الفرار من الموت
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من عد غدا من اَجله فقد أساء صحبة الموت.
الشرح:
لا ينبغي للانسان اَن يرى الغد جزءا من عمره و ذلك لأن الامل بهذا اليوم يعنى عدم الارتياح للموت; الامر الذي يدعوا اِلى الغفلة في الحياة الدنيوية.و لا شك ان النظرة اِلى الموت لم مميزات الموحدين التي تفصلهم عن الماديين. فالموحدون يرون في الموت بداية لحياة أخرى و هي ليست اكثر من اِنتقال من منزل اِلى آخر يخلصون فيه من هذه القيود و الاغلال اِلى حياة أوسع و اَشمل، بينما يرى الماديون في الموت نهاية كل شىء و من هنا فانهم حريصون على الحياة ليسوا مستعدين للتضحية فيها، و لا يرى الموحدون في هذه التضحية سوى المتعة و اللذة فيؤثرونها أملا في كسب الاخرة و الفوز برضوانها و من هنا نقف على مدى الدور الذي يلعبه الايمان بالمعاد في تكامل شخصية الانسان، فليس هنالن من عنصر يعدله في التأثير على مسيرة الانسان، و لذلك كانت دعوة الانبياء قد كرست لمثل هذا الهدف في الايمان بالمعاد و الحياة الاخروية. و لعلكم سمعتم ذلك الفرد الذي صرح بان آية الله السيد البروجردي قد اَمن بالمعاد، فمثل هذا الكلام قد يبدو مضحكا للوهلة الاولى، فهل هناك من مسلم لا يؤمن بالمعاد، الا ان الذي اَراده ذلك الفرد هو اَن السيد آمن بكل جوارحه بالمعاد بحيث لم يكن يعمل سوى ما يمليه عليه ذلك الايمان.
هنالك عدة أمور مهمة بشأن القيامة، و من هنا لابد من التطرق اِليها في المحاضرات و تسطيرها في المقالات و الكتب و المصنفات، فالمسلم الذي يؤمن بالمعتقدات الدينية و يرى الدنيا قنطرة اِلى الاخرة لابد أن يستند في بنائه لنفسه على مسئلة المعاد. و لعل أحد أسباب قولنا في اليوم و الليلة عشرة مرات «مالك يوم الدين» هو عدم نسيان القيامة (يوم الدين); فاذا لم نفس ذلك عشنا اليقظة في كل المجالات.
ما اريد اَن اَقوله اَن هناك الكثير ممن يعيشون الدين على مستوى العقيدة و الفكر الا انهم ماديون في تعاملهم مع الاخرة، و بعبارة أخرى يؤمنون بالمبدأ و المعاد. الا انهم يخشون الموت على مستوى العمل، و كأنهم يرون الموت
خاتمة كل شىء، حقاران هذا التضاد بين العقيدة و العمل فاجعة كبرى. فاننا لا نعيش الايثار و القيم اِذا لم نؤمن عمليا بيوم القيامة، اننا لنثيت بانا لا نؤمن بما صرحت به الاية القرآنية الكريمة «و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله اَمواتا بل اَحياء عند ربهم يرزقون» و لا عجب فقد اَخلدنا اِلى الارض و حكمنا أهوائنا حتى غفلنا عن القيامة. و على ضوء الحديث فان من يؤمن بالقيامة انما يكون دائم الاستعداد للرحيل، فلا يرى الغد من عمره، بل بالعكس يتوقع رحيله غدا، و من هنا فقد أشدد حيازيمه للموت. لقد جاء في بعضى الايات القرآنية ان الانسان سأل الله العودة يوم القيامة اَو حين معالجته لسكرات الموت «حتى اِذا جاء اَحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلي اَعمل صالحاً فيما تركت كلا اِنها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ الى يوم يبعثون». و قد اَجاب القرآن على كل هذه المورد بقول «كلا» فقانون التكامل يسمح بالعودة، اَفيمكن للجنين ان يعود اِلى رحم أمه بعد الاولادة! يستحيل هذا من وجهة نظر السير التكاملي البشري سواء ولد الجنين ناقص اَم كامل، فاذا كان الامر كذلك، اَفلا ينبغي التأمل و اِعادة النظر؟ اَفلا ينبغي لنا الدقة و اجالة الفكر في ذلك الأمر؟ و من هنا لابدلنا من التفكير في المعاد، و الا يمر علينا وقت شى فيه ذكر الموت و نغفل فيه عن المعاد، فاذا فكرنا و عشنا هذا التفكير على مستوى العمل، ملئت روحنا بالنور و الهدى.