عهد هارون
عاصرالإمام الكاظم (عليه السلام) المنصور والمهدي و(الهادي) وقد قام بنشر التعاليم الإسلامية والأحكام الشرعية بسرية تامة وتكتم، ولم يصبه أي أذى في هذه الفترة. ولكن عندما جاء (الرشيد) إلى الحكم كان من أشد الحاكمين ضراوة وطغياناً وأكثرهم عداوة لأهل البيت (عليهم السلام)، وقد كانت أيامه على الشيعة والعلويين من أسوأ الأيام التي مرت عليهم فقد اصابهم الخوف والتشتت ولم يكن يجرؤ أحد على الجهر بحبه لأهل البيت (عليهم السلام)، خوفاً وتشتيتاً ومطاردة، وقد صب كل حقده وانتقامه على الإمام الكاظم (عليه السلام) وحمله من المدينة وأودعه سجونه طيلة أعوام كثيرة، فقد حبسه أولاً بالبصرة عند واليها عيسى بن جعفر الربيع، فبقي في حبسه سنة واحدة، ثم نقله إلى بغداد وسلمه إلى وزيره الفضل بن الربيع، فبقي في حبسه مدة طويلة، ثم نقله الى حبس الفضل بن يحيى البرمكي.
رحلة العذاب
لقد كان الإمام الكاظم (عليه السلام) عابداً زاهداً شأنه شأن جميع أهل البيت (عليهم السلام) فقد كان يقوم ليله ونهاره، فالأرض كلها خلقت في نظر الإمام الكاظم (عليه السلام) لتكون معبداً ومسجداً ـ كما جاء في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووجدت الدنيا لتكون محراباً للعبادة ومجالاً للتسبيح والتقديس، ورحلة للتقريب إلى الله سبحانه والوصول الى معرفته، فلم يكن هناك أي فرق يذكر في كونه في السجن أم لا، ولا تختلف لديه الأماكن، بل كلما ضاقت عليه حلقات المضيق، وعظمت الشدائد، وتراكمت المحن ازاداد قرباً من الله، واستعانة بالصبر والصلاة فلم تكن تهزه وتزعزعه المضايقات، فلقد اتخذ الإمام من السجن مسجداً، وظلمه السجن نوراً وطريقاً إلى التقرب إلى الله، فكان يقوم الليل ويصوم النهار.
لقد كان (هارون الرشيد) يراقب الإمام (عليه السلام) حتى في سجنه وقد سمع هؤلاء المراقبين الإمام (عليه السلام) ذات يوم يقول: (اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، وقد فعلت ذلك فلك الحمد).
ولما كان نهج الإمام (عليه السلام) لا يتغير فقد كتب عيسى بن جعفر إلى (الرشيد) وقال له: (خذه مني، وسلمه الى من شئت، وإلا خليت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما أقدر على ذلك، حتى إني لأستمع إليه إذا دعا لعله يدعو عليّ أو عليك، فما أسمعه يدعو إلا لنفسه، يسأل الله الرحمة والمغفرة).
وعن أحمد بن عبد الله عن أبيه قال (دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح، فقال لي: أشرف على هذا البيت، وانظر ماذا ترى؟ فقلت: ثوباً مطروحاً. فقال: أنظر حسناً. فتأملت، فقلت: رجل ساجد. فقال لي: أتعرفه؟ هو موسى بن جعفر. أتفقده الليل والنهار، فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على هذه الحالة، إنه يصلي الفجر فيعقب الى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة، فما زال ساجداً حتى تزول الشمس. وقد وكّل من يسترصد اوقات الصلاة. فإذا أخبره وثبت يصلي من غير تجديد وضوء، وهو دأبه، فإذا صلى العتمة أفطر، ثم يجدد الوضوء ثم يسجد فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر)(1).
وجاء في رواية أخرى: (.. فأمر بتسليم موسى الى الفضل بن يحيى، فجعله في بعض دوره، ووضع عليه الرصد، فكان مشغولاً بالعبادة، يُحيى الليل كله، صلاة، وقراءة للقرآن، ويصوم النهار، في أكثر الأيام، ولا يصرف وجهه عن المحراب، فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه)(2).
ولم يكن الإمام الكاظم (عليه السلام) متفرغاً لشيء إلا للصلاة والصيام ولم يكن يأبه لسجانيه فقد كانت روحه بين يدي ربه ومن شدة صفاء روحه وأخلاقه العالية أثر فيمن فيمن حوله حتى جلاديه وسجانيه، فقد كان يمتلك قدرة من الصبر تفوق التصور.
