الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
سيداتي وسادتي
وأنا أتصفح منتداكم - هذا المنتدى الطيب - الذي جمعني بكم أكثر من مرة ، وأجبرتني - وأنا أتصفح هذه المّرة - كلمات الأخوة والأخوات ، الطيبون والطيبات ، لما لها من سرد طيب ، ووصف جميل ، وبعد تمّعن شديد قلت في نفسي لابد وأن اشارككم بقصة من واقعي تكون في محل القبول ، أعددتها لكم على حلقات .
زيارة العتبات المقدّسة .. الحلقة الأولى
زقزقت العصافير على شجرة التين المورفة الظلال في باحة بيتنا ، وهّبت رياح ( البارح ) التي تنعش الجسد في ذلك اليوم الجميل الذي حمل فيه والدي خبر زيارته الى العتبات المقدسة في العراق ، ولكنني لا أفقه ما يقصد من معنى العتبات ، مجرد كلمات عابرة سمعتها من لهجات أمي ، ولم يخطر ببالي أن أسأل ، دخل والدي الدار وهو يحمل بين ابطيه ربطات من القماش الملّون ، ومفارش ، وأردية ، وصناديق مزرقشة صنعت من ( التنك )، وأسّر في اذن والدتي وتحّرك الى الداخل ، سمعت من همهمات الّسر بأن السفر قريب .. قريب جداً ، تحركت من مكاني وخطوت خطوات قصيرة ، ووقفت بمحاداة أمي وسألتها .. ماذا يقصد والدي بمعنى السفر ؟ والى أين ؟ وماهي العتبات ؟ استبشرت والدتي بذكائي ورمقتني بنظرات فيها رحمة وأطالت النظر ، ودمعت عيناها ، مدّت يدها الى يدي الصغيرة وأجلستني بجانبها وربتت على ظهري وأجابت .. نحن يا ولدي عازمون بتوفيق من الله على زيارة أبي عبدالله الحسين (ع) في العراق وهذا مايسمى بمعنى السفر .. والعتبات يا ولدي هي مراقد الأولياء من الأئمة الأطهار ( ع) مرقد الحسين أبن علي , وأخيه أبي الفضل العباس ، والأنصار عليهم السلام - في كربلاء - ومرقد الامام علي أبن أبي طالب(ع) في النجف الأشرف ، ومراقد الأئمة الأطهار (ع) في بغداد وسامراء ، واختنقت بالعبرة مرة أخرى ولم أسألها عن السبب ، ولكنها أجابت على الفور .. أنك لست مكتوب معنا يا ولدي .. وزاد زفيرها ونحيبها ، وسمعها والدي الذي يجّهز أدوات السفر في الداخل ، وأطّل من نافدة الدار وقال .. ماتقدرين اتصبرين .. عّلمتينه هاه !!! قالت وهي تواصل نحيبها .. ايه .. ما قدرت أصبر .. ويش أسوي .. كسر خاطري !! تسّمر في النافدة وأخذ نفساً عميقاً وقال .. ايه .. ما عليه .. الله يصّبرنا .. وواصل عمله في تجهيز الأدوات .
تحدد اليوم ، والوقت ، والساعة ، وجاء الجيران يودعون والدي ووالدتي وأختي الصغيرة - وعرفت نفسي أنني لست معهم في السفر - لقد تركوني في عٍهدة أخي الكبير وزوجته ، وتجمع الناس وتكاثروا في الباحة الكبيرة عند شجرة التين المورفة الظلال ، وقبل أن يخرجوا الحقائب ، والصناديق ، والمفارش ، وأدوات السفر ، بحث والدي عن المصطبة الكبيرة التي تتوسط الباحة ورقى عليها ووجّه وجهه جهة القبلة ، ووضع كلتا يديه تحت أذنيه ورفع صوته بالأذان .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. أشهد أن لا اله الا الله .. أشهد أن لا اله الا الله .. أشهد أن محمداً رسول الله .. أشهد أن محمداً رسول الله .. أشهد أن علياً ولي الله .. أشهد أن علياً حجة الله .. حي على الصلاة ..حي على الصلاة .. حي على الفلاح .. حي على الفلاح .. حي على خير العمل .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا اله الا الله .. لا اله الا الله . . انه أذان الوداع .. وتباكى الجميع - من رهبة الموقف - بمن فيهم والدي ووالدتي وأخوتي وزوجة أخي ، ونزل والدي عن المصطبة وتلاقفته الأيادي بالوداع والدموع استعصت ان تبقى في المآقي ، هّزني الموقف ، وتسارعت دموعي واحتطنت أختي الصغيرة واعتصرتها وبكيت بدون تكليف لأني لا افقه شيئاً .. وتساءلت بيني وبين نفسي .. لماذا هذا البكاء ؟ .. وهذا الأذان ؟ وهذا الكم من التجمهر الغفير في باحة بيتنا ؟ ولم يخطر ببالي أن أسأل !! وتحركوا في البيت خطوات وتبعتهم زوجة أخي تجمع رمل الخطوات في خرقة صغيرة ، وربطتها ، وعّلقتها على باب البيت الخارجي ، وسافروا الى العتبات المقدسة .
ولي متابعة شّيقة معكم في الحلقة الثانية من - زيارة العتبات - .
المعتوق