الأخ العزيز milan969
لابد أخذ نبذة موجزة عن الواقفية وما تذرعوا به من إجل التغطية على طموحاتهم المادية ، قبل البدء في الإجابة على ما ذكرتم ، لأن الإجابة على السؤال تتوقف على الإحاطة بهذه المقدمة :
من هم الواقفة أو الواقفية:
الواقفة الذين وقفوا على موسى بن جعفر عليه السلام ، وهم فرق كثيرة : فمنهم من قال : بأنه حي لم يمت ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ، ويملأها كلها عدلا كما ملئت جورا ، وأنه القائم . ومنهم من قال : إنه القائم وقد مات ، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع ، وزعموا أنه قد رجع بعد موته إلا أنه مختف في موضع من المواضع . ومنهم من قال : إنه القائم وقد مات ويرجع وقت قيامه . وأنكر بعضهم قتله وقال : مات ورفعه الله إليه وانه يرده عند قيامه .
وتسمى هذه الفرقة أيضا ( الممطورة ) أو ( الكلاب الممطورة ) .
وأول من ابتدع فكرة الوقف وأظهر الاعتقاد بها وروج لها بين أوساط الشيعة بعض الكبار من أصحاب الإمام موسى ابن جعفر ( عليه السلام ) ، كعلي بن أبي حمزة البطائني ، وزياد بن مروان القندي ، وعثمان بن عيسى الرواسي ، ويعتبر هؤلاء الثلاثة أول من ابتدع هذا المذهب ، وأظهر الاعتقاد به ، والدعوة إليه .
دوافع النشأة :
ولم تكن هذه الفرقة الضالة ناشئة عن محض اعتقاد واقتناع بواقعيتها ، بل هي رغبات مادية وعوامل دنيوية أثرت في نفوس معتنقيها ، فانحرفت بهم إلى هذا الطريق . والمتطلع في الروايات والتأريخ وكتب الرجال يلمس أن أبرز الدوافع في نشوء هذه الشبهة والترويج لها هو أن قوام الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( عليه السلام ) وخزنة أمواله التي تجبى له من شيعته ، طمعوا فيما كان بأيديهم من الحقوق الشرعية والأخماس ، ولقد اجتمع عند هؤلاء أموال طائلة خلال الشطر الأخير من حياة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) عندما كان يرزح تحت وطأة سجون الظالمين ، ولما استشهد الإمام الكاظم ( عليه السلام ) في السجن بالسم ، طالبهم الإمام الرضا ( عليه السلام ) بما عندهم من الأموال ، فغررت بهم الدنيا ، وأنكروا موت أبيه ( عليه السلام ) ، ولقد كان عند علي بن أبي حمزة البطائني ثلاثون ألف دينار ، وعند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار ، وعند عثمان بن عيسى الرواسي ثلاثون ألف دينار وست جوار ، وعند أحمد بن أبي بشر السراج عشرة آلاف دينار ، فنازعتهم نفوسهم وأطماعهم في تسليم هذه الأموال للإمام الرضا ( عليه السلام ) ، متحيلين لذلك بإنكار موت الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، مدعين أنه حي يرزق ، وأنهم لم يسلموا من هذه الأموال شيئا حتى يرجع فيسلموها له ، وذلك لأجل التمويه على العامة ، ولتمرير جشعهم وطمعهم عبر طريق صحيح حسب اعتقادهم ، والحقيقة أنهم ابتعدوا عن جادة الهدى وهووا في قرار الجحيم .
وقد غرر هؤلاء بصفوة بريئة من أصحاب الإمام ، وألقوا عليهم الشبهة ، فأذعنوا لهم ، ودانوا بما قالوا ، ولكنهم سرعان ما عادوا إلى الاعتراف بإمامة الرضا ( عليه السلام ) ، والانحراف عن مذهب الوقف ، وقد استغرقت هذه الفرقة ردحا طويلا من المنازعات والخلافات إلى أن انقرضت ولم يبق لها أثر .
بعد هذه المقدمة نأتي إلى ما أردتم من إجابة على السؤال :
لقد تذرع هؤلاء الواقفة في اعتناق هذه الفكرة بأخبار رووها عن الإمام ( عليه السلام ) ولكنهم جهلوا محتواها ، وانغلق عليهم فهمها ، مفادها أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) هو القائم بهذا الأمر ، ومن أخبر بموته فلا تصدقوه ، وأنه يغيب كغيبة يونس ( عليه السلام ) ، أو كغيبة موسى ( عليه السلام ) . واحتجوا قبل ولادة الإمام الجواد ( عليه السلام ) بحديث الصادق ( عليه السلام ) : أن الإمام لا يكون عقيما ، وقالوا للإمام الرضا ( عليه السلام ) : كيف تكون إماما وليس لك ولد ؟ ! ولعل بعض هذه الأخبار والشبهات التي تمسكوا بها هي من موضوعات الواقفة ومفترياتهم لتبرير فكرتهم ، وترسيخ مذهبهم الذي ابتدعوه في أذهان العامة .
على أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) قد بين في حياته المفاد الواقعي لبعض هذه الأخبار بقوله : " ما من إمام يكون قائما في أمة إلا وهو قائمهم ، فإذا مضى فالذي يليه هو القائم والحجة حتى يغيب عنهم ، فكلنا قائم " .
كما أكد بالنص على ولده الرضا ( عليه السلام ) بأحاديث صحاح لا مجال للشك فيها ، وقد جاء بعض هذه النصوص برواية دعاة الوقف وأقطابه الذين أنكروا على الإمام الرضا ( عليه السلام ) إمامته ، حيث كانوا قبل الوقف من ثقات أبيه ( عليه السلام ) ، وهذا مما يزيد في إبلاغ الحجة عليهم .
وبين الإمام الرضا ( عليه السلام ) كذلك خطأ فهمهم لمضامين الأحاديث التي تمسكوا بها ، وفسر لهم المضمون الصحيح لها ، وأنها على خلاف ما بنى عليه دعاة الوقف ، فألزمهم الحجة في كذب ما تأولوه .
وإليك الروايات التي احتجوا بها :
1) أن قوما من اليهود قالوا للصادق عليه السلام : أي معجز يدل على نبوة محمد ؟ قال : كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين مع ما أعطي من الحلال والحرام وغيرهما مما لو ذكرناه لطالت . فقال اليهود : وكيف لنا بأن نعلم أن هذا كما وصفت ؟ فقال لهم موسى بن جعفر عليه السلام - وهو صبي وكان حاضرا : وكيف لنا بأن نعلم ما تذكرون من آيات موسى أنها على ما تصفون ؟ قالوا : علمنا ذلك بنقل الصادقين . قال لهم موسى بن جعفر عليه السلام : فاعلموا صدق ما أنبأكم به بخبر طفل لقنه الله من غير تعليم ، ولامعرفة عن الناقلين . فقالوا : نشهد أن لاإله إلاالله ، وأن محمدا رسول الله ، وأنكم الائمة الهادية والحجج من عند الله على خلقه . فوثب أبو عبد الله عليه السلام فقبل بين عيني موسى بن جعفر عليه السلام ثم قال : أنت القائم من بعدي .
( فلهذا قالت الواقفية : إن موسى بن جعفر عليه السلام حي وأنه القائم ) ثم كساهم أبو عبد الله عليه السلام ووهب لهم ، وانصرفوا مسلمين .
ولاشبهة في ذلك لان كل إمام يكون قائما بعد أبيه ، فأما القائم الذي يملا الارض عدلا فهو المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام .
2) احتجوا بما رووا أن الصادق عليه السلام دخل على أم موسى وقت ولادته ، وقال لها : بخ بخ حل الملك في بيتك ، قلنا : إذا سلم الخبر لم يدل حلول الملك على الإمامة إذ هو أعم من الإمامة ، ولو سلم أنه الإمام فمن أين لهم أنه القائم بالسيف إذ من الجائز أن يكون هو القائم بأمر أبيه فلا مهدوية له .
وإليك بعض النصوص والدلائل التي تشير إلى إنذار الأئمة ( عليهم السلام ) لشيعتهم وتحذيرهم من هذه الفتنة وغيرها :
1- قال الشيخ الطوسي : عن ابن سنان ، قال : دخلت على أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) قبل أن يقدم العراق بسنة ، وعلي ابنه جالس بين يديه فنظر إلي وقال : يا محمد سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع لذلك ، قلت : ما يكون جعلني الله فداك فقد أقلقتني ؟ قال ( عليه السلام ) : أصير إلى هذا الطاغية ( أي المنصور ) أما أنه لا يبدأني منه سوء ومن الذين يكون بعده قال : قلت : وما يكون جعلني الله فداك ، قال : ( ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) قال : قلت : وما ذاك جعلني الله فداك ؟ قال : من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) إمامته وجحده حقه بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال : قلت : والله لئن مد الله لي العمر لأسلمن له حقه ولأقرن بإمامته .
2- وورد في العيون حديث آخر عن ربيع بن عبد الرحمن ، قال : كان والله موسى بن جعفر ( عليه السلام ) من المتوسمين ، يعلم من يقف عليه بعد موته ويجحد الإمام بعد إمامته ، فكان يكظم غيظه عليهم ، ولا يبدي لهم ما يعرفه منهم فسمي الكاظم لذلك .
وغيرها من الأحاديث الدالة على توسمهم الانحراف في بعض أصحابهم وشيعتهم . الروايات التي وردت عن الأئمة ( عليهم السلام ) في الواقفة كانت كثيرة جدا . وكانت دالة على معرفة الأئمة ( عليهم السلام ) خطورة هذه الحركة الانقلابية في تاريخ الشيعة والتي أرادت أن تشوه معالم التشريع ، ومع ذلك فقد تركت أثرا بالغا في الروايات لولا أن انبرى علماء الشيعة لتصفية غثها من سمينها .
وخلاصة القول : إن نشوء هذه الفكرة وانطلاؤها على أذهان كثير من شيعة الإمام ( عليه السلام ) يعد من العوامل الهدامة الخطيرة في ذلك الوقت ، التي لا بد من التصدي لها بكافة الوسائل المتاحة . والشئ الآخر أن نشوء هذه الفكرة لم يكن عن اعتقاد واقتناع بواقعية وأصالة مبادئها ، بل كان لمجرد رغبات مادية وعوامل دنيوية انحرفت بأصحابها عن الطريق المستقيم .
نتمنى أن نكون قد وفقنا في الرد على استفساراتكم ولا تنسونا من دعائكم .