ومن روائع تأثيره وهديه وإشعاع سلوكه وإخلاصه ما رواه العامري في كتاب (الأنوار) قال:
(إن هارون الرشيد أنفذ إلى موسى بن جعفر جارية خصيفة، لها جمال ووضاءة لتخدمه في السجن فقال: قل له: (بل أنتم بهديتكم تفرحون). أي لا حاجة لي في هذه ولا في امثالها، قال: فاستطار (هارون) غضباً، وقال: أرجع إليه وقل له: ليس برضاك حبسناك، ولابرضاك أخذناك، واترك الجارية عنده وأنصرف: قال: فمضى ورجع، ثم قام (هارون) عن مجلسه وأنفذ الخادم إليه ليستفحص عن حالها فرأها ساجدة لربها لا ترفع رأسها، تقول: قدوس، سبحانك، سبحانك، فقال (هارون): سحرها والله موسى بن جعفر بسحره..)(3).
فقد حاول هارون جاهداً أن يغري الإمام (عليه السلام) ويحول انتباهه إلى ملذات الحياة ومتعها ولكن لم يكن يعرف بأن الإمام (عليه السلام) كان مستغرقاً بحب الله وقد أعرض عن الدنيا وزينتها، فلا الجواري يشغلن باله، ولا متع الحياة تستهوي نفسه، بل هو داعية حق، وصاحب رسالة قد نذر نفسه لمبادئه، وأوقف ذاته على ذات الله سبحانه. فغدا مناراً يهدي بقوله وعمله، وداعية يرشد بصمته ونطقه. فصمته نطق بلسان العمل، ونطقه هدى بكلمة الحق، لذا استهوى هديه قلب الجارية، واستولى سلطان روحه على روحها وعقلها حتى غدت تنادي (سبوح، قدوس) مشدوهة ساجدة، بعد أن كانت ترتع في مسارح اللهو، وتركع في كؤوس الهوى والغرام، وتقضي وقتها مع الفجار والعابثين. وتستمع بحلل الديباج وعقود اللؤلؤ، فصار ديدنها الصلاة والتسبيح والتقديس حتى ماتت، وقيل أن موتها كان قبل شهادة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بأيام.
وهكذا اختط الإمام (عليه السلام) طريقة المعبد بحب الله والعقبات الموضوعة من قبل طغاة عصره ورسم الطريق الحق للأجيال القادمة رغم الصعاب والمحن، فعلم السائرين في هذا الطريق الصبر على مرارة السجون والثبات على الحق، والاستهانة بأساليب الجلادين ووسائل القهر والإرهاب، فقد كان الرشيد ينقل الإمام من سجن الى سجن، فمن عيسى بن جعفر الى الفضل بن الربيع، الى الفضل بن يحيى، إلى السندي بن شاهك لعله يخفي شخص الإمام، ويقتل روح المقاومة ويغيبه عن الأذهان، إلا أن وجود الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في السجن كان له مغزى سياسي، وقيمة جهادية كبرى، وخصوصاً لتنقله بين السجون ومتابعة أنباء الأمة لأخباره، وعجز السلطة عن حسم الموقف معه. فقد كان احتجازه مادياً أي بجسده الشريف ولم يكن بعيداً بروحه عن أمته.
فقد كان وجوده يغذي روح الثورة والرفض والمقاومة لكل الحكام الطغاة الذين كانوا يخافون على كراسيهم وعروشهم، ويضفي عليها صفة الشرعية. لذلك فقد رفض الإمام التوسط لدى الحكام لإخراجه من السجن، أو اللجوء الى أي موقف من شأنه أن يضعف في الأمة هذه الروح. فقد رفض وقال لبعض من طلب منه أن يرسل بعض الشخصيات إلى (هارون) الرشيد للوساطة واطلاق حريته:
(حدثني أبي عن آبائه، أن الله عز وجل أوصى الى داود: يا داود أنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني، وعرفت ذلك منه إلا قطعت عنه أسباب السماء، وأسخت الأرض من تحته)(4).
بهذا الرد الحاسم الصادق عزز الإمام (عليه السلام) رفضه لكل الوساطات وعدم اعتماده إلا على الله سبحانه وتعالى وانه لا يخشى ظلمات ودهاليز سجون الرشيد. ولما أحس (الرشيد) أن روح المقاومة الصامتة التي أبداها الإمام في السجن قد بدأت تأخذ طريقها إلى النفوس، وأن مواقفه بدأت تتفاعل مع وعي الجمهور وإحساس الأمة، خاف أن يتكثف هذا الوعي، وينمو ذلك الإحساس فيتحول إلى ثورة، فاستشار وزيره يحيى بن خالد، فأشار عليه باطلاق سراح الإمام. حيث (لما حبس (هارون الرشيد) ابا إبراهيم موسى، وأظهر الدلائل المعجزات وهو في الحبس، تحير (الرشيد) فدعا يحيى بن خالد البرمكي، فقال له: با أبا علي أما ترى ما نحن فيه من هذه العجائر؟ ألا تدبر أمر هذا الرجل تدبيراً تريحنا من غمه؟ فقال يحيى بن خالد: الذي أراه لك يا أمير المؤمنين أن تمتنّ عليه، وتصل رحمه، فقد والله أفسد علينا قلوب شيعتنا، وكان يحيى يتولاه، و(هارون) لا يعلم ذلك فقال (هارون): انطلق إليه، واطلق عنه الحديد وابلغه عني السلام وقل له: يقول لك ابن عمك أنه قد سبق مني فيك يحيى أني لا أخليك حتى تقر لي بالاساءة، وتسألني العفو عما سلف منك، وليس عليك في اقرارك عار، ولا في مسألتك إياي منقصة)(5).
وعندما جاء يحيى إلى الإمام موسى بن جعفر وأخبره برسالة (الرشيد) ورغبته في اطلاق سراحه، رفض الإمام أن يلبي طلب (الرشيد) الذي أراد أن يوقف الإمام موقف المخاطب المعتذر، وأجابه:
(..وستعلم غداً إذا جئت بين يدي الله من الظالم والمعتدي على صاحبه والسلام)
حطم الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بصبره وثقته بالله سبحانه كل وسائل الجور والإرهاب من السجن والضغط الذي كان يمارسه عليه الجلادين فلم يكن أمام (الرشيد) إلا الحل الأخير وهو اغتيال الإمام، وانهاء حياته الشريفة، وقد تصور أنه سيسدل الستار بذلك على أروع فصل من فصول الجهاد والثورة ضد الطغيان، وسيطفئ نور الإمامة في أهل هذا البيت، ويتخلص من أعظم شخصية علمية ودينية في عصر (هارون) المستبد، لذلك أقدم على الجريمة الكبرى وقرر اغتيال الإمام (عليه السلام). وهو لا يعلم بأنه سوف يخلد.
لقد قتل (الرشيد) وأعوانه الإمام (عليه السلام) إلا أن روح الحقد والانتقام في نفوسهم كانت باقية حتى بعد موته (عليه السلام)، فترك الإمام ثلاثة أيام مسجى في سجنه، ثم وضع على جسر الكرخ ببغداد ينادي على جنازته: هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا اليه. والناس تغدو وتروح، وهي في صخب وضجيج، فبلغت الضوضاء سليمان بن أبي جعفر المنصور ـ عم الرشيد، وهو في الجانب الآخر من دجلةـ فاستفسر من غلمانه عن الخبر، فقيل له: انها جنازة موسى بن جعفر ينادي عليها شرط السندي بن شاهك (مدير شرطة الرشيد)، فساءه الذي سمع وأحرج موقفه وموقف بني العباس في نفسه فأمر غلمانه أن يستنقذوا جنازة الإمام من أيدي شرطة السندي بن شاهك إذا هم عبروا بها الى الجانب الشرقي من بغداد، فانتظرهم الغلمان حتى عبروا بجنازة الإمام الى الجانب الثاني من بغداد فهجموا عليهم واستنقذوا جثمان الإمام الطاهر وأتوا به إلى سليمان بن أبي جعفر المنصور، فغسل وحنط وكفن وصلي عليه وشيع الى مرقده الشريف.
وقد سار حشد من محبي الإمام وشيعته في موكب مهيب يتقدمهم سليمان بن أبي جعفر المنصور والحزن قد لف هذا الموكب، فلم تشهد بغداد يوماً كذلك اليوم، ولا فاجعة كتلك الفجيعة، وسار الموكب حتى انتهى الى مقابر قريش حيث سجيّ جثمانه الشريف في تربته المقدسة.
فسلام عليه يوم ولد ويوم قضى شهيداً في ظلمات السجون ويوم يبعث حياً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ المجلسي المجلد 11، ص607/ ج48.
2 ـ الطبرسي: ص311، ط3
3 ـ بحار الأنوار، المجلسي، ص239
4 ـ الإمام الكاظم، محمد باقر القرشي، ص499/ ج2.
5 ـ المجلسي، المجلد 11، ص230، ج48.
موقع السيد الشيرازي