( لكنهم لم يتعبوا ، و لم يهدأوا . كانوا يزدادون ضرواة و جنونا ، و كنت أزداد عنادا و شراسة . و بعد الشتائم التي كانت وسيلتي الوحيدة في الدفاع خلال الفترة الأولى ، و كانت ضرباتهم سريعة غير منتظمة ، أصبحتُ أُردد ، لا أعرف كيف أو لماذا ، و قد أنتظمت ضرباتهم ، عبارة بذاتها : آخ يُمّة ، آخ يُمّة .
كانت هذة العبارة ، و معها العناد ، مثل أيدٍ تتلقى عني الضربات أو تُخفف منها . كُنتُ أسمع لهاثهم ، كانوا يلهثون كالكلاب . كانوا يريدون أن يقضوا عليّ . لكن تلك الأقدام التي قطعت شوارع موران من شرقها إلى غربها ، من شمالها إلى جنوبها ، في الليل و النهار ، اكتسبت من الأرض قسوتها و قدرتها على الأحتمال . كنت أحس أقدامي في لحظات كثيرة أنها انفصلت عني ، انها تشتعل و لابد أن تطير ، و كنت اتمنى أن تفعل ذلك ، لكن و الألم ينتقل مثل حريق الزيت لينتشر في كل مكان ، ثم ليرتكز في العيون بالذات ، جعل كُلَّ شئ فيَّ يلتهب ، يصرخ . و مرة بعد أخرى أعود الى الشتائم ، إلى الصراخ ، ثم الى ذلك النداء : آخ يُمَّة ، آخ يُمَّة . و تتراءى لي أمي من بعيد ، كــطائر يفرد جناحية ، تمد يديها ، و كأنها تحاول أن تأخدني الى هناك ، حيث الصمت و السكينة ، و حيث لا أحد يعتدي على الآخرين ، و حيث الله الحقيقي ، و أغيب عن الوعي )*
* من حرائق طالع العريفي / عبدالرحمن مُنيف / الآن هُنا ...أو الشرق متوسط من جديد : صــ 219