بسمه تعالى
الأخوة الأعزاء مشاركتي في هذا الموضوع تنقسم الى قسمين, القسم الاول مقدمة للتعرف على الأمراض الوراثية والقسم الثاني بعض التساؤولات الشرعية حول ذات الموضوع والاجوبة عليها, قد يكون التعقيب طويل نوعا ما ولكنه في نظري من الأهمية بمكان أن نتعرف عليه...
الامراض الوراثية المنتقلة عبر جين واحد من كلا الابوين وهو المرض المتنحي, او من احدالابوين وهو المرض السائد، كما ان هناك الطفرات الوراثية في تركيب الجين الذي يتحول الجين بسببها من الوضع السليم الى الوضع المعيب.
المرض الوراثي المتنحي(كالأنيميا):
هل ينتقل المرض الوراثي المتنحي من الانسان الذي يحمل جينا مريضا الى ذريته؟
اذا كان الانسان يحمل جينا مريضا فهو يورثه لابنائه، ولكن لايظهر المرض الا اذا كانت الزوجة حاملة لنفس هذا الجين المريض وتكون نسبة ظهور المرض المتنحي في الذرية على المستوى السكاني واحدا في الاربعة والا فان الابن الوارث للجينالمريض يكون حاملا للمرض فقط وليس مريضا.
هذا النوع من الأمراض عادة ما يكشف عن طريق فحص الدم, لذا فان اجراء الفحص قبل الزواج لمعرفة الحاملين للجينات المريضة في الزوج والزوجة وتقديم النصح لهم امر قد يكون مالوفا في كثير من البلدان للتخلص من المرض المحتمل الذي يصيب الذرية.
المرض الوراثي السائد(كضغط الدم):
وهو المرض الذي ينتقل من احد الوالدين فقط الى الذرية بينما يكون الاخرسليما، وعلى هذا فاذا تزوج شخص بزوجة وكان فيه هذا المرض السائد دونها فان نصف الذرية سيصاب بهذا المرض، واما اذاكانت الزوجة مصابة ايضا بنفس مرض الزوج السائد فان الذرية كلها ستصاب بهذا المرض.
ولهذا فان الفحص للجينات في الاجنة والاطفال والبالغين بل ومن يريد الزواج امر من الاهمية بمكان، لاخذ الحيطة والحذر منالزواج بفرد تؤدي نتيجته الى احتمال مرض الذرية او القطع بمرض قسم منها.
ولكن مما يحجم دور الفحص الطبي قبل الزواج هو ماذكرته المجلة العلمية الامريكية((Scientific - American)) الصادرة في (يونيو 1994 م) من ان (80%) من الاجنة المصابة بالامراض المتنحية لاتنتج بسبب الوراثة من الابوين وانمابسبب طفرات جينية تحدث في البيضة او الحيوان المنوي او البييضة الملقحة. ونتيجة لذلك، فان السياسة الصحيحةللتخلص من الامراض هي فحص جميع النساء الحوامل وجميع اجنتهن لمعرفة الجين المصاب.
هناك عدة تساؤولات شرعية حول ما تقدم من معلومات منها:
ومن كل ما تقدم تحدث لنا بعض التساؤلات التي تحتاج الى اجابات شرعية، وخلاصة الاسئلة هي:
السؤال الاول:
يقول علماء الطب: ان امراضا وراثية خطيرة قد تصيب الذرية بنسبة واحد الى الاربعة اذا كان ابواهما سالمينولكنهما يحملان جينا معينا معطوبا، فهل يجوز او يجب فحص الجينات الذي يكشف وجود الجين المعطوب عند الزوجوالزوجة معا لاعلامهما ذلك، خصوصا مع قول الاطباء:بان المرض قد ينتج من تفاعل بين الوراثة والبيئة، وان العامل الوراثيمسؤول عن (30 %) تقريبا عن حدوث المرض، بينما التفاعلات البيئية هي المسؤولة الاكبر؟
والجواب على هذا السؤال واضح اذا كان الفحص عن الجين المعطوب لايتوقف على عمل محرم، فانه عمل جائز لايشوبه اشكال.
