الى رواد المنتدى
بكم أتواصل ، وبكم استمد العطاء ، واليكم أقدم هذه الحلقة الثانية من - تقدّموا يا زوار واحنا وراكم - في قالب قصصي جديد من قوالب الفن الابداعي في القصة ، واتمنى - وأنا ارتبها بين ناظريكم - أن تقضوا معها امتع الأوقات ، كما لا يفوتني أن أشكر المتصفحين وأصحاب الردود على هذه الموّدة .
[ALIGN=CENTER]تقدّموا يازوار واحنا وراكم .. الحلقة الثانية [/ALIGN]
مكاتيب الزوار
بعد الوداع المرير ، وبعد الدموع الغزيرة التي هطلت ، وبعد مرور عدة أيام على السفر المبرور ، والسعي المشكور ، والتجارة التي لن تبور ، التهيت في اللعب مع أندادي ، وضايقت زوجة أخي كثيراً ، حتى أنها اشتكتني عند أخي الكبير مراراً ، بأنني وفي غياب أخي خارج البيت أذهب بالعبث في دراجة ( سيكل ) صديق أخي ومرافقه في العمل ، أفتح قفل الدراجة بالمطرقة ، وأقودها الى ناصية الشارع ، وأدعو الأنداد بمساعدتي في جّرها - لأنها كبيرة المقاس على عمري الصغير - وتستشيط غضباً وتشتكيني عند أخي عندما يطرق الباب عائداً من عمله في حدود الساعة الخامسة عصراً ، وبعد أن يصغي الى الشكاية يقوم بتوبيخي ، وانداري بضربي أن أنا عملت عملاً مخالفاً في المرات القادمة .
في هذا اليوم بالذات ركنت الى بيت خالي ، بعيداً عن مضايقة زوجة أخي ، والتهيت مع اندادي في تقديم النفيعة للبهائم ، وربط البقر في الزرائب بعد تنظيف المكان ، صوت خالي وأوامره التي لا تنتهي لم تترك لنا وقتاً للعب ، قضينا جّل وقتنا في تأدية أوامره ، وقبل المساء ، قبل عودة أخي من عمله ، عدت أدراجي الى البيت .
عاد أخي الى البيت من العمل ، وقدّم لي هدية صغيرة عبارة عن سندويشة ملفوفة بالجلي (المربى ) ، ومغضاة بالخبز الطازج ،أخذتها من يده ورجعت الى مكاني في هدوء تام - لأنني مرتاح الخاطر ، وأعلم جيداً أنني لم اضايق زوجة أخي هذا اليوم - وتابعت أخي بنظراتي الحادة .
جاءت زوجة أخي وقدمت القهوة والشاي الى أخي ورحّبت به أيما ترحيب ، مشى خطوات في الساحة الكبيرة ، وأخذ مكانه من المصطبة التي أذّن عليها والدي يو السفر ، ونقل نظراته في أرجاء البيت المعمور ، وتذكر الحركات التي كان يؤديها والدي قبل السفر ، ويتذكر كلمات أمي ، ونبرات صوت أختي الصغيرة ، وفي لحظة الوجوم جاءت زوجة أخي تفك من - ملفعهاالشفاف - أوراق مطوّية على هيئة مكاتيب ، وهي واقفة بمحاداة زوجها ، مدّت يدها المعروقة وأعطتها أخي ، وبتلهف شديد تتطاولت يد أخي الى الورق الملفوف ، وتحقق النظر واذا هي مكاتيب من العراق .. من العتبات المقدسة .. من والدي العزيز الى أخي الكبير ، أخذها قّبلها ما بين عينيه ،وأدخلها في جيب قميصه وانتحب باكياً .
قام من على المصطبة واستوى في الداخل يبّل ثياب العمل ، ويلبس ثيابه بالزي العربي ، ويستعد للخروج من البيت ليبحث عن من يقراء له المكاتيب - لأن أخي لا يفقه القراءة والكتابة - خرج اخي وقصد على وجه السرعة دكان الحاج عبد الكريم ، الرجل المؤمن ، والخطيب المتفنن ، تابعت خطوات أخي وعرفت أنه دخل دكان الحاج عبدالكريم ، وقفت في الخارج خوفاً من أخي ، بقيت واقفاً في الخارج نصف ساعة والحاج عبد الكريم ينتقل بين المكاتيب ويتفنن في قراءتها .. كتاب لي ، وكتاب الى أخي الأوسط - سلمان - وكتاب ثالث الى أخي الكبير .
سمعت الحاج عبد الكريم يقراء كتاب أخي الكبير .. ويقول
[ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم [/ALIGN]
ولدي النجيب.. عيسى
تحية جميلة جمال روحك ، حارة حرارة شوقي
أنت تعلم ما تنطوي عليه قلوب الأباء للأبناء من محبة ، وما يضمرونه لهم في نفوسهم من ايثار ومعّزة ، ومع ذلك فقد شاء لنا الله العلي القدير أن نترككم ونسافر الى العتبات المقدّسة ، لزيارة أولياء الله الصالحين ، سافرنا عنكم وبنا من فراقكم من الألم أعظم ما يجده والد لبعد وله ، وهو مبعث أنسه ، ومعقد رجائه .
ولم أستطيع أن أصف لكم وجدي الذي زاد حين تلفت حولي فلم أجدكم ، ولا ألمي الذي أشتد حين تصورتكم وحدكم في البيت الكبير ، ونحن هنا في العراق ، في كربلاء تحت قبة الامام الحسين ابن علي (ع) ندعوا لكم بالوصول ونفوسنا راضية عنكم ، ولا ينقصنا سوى وجودكم معنا لنهنأ بهذة الرحلة السعيدة ، أنا وأمكم وأختكم الصغيرة بخير وعافية ، نستلهم الحب والسعادة الأبدية من الأئمة الأطهار (ع) .
حبيبي
لقد بعثت لكم بثلاث رسائل ، لكم ، ولأخوتك ، ورجائي أن تصلكم هذه الرسائل وأنتم في غاية الصحة والسعادة ، وتحملوا بروحكم ، ولاتنسون تسلمون على الجيران ، واحد ، واحد ، وكذلك قارىء المكاتيب ، وتحملوا بالغنم ، والحمارة المربوطه في الخارج ، وسلموا على الأهل كلهم .
[ALIGN=CENTER]وأني لأرجو الله أن يمتعني برؤيتكم ، وأن يحفظكم من كل سوء[/ALIGN]
والدكم المسافر الى العتبات المقدّسه
الحاج عبد الكريم يقراء الكتاب وأخي الكبير ينتحب باكياً كلما مرّت عليه نبرات والدي ، قدّموا له الماء ولكنه يواصل البكاء ، وبعد أن فرغ الحاج عبد الكريم من قراءة المكاتيب أخذها أخي ووضعها في جيب ثوبه وعاد ادراجه الى البيت فرحاً ، مشمراً عن ساعديه ، تتحرك الأرض من تحت رجليه وهو لا يحس بها ، دخل البيت ينادي على زوجته ليلعلمها بالخبر السعيد .
هذا نمودج واحد من نمادج الرسائل - أو المكاتيب التي تصل من الزوار - وهم في العتبات المقدسة ، ولي لقاء أخر في حلقة جديدة من العتبات المقدسة لتكملة مشوار الرسائل أو المكاتيب كما يقولون .. ولقائي معكم يتجدد
المعتوق