بسم الله الرحمن الرحيم..
أعزائي أضع بين أيديكم شرح دعاء كميل بن زياد رضوان الله عليه
الذي علمه إياه مولانا أمير المؤمنين وإمام المتقين الأمام علي سلام الله عليه..
بعض الأمور المتعلقة بجمل الدعاء
الآيات الكريمة التي أخذت منها جمل هذا الدعاء وهى:
{.. رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا ..ً} سورة غافر الآية٧.
{.. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ..} سورة الأعراف الآية ١٥٦.
{ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة الحج الآية ٧٤.
{.. سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} سورة الزمر الآية ٤.
{.. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ..} سورة يوسف الآية ٢١.
{.. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ..} سورة فاطر الآية ٤٤.
{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا..} سورة يونس الآية ٦٥.
{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} سورة الشورى الآية ٤.
{.. ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} سورة الزمر الآية ٦.
{.. كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ..} سورة القصص الآية ٨٨.
{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} سورة الرحمن الآية ٢٦و٢٧.
{.. أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى..} سورة الإسراء الآية ١١٠.
{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُمَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّيَعْلَمُهَا وَلاحَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَيَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} سورة الأنعام الآية ٥٩.
{.. يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِيالْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَايَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَاتَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} سورة الحــــديد الآية ٤-٥ .
{.. وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَمِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَمِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} سورة يونس الآية ٦١.
{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..} سورة النور الآية ٣٥.
{ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا..} سورة الزمر الآية ٦٩.
ومما يذكر هنا:
إن الألفاظ والأسماء الحسنى التي وردت في القرآن الكريم، وكذلك في الأدعية لاتكشف لنا عن كنه الإله وعظيم صفاته الربوبية بشكل تام؛ لأن جلال وعظمة الخالق أكبر وأعلى من أن تخطر على بال إنسان، وكل مخلوق يفكّر بصفات الإله بقدر ذهنيته الناقصة، ولا يمكن لأحد من البشر أن يصل الى حقيقة أمر الله تعالى، بل كل يذكر الله بحسب فهمه وإدراكه.
فإذا ذكرنا ألفاظ الرحمة والقدرة الإلهية؛ فلأنه مقدار فهمنا لهذه الألفاظ بهذا الحد. وإلا فإن حقيقة وجود الخالق أعظم من ذلك بكثير.
فمثلاً نقول: وجه الله؛ فالبعض يفسره على أنه الوجه المتعارف عليه كَوَجه، والبعض الآخر يفسره بعلو مقامه سبحانه؛ ولكن حقيقة الأمر أكبر من هذا كله، ولكن بسبب قصوّر أفكارنا فإنا نعبّر عنه بالوجه ونؤوله تأويلاً.
وهكذا شأن سائر الألفاظ التي تُطلق على ذات الإله؛ فإنها أُطلقت بمعناها الحقيقي والمراد بها أكبر من المعاني الحقيقية التي يفهمها البشر، ولما كان ذهن البشر لايتعدى أكثر من هذا، وعليه تستعمل هذه الألفاظ على إنها بمعناها الحقيقي.
فكل حسب تصوره؛ فالنملة تتصوّر أن لخالقها لامستين كاللتين عندها.
والنتيجة التي تُستخلص من جمل الدعاء والتي اقتبست من آيات القرآن الكريم؛ هي بطلان جميع الأديان والمذاهب ما عدا مذهب أهل البيت عليهم السلام في التوحيد، والدليل الساطع والبرهان القاطع يؤيدان ذلك؛ ففي جمل الدعاء إشارة الى أن الرحمة الإلهية، والعلم الإلهي، والقدرة الإلهية، والقوّة الإلهية؛ محيطة ومتسلطة على كل شيء، ولا يخرج أي شيء عن علم الله وقدرته وتدبيره مهما كان صغيراً أو كبيراً، وهذا الدليل يرد ردّاً قاطعاً أقوال البراهمة والبوذيين واليهود والنصارى والغلاة الشيخيّة والبهائيّة والأشاعرة؛ لأن مذاهب كل هؤلاء تُبنى أساساً على أنه سبحانه محاط ومنحصر في (براهما) (وبوذا) (وأغا خان)!! وأنه يحلّ في السحاب وفي النار أو في النبي عيسى عليه السلام، أو في رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو في علي عليه السلام، أو في مخلوقات أخرى، أو أنه يُرى في جهة معيّنه.
أما الشيخية فإنهم يقولون: بأن الله تعالى ليس له قدرة، ولا علم بالحوادث؛ إنما هو مصدر لنور منه، وهو نور (الحقيقة المحمدية) و (الركن الرابع) وهذا النور هو، القادر، وهو الخالق، وهو رازق العالم، وأنه تعالى عار عن هذه الصفات!.
وكل هذه الأباطيل بدع ابتدعوها وهي مخالفة للقرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة، ولهذا الدعاء أيضاً. وإنهم يعتقدون بأن الله سبحانه يصدر منه شيء واحد، وأنه ليس له علم بالجزئيات!.
وقد ردّ هذا الدعاء على اعتقادات الفلاسفة ردّاً قوياً وقاطعاً.
ومن العجب! أن بعض الجهال ممن يدّعون الإسلام، ويصفون أنفسهم بالعلماء، كيف يُدرّسون هذه الترهات باسم؛ الفلسفة والحكمة في دروسهم؟ أليس لهؤلاء عقل أو دين؟ ألا يخشون الله العظيم؟ ألا يستحيون من الإكتشافات العلميّة الحديثة التي تؤيد ما ورد في القرآن الكريم؟
وبسبب الجهل نجد أن خرافات اليونانيين القدماء تُدّرّس في عصرنا هذا في المدارس الدينيّة!.
نسأل الله أن يهديهم ويُخرجهم من الضلالة.
إن النور الذي نراه من شعاع الشمس، أو النور الذي يصدر عن النار والكهرباء وأمثاله؛ هو نور من جنس المادة ويكون محصوراً ومحدوداً، وتكون أجزاؤه متفرقة. والله سبحانه أجلّ وأرفع من أن يتصف بهذه الصفات.
إن نور الله هو ليس هذا النور المادّي المشهود، بل هو نور بنفسه ظاهر ومبين، ومُظهر ومُبيّن للأشياء الأخرى التي تكون منورة وتبعث النور. وأقرب لفظ يخطر بذهن الإنسان ليطلقه على الله؛ هو لفظ النور فقط؛ لأنه جلّ وعلا ظاهر بنفسه مظهر لغيره، وإنه سبحانه مُنزّه عن النقص الذي يطرأ على النور المادّي. فقد جاء في هذا الدعاء: (يا نُورُ يا قُدُّوسُ ) يعني؛ يامن تَنَزَهتَ عن كل نقص مادّي، لأن المادة ليس لها قدّوسية ونزاهة. فالمراد من النور الذي يُطلق على ذات الباري؛ هو ليس النور المحسوس لأن الله سبحانه أعز وأقدس من أن يُقاس بالمادة. وهذان الإسمان وردا في القرآن الكريم في سورة النور، قال سبحانه: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وفي سورة الزمر { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ- الى أن يقول - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
فالنور المادّي مخلوق، والله سبحانه منزّه عن هذه الصفة.
وكلمتى (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) تدلان على ذلك؛ لأن معنى (سبحان)؛ هوالتنزيه عن النقص،
ومعنى (تعالى)؛ هو العلو على كل شيء، ولكن النور المادي غير منزّه، وكذلك ليس متعال.
أما لفظ (أول الأولين)؛ فإنه مأخوذ من سورة الحديد: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} وليس المراد منه أن الله سبحانه هو أول ببداية، وهو أول الأولين من دون نهاية،
وهو ليس آخر حتى يكون آخر الآخرين. بل المراد منه أنه ليس له أولية ولا آخرية؛ لأن صفتي الأولية والآخرية تعدّان نقصاً وهما من صفات المخلوقين، والله سبحانه لايمكن صفته بالنقص.
وما ورد في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام، لصلاة الليل يوضّح هذا المعنى قال عليه السلام: (عزّ سلطانك عِزّاً لا حدّ له بأولية ولا منتهى له بآخرية). ووردت هذه العبارات كثيراً في خطب الإمام على عليه السلام: (الأول بلا أولية، والآخر بلا آخرية) وهذه قرينة أخرى تدل على أن المراد من نور الله هو غير النور المادي؛
لأن الأنوار الأخرى مهما كانت فإن لها أول معلوم وآخر معلوم.