وانما الاشكال في صورة توقف هذا الفحص على عمل محرم بعنوانه الاولي، فهل الفحص في هذه الصورة يكونجائزا؟
والجواب ايضا بالايجاب والجواز في صورة التماثل ما دامت الحاجة موجودة عند الطرفين للتعرف على الجين المعطوب لاصدار القرار من قبل الزوجين بالزواج او عدمه، او اصدار القرار بالزواج مقيدا بعدم الانجاب في صورة وجود الجينالمعطوب، وهذه الحاجة هي التي جوزت هذا الفحص رغم وجود محرم لولا هذه الحاجة، والدليل على هذا الجواز هو ان ادلة حرمة النظر الى ما يحرم على الانسان النظر اليه منصرفة عن صورة وجود حاجة الى النظر، لذا نرى ان بعض نصوص السنة قد اجازت للنساء النظر الى عورات نساء اخريات لمجرد وجود حاجة الى النظر وكشف الامر، فالحرمة الموجودة منصرفة عنهذه الصورة التي يوجد معها حاجة الى معرفة الجين المريض عند الطرفين ليترتب عليه امر معين، ولكن الجواز كما تقدم آمختص بصورة التماثل بين الكاشف والمكشوف عليه.
هذا، بالاضافة الى وجود الدعوة في الشريعة الاسلامية لتخير الزوج زوجته لانه المبادر والبادى بالرغبة في الزواج، فقد جاءفي الحديث ((تخيروا لنطفكم فان العرق دساس)) ، وورد ((تزوجوا في الحجز الصالح فان العرق دساس))، وورد((تخيروا لنطفكم فانكحوا الاكفاء وانكحوا اليهم)), وورد ((تخيروا المراة الصالحة السوية))، وهو ما عبر عنه بالعرق.
وهذا التخيير الذي امرنا الشارع به يشمل الصفات الاخلاقية والخلقية والصحية، والصفات الخلقية والصحية لا تتبين الابالفحص قبل الزواج الذي فيه تشخيص المرض الوراثي وما يمكن ان يعالج به.
وعلى هذا يمكن ان يكون الفحص الجيني قبل الزواج هو من باب مبدا الوقاية من الامراض وتجنب اسباب الاضرار بالبدنوسلامة نشاة الانسان، كما يمكن ان يكون تجنبا لاسباب انتقال العدوى، اذ اقتران زوجين مهياين للمرض لكمون المرض فيجين كل منهما هو عدوى منهي عنها بقوله(ص): ((لايوردن ممرض على مصح))، وقوله(ص): ((لاعدوى ولا طيرة ولاهامة، وفر من المجذوم فرارك من الاسد)) .
ومعنى ((لا عدوى)) هو ان لايعد بعضكم بعضا. لهذا كله فان الفحص قبل الزواج مشروع شرعا لما تقدم.
السؤال الثاني:
واذا لم يمنع الفحص قبل الزواج الخطيب والخطيبة من الزواج وترك الزواج لارادتهما، وكانت رغبتهما فيه اكيدة وتزوجا، فهليحل فحص الجينوم اثناء الحمل حيث يمكن اجراء فحص مايسمى بالزغابات المشيمية في الاسبوع السابع او الثامن من بدءالحمل ليعرف ان الجنين مصاب بهذا المرض ام لا؟
والجواب:
ان هذا الفحص لا اثر له في الحالات الاعتيادية، لانه اذا كان المراد منه هو اسقاط الجنين بعد التعرف على مرضه فهوامر غير جائز عند الامامية، فقد وردت السنة عن طريق اهل البيت(ع) المانعة عن اسقاط الجنين بعد انعقاده ولو كان في ايامهالاولى، حيث قال السائل للامام(ع): انه نطفة، فقال الامام(ع): ((ان اول نشوء الانسان نطفة)). ففي معتبرة اسحاق بن عمار قال:((قلت لابي الحسن (الامام الكاظم(ع)): المراة تخاف الحبل، فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها؟ قال(ع): لا، فقلت: انما هو نطفة،فقال(ع): ان اول مايخلق نطفة)).
بالاضافة الى امكان استفادة الحرمة ايضا من الروايات الكثيرة الواردة في وجوب الدية على من اسقط النطفة الملقحة، فمنتلك الروايات صحيحة محمد ابن مسلم قال: ((سالت ابا جعفر (الامام الباقر(ع)) عن الرجل يضرب المراة فتطرح النطفة؟ فقال(ع):عليه عشرون دينارا، قلت: يضربها فتطرح العلقة؟ قال: عليه اربعون دينارا...)).
نعم اذا كان المراد من هذا الفحص للجنين التعرف على مرضه لاجل العلاج فهو امر جائز وان توقف على محرم لولا الحاجة الىمعرفة المرض وترتيب العلاج له، لانه تقدم ان ادلة حرمة النظر الى الجنس المخالف منصرفة عن صورة وجود حاجة الىالنظر كمعرفة المرض لاعطاء العلاج للجنس المخالف او للحمل ما دام عنوان الحاجة الى معرفة المرض وعلاجهموجودا
السؤال الثالث:
وهل يجوز افشاء سر المريض في حالة وجود جين مريض عنده، عندما يعلم بارادته الزواج من فتاة تحملنفس الجين المريض؟ وهل يجوز افشاء سر قبيلة تحمل جينا مريضا، او مجتمعا يحمل جينا مريضا، فيوصى بعدم الزواج منهذه القبيلة او ذاك المجتمع، لان زواجهم سيؤدي الى ايجاد نسل مريض يضر المجتمع الانساني؟
والجواب:
هو ان حرمة الغيبة او كشف السر قد لوحظ فيها حق الفرد او المجتمع، وهذا الحق هنا قد صادمه حق آخر فيما اذاكانت النتائج الضارة نتيجة عدم كشف السر تعتبر تعديا على حق الفرد او المجتمع، وحينئذ قد يقال بان ادلة حرمة الغيبةمنصرفة عن هذه الصورة التي يكون عدم الغيبة تعديا على حق الفرد او المجتمع، او نقول بوجود التزاحم بين الحقين فيقدمالاهم منهما، فان كان حق الفرد في النصيحة اهم عقلائيا من حق الفرد المغتاب فتجوز النصيحة او تجب ولا تحرم الغيبةحينئذ.
وهذا كله يقدره الطبيب، فيستطيع ان يعرف اهمية الغيبة من النصيحة او العكس.
بينما الجواب الاول يجعل كشف السر (الغيبة) في هذه الصورة جائزا مطلقا.
السؤال الرابع:
ان الشخص الذي لديه الجين المصاب من كلا الابوين وثبت انه مريض بالفعل مرضا وراثيا كمرض المنجلية فان وصل الى مرحلة الشباب واراد الزواج فهل يجوز له ان يخفي هذا المرض ويتزوج بامراة غيرمريضة؟ وهنا طبعا ستكون الذرية نصفها مريضا بهذا المرض.
والجواب:
ان الاقدام على الزواج من قبل الزوج بامراة صحيحة من دون اخبارها بمرضه الذي يؤدي الى كون الذرية نصفهامريضا يعد تغريرا محرما، ولاجل رفع هذا التغرير المحرم لابد له من مكاشفتها الامر، فان وافقت على الزواج فهو عمل جائز بلا اشكال، اذ لاتغرير في الامر.
السؤال الخامس:
واذا لم يكن زواج المريض بالفعل من امراة صحيحة جائزا لانه تغرير محرم، فهل يجوز للشخص المريضبالفعل ان يبحث عن امراة مصابة بنفس مرضه ليتزوج بها، في حين ان الذرية ستكون كلها مصابة بهذا المرض؟
والجواب:
ان عملية الزواج هذه بالنسبة الى الزوجين لم تشتمل على غرر اصلا.
ولكن هذا الزواج ان علمنا انه يجر الى حصول الذرية التي كلها مصابة بالمرض فهل يكون جائزا؟
والجواب:
ان ادلة حرمة ادخال الاذى وتسبيبه للغير تشمل هذه الصورة، فان الزوج والزوجة كلاهما عالمان بان الزواج هذا آفي صورة الانجاب سيؤدي حتما الى ايجاد ذرية عليلة (مريضة)، والمرض نوع اذى سببه الزوجان على الذرية، فان فهمنااطلاق حرمة الاذى الذي يسببه الزوجان لذريتهما التي تاتي فيما بعد فيكون انجاب الذرية لهما حراما، ولذا ان قرر الزوجان المريضان الزواج بدون انجاب الذرية فهو عمل جائز بلا اشكال، ويبقى الاشكال في صورة الزواج منهما الذي يجر الىالانجاب.
ملاحظة: منقول بتصرف عن الاستاذ الشيخ حسن الجواهري
تحياتي