(( منقول محاضرة الأستاذة أم عباس النمر " حفظها الله " ))
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلّ على محمدٍ وآل محمد ..
من الملاحظ أن من أكثر الأدعية الواردة في شهر رمضان هو الدعاء بالتوفيق للحج، فما هي النكتة في الإصرار على أن الصائم يدعو الله تعالى أن يوفقه لحج بيت الله؟ لأنه كما تلحظون سواء في الأدعية النهارية أو في الأدعية الليلية أو حتى في دعاء أبي حمزة الثمالي (الذي مطالبه غالباً عرفانية ) فيه أيضاً الطلب للتوفيق لحج بيت الله الحرام، وكثير من الأدعية جاء فيها النص على الحج، وكثير جاء فيها اكتبني من حجاج بيتك الحرام، وفرق بين ان يذهب الانسان للحج بجسده وبين أن يكتب الإنسان من حجاج بيت الله الحرام.
لأن معنى أن يوفق للحج أن يذهب فعلاً لبيت الله. ولكن أن يكتب من حجاج بيت الله هذه ليس مأخوذ فيها أن يكون الإنسان بجسده واقفاً ذاهباً إلى بيت الله، إنما المقصود فيها أن يصل إلى المراتب التي يصل إليها حجاج بيت الله فيكتب في صحيفة الأعمال أنه من حجاج بيت الله.
فرق في الدعاء أن يطلب الإنسان أن يكون حاجاً لبيت الله وأن يطلب أن يكون ممن يكتب اسمه من الحجاج لماذا؟
لأن بعض من يذهب إلى بيت الله لا يكتب في صحيفة أعماله أنه حج بيت الله، وما وصل إلى لقاء الله كما سنتحدث في شرح الآيات. وبعض من لم يوفق للذهاب إلى الحج يكتب له أنه حج بيت الله،(هناك كُتَّاب وكِتاب)، كُتَّاب بيت الله لا يغشون ولا يُغشون يعرفون من هو أهل فيكتبونه، ومن وفقته الظروف أن يذهب، يعرفون من كان بجسده مزاحماً للمسلمين وليس هو من أهل ضيافة الله فلا يكتبون اسمه.
ما هو السر في أن أغلب الأدعية تنص على أن يكون غاية الصائم ونهاية سير الصائم هو حج بيت الله الحرام؟
هذا يدعونا للمرور ولو سريعاً على الآيات التي تتحدث عن هذه الفريضة العظمى ألا وهي حج بيت الله، وخصوصية الحج.
بعض الأعمال كالصلاة والصيام ورد فيها أنها تغفر السيئات ﴿ أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾. ويقول بعض علماء التفسير غالباً السيئات بمعنى الصغائر، يعني إذا صلى الإنسان، فإن الله بصلاته يعفو عنه ما بين الصلاتين من السيئات. لأن الإنسان غير معصوم ويبتلى بالسيئات والصلاة تمحو تلك السيئات.
إلا أن السيئات في القرآن غالباً هي الصغائر، الإنسان كما يبتلى بالصغائر يبتلى بالكبائر، لعله العمل الوحيد الذي ورد في القرآن أنه يمحو الصغائر والكبائر هو الحج لأنهم يقولون في الآية ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ المقصون فيها: سواء تقدم الإنسان وخرج من منى قبل يوم أو تأخر بعد يوم فلا إثم عليه، لا إثم عليه ليس المقصود فيها في التقديم والتأخير، المقصود أن الحاج لا إثم عليه، الحاج لا يبقى له إثم. والإثم أقل درن ولوث، حتى المؤاخذات القلبية في القرآن تسمى إثم، فالله يتحدث عن الشهادة ويقول ﴿ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴾، حتى الدرن القلبي، حتى اللوث القلبي يسمى إثم. فالحج والتوفيق للحج يمحو، وكما سنتحدث في الآية القرآنية أنه يوصل الإنسان إلى غاية ونهاية ما قطعه في رجب وشعبان وشهر رمضان..
آخر مطاف يصل إليه بعد عرفة وبعد الانتهاء من مناسك منى وبعد الطواف ببيت الله، آخر نقطة يمكن أن يصل إليها الإنسان المتنسك السائر إلى الله.
حتى هذا هناك دليل عليه سواء في الآيات القرآنية، وحتى في الأدعية فلسان أدعية شهر رجب ولسان أدعية شهر شعبان ولسان أدعية شهر رمضان ولسان دعاء الإمام الحسين (ع) يوم عرفة هو غاية ونهاية المرحلة التي يمكن أن يصل إليها الإنسان في سيره وسلوكه لله تعالى.
لو ان لناظر أن ينظر ماذا في هذه الأدعية التي في شهر رجب وحاول أن يفهمها سوف يرى أنها تمهيد للمناجاة الشعبانية، ولو فهم المناجاة سوف يرى أنها تمهيد لصوم وأدعية شهر رمضان - وهذا درسناه - ويحتاج جلسات لست بصددها. ولو كان الإنسان شرح أدعية شهر رمضان لرأى أنه من ثمار شهر رمضان الوصول إلى عرفة، وحيث - كما سنتحدث- جعل الله الإفاضة من عرفة حتى يدخل مكة وهو متطهر بالبكاء والتضرع إلى الله تعالى، (الإفاضة من عرفة إلى بيت الله)، سئل أمير المؤمنين (ع) أن عرفة خارج مكة فلماذا الله أمر الحجاج أن يفيضوا من عرفة ويرجعوا إلى مكة؟ قال: لأنه أرادهم أن يفدوا عليه متطهرين بالبكاء ومتطهرين بالدعاء، أوقفهم على بابه. سئل: عرفة هي المشعر الوحيد الذي هو خارج حدود الحرم، فقال : حتى لا يدخلوا عليه إلا وهم متطهرين بين الدعاء والتضرع لله تعالى.
ونحن لو قرأنا الأدعية الواردة عن الأئمة عليهم السلام، دعاء زين العابدين (ع) في الصحيفة السجادية، دعاء الإمام الحسين (ع)، لو قرأنا الدعاء رأيناه نصاً في هذا السير الملكوتي لله تعالى.ولو قارنا بين دعاء عرفة ودعاء أبي حمزة الثمالي لرأينا أن هذا تمهيد وذاك ذروة وقمة الوصول لله تعالى.
في مقاطع كثيرة تشير إلى هذه المعاني.
.. يتبع ..