1ـ ينبغي للإمام الخطيب أن يتطرق في خطبته إلى المصالح الإسلامية الدينية والدنيوية ، ويطلعهم على الأحداث التي تجري في بلاد المسلمين ، والأمور السياسية والاقتصادية المؤثرة في استقلالهم وحفظ كيانهم ، والتحذير من تدخل الدول الظالمة المستعمرة في أمورهم ، فالإسلام دين السياسة بشؤونها ويظهر ذلك جلياً لمن له أدنى تدبر في أحكامه الحكومية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، فمن توهم أن الدين منفك عن السياسة فهو جاهل لم يعرف الإسلام ولا السياسة . (هذا المقطع باختصار وتصرف من تحرير الوسيلة للإمام الراحل) .
2 ـ يجب الإصغاء إلى خطبتي صلاة الجمعة , والأحوط وجوباً ترك التكلم أثناء الخطبتين إذا كان يمنع من الإصغاء .
3 ـ والأحوط استحباباً أن يستقبل المستمعون الإمام عند إلقاء الخطبة وعدم الالتفات يميناً وشمالاً .
4 ـ يجب أن يكون الخطيب قائما حين إيراد الخطبة , ولا يصح جالساً .
5 ـ يجب الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة .
6 ـ ويجب أن يكون الخطيب هو الإمام في الصلاة , ولا يجوز أن يكون الخطيب شخص وإمام الصلاة شخص آخر.
7 ـ والأحوط استحباباً أن يكون الإمام على طهارة من الحدث والخبث ، وكذا المستمعون .
8 ـ والأحوط استحباباً للإمام أن لا يتكلم أثناء الخطبة بما لا يرجع إلى الخطابة , ولا بأس بالتكلم بعد الخطبتين إلى حين الدخول في الصلاة .
9 ـ وينبغي أن يكون الخطيب :
أ / بليغاً مراعياً لمقتضيات الأحوال فصيحاً في عباراته .
ب/ عارفاً بما جرى على المسلمين في الأقطار ، عالماً بمصالح الإسلام والمسلمين .
ج / شجاعاً لا تأخذه في الله لومة لائم .
د / مراعياً لما يوجب تأثير كلامه في النفوس من المواظبة على أوقات الصلوات والتقوى والصلاح ، وأن تكون أعماله موافقة لمواعظه .
هـ / وأن يجتنب عن جميع ما لا يليق بشخصيته ويقلل من تأثير كلامه حتى كثرة الكلام والمزاح وما لا يعني .
وقال السيد محمد باقر الناصر حول خطيب الجمعة أنه يستحب له:
1 / أن يتعمم سواءً في الشتاء أو في الصيف .
2 / أن يضع على كتفيه رداء (عباءة) .
3 / أن يتزين ويلبس أنظف ثيابه وأن يتطيب .
4 / أن يمشي إلى الصلاة على وقار وسكينة .
5 / أن يسلم إذا صعد المنبر واستقبل الناس بوجهه .
6 / أن يتكئ على شيء من قوس أو عصا أو سيف .
7 / وأن يجلس على المنبر قبل الخطبة حتى يفرغ المؤذنون من الأذان .
وتناول كيفية صلاة الجمعة، قائلا صلاة الجمعة ركعتان ، وكيفيتها كصلاة الصبح ، ويستحب فيها الجهر بالقراءة ، وقراءة سورة الجمعة في الأولى والمنافقون في الثانية ، وفيها قنوتان أحدهما قبل ركوع الركعة الأولى وثانيهما بعد ركوع الثانية والقنوتان مستحبان , ولا يضر بالصلاة الإخلال بهما .
أسئلة :
1 ـ ماذا يفعل من فاتته الركعة الأولى لصلاة الجمعة ؟
ج : إذا لم يدرك المأموم الركعة الأولى من صلاة الجمعة ، وأدرك الركعة الثانية بأن التحق بالإمام ولو في الركوع كانت صلاته صحيحة وينويها جمعة ، ويأتي بالركعة الثانية منفرداً .
2 ـ هل يستطيع أن يصلّي المأموم صلاة واجبة أخرى ، غير صلاة الجمعة ، مقتدياً بإمام الجمعة حال إقامته لها؟
ج : صحة ذلك محل إشكال , ولم تثبت مشروعيته .
3 ـ هل تجوز صلاة الجمعة للنساء ؟
ج : يجوز .