وقد ورد تصنيف الذنوب في هذا الدعاء على أنواع مختلفة وكل نوع من الذنوب له أثر خاص، وتُسبب بعض العقوبات المخصوصة،
وأنواع هذه الذنوب مأخوذة أيضاً من القرآن الكريم. فقد ورد في سورة الشورى قوله تعالى: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}
يعني إن كل مصيبة تصيبكم هي بسبب الذنوب والجرائم التي ترتكبونها بأنفسكم.
ولولا وجود العفو الإلهي عن كثير من هذه الذنوب لهلكت جميع المخلوقات بذنوبها. وكذلك جاء في آخر سورة فاطر: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}
ومن هنا يُعلم بأن الذنوب هي التي تسبب المصائب والبلايا في الدنيا.
وقد ورد في الأخبار؛ إن كل نوع من الذنوب يجلب نوعاً من المصائب؛
فبعض الذنوب:
يهتك العصم، ومعنى العصم في اللغة؛ يعني الضوابط والأسوار التي تُحيط بالمكان وتحافظ عليه، فالعِصَم بكسر العين وفتح الصاد جمع عصمة؛ وهي أي وسيلة لحفظ شيء ما، مثل الحلقة والحبل في المادّيات، أما في المعنويات فمعناه؛ الملجأ والمأمن والتوكل والإعتماد. فعندما نقول: اعتصم به؛ يعني طلب منه تأمين الحفظ والسلام.
وفي الخبر الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام: إن الذنوب التي تهتك العصم هي؛ الخمر والميسر والهمز واللمز والإستهزاء ببعض الناس لكي يُضحك المرء أصدقاءه وجلساءه،
وكذلك ذكر عيوب الناس المخفية، والجلوس مع أهل الريبة، وذوي السمعة السيئة.
وورد في الخبر: (ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي إلا قطعت عنه أسباب السماوات من يديه، وأسخت الأرض من تحته) فاللجوء الى المخلوقين دون الخالق من الذنوب التي تهتك العصم.
وبعض الذنوب:
تُنزل النقم وتُسرع بالعقوبة،
وبعض الذنوب:
تردّ الدعاء كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: إن الذنوب التي تسبب ردّالدعاء على الداعي وتمنع من إجابته: هي النيّة السيئة، والخبث، والنفاق مع الإخوان، وتأخير الصلاة الى أن ينقضي وقتها.
وكذلك ورد في الحديث: إن الذنوب التي تقطع الرجاء؛ هي اليأس من نصر الله، واليأس من رحمة الله، والأمل بغير الله، وتكذيب وعد الله.
أما الذنوب التي :
تُنزل البلاء؛ فقد ورد عن الإمام السجاد عليه السلام: إن الذنوب التي تنزل البلاء؛ هي عدم إجارة المستجير، وعدم تقديم المعونة للمحتاجين، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبعد أن ذكر عليه السلام: أنواع الذنوب بدأ يستغفر من جميع الذنوب المذكورة وغير المذكورة؛
مثل منع الزكاة والتي تؤدي الى زوال البركة والجفاف والقحط.
وكذلك عدم أعطاء الحقوق الواجبة للمستحقين والضعفاء والفقراء؛ والذي يسبب الفقر وانتشار الوباء وقصر العمر.
واللواط؛ الذي يؤدي الى العمى.
أما عقوق الوالدين فإنه يؤدي؛ الى قصر العمر والذلة والهوان في الدنيا.
وقطع الصلات مع الأرحام والأقارب؛ يؤدي الى قرب الأجل. وترك الأغسال الواجبة والوضوء والطهارة ونظافة البدن واللباس وأثاث البيت؛ يؤدي الى الوهن في الأبدان وحدوث الأمراض الكثيرة،
بالإضافة الى بقاء الهم والغم والحزن.
وخلاصة القول:
إن الإمام عليه السلام ذكر أنواع الذنوب والخطايا ثم طلب العفو والغفران لكل هذه الذنوب من الله سبحانه وتعالى.
وهناك فرق بين الذنب والخطيئة؛
إن الذنب كلمة تُطلق على الجرم الذي يُرتكب عمداً، والخطيئة تشمل العمد والخطأ؛ لأن الخطيئة على وزن فَعيلة إسم الجرم على وجه العموم، أما الخِطأ بكسر الخاء وسكون الطاء فإنه مرادف للذنب؛ لأن الخِطأ بكسر الخاء يُطلق على الذنب العمد.
أسألكم صالح الدعاء
يتبع...
تحياتي
شمس الأصيل