جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، اُدعُ الله أن يرزقني مالاً.
فقال: ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكرهُ، خير من كثير لا تطيقهُ.
ثم أتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله، اُدعُ الله أن يرزقني مالاً.
قال: أما لك فيّ أُسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده، لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت.
ثم أتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله، اُدعُ الله أن يرزقني مالاً. والذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالاً، لأُعطي كلُّ ذي حق حقه.
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): اللهم ارزق ثعلبة مالاً، اللهم ارزق ثعلبة مالاً.
فاتخذ غنماً، فنمت كما ينمي الدود. فكان يُصلي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الظهر والعصر، ويُصلي في غنمه سائر الصلوات. ثم كثرت ونمت، فتقاعد أيضاً حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة.
فذكّره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم، فقال: ما فعل ثعلبة؟
فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنماً لا يسعها وادٍ.
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا ويح ثعلبة.. يا ويح ثعلبة.
بعدها بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجلاً من بني سليم، ورجلاً من بني جهينة، وكتب لهما اسنان الصدقة كيف يأخذان، وقال لهما: مُرّا بثعلبة بن حاطب، ورجل من بني سليم فخذوا صدقاتهما.
فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقراه كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
فقال: ما هذه إلاّ جزية، ما هذه إلاّ أخت الجزية. انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ.
فانطلقا، وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار اسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها. فلما رأياها قالا: ما هذا عليك؟
قال: خذا فإنّ نفسي بذلك طيبة.
بعد ذلك مَرا على الناس وأخذا الصدقة، ثم رجعا إلى ثعلبة.
فقال: أروني كتابكما.
فقرأه، فقال: ما هذا إلاّ جزية، ما هذا إلاّ أُخت الجزية. اذهبا حتى أرى رأيي.
فأقبلا. فلما رآهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأخبراه بخبر ثعلبة والسلمي قال: يا ويح ثعلبة. ثم دعا للسلمي بخير.
إثر ذلك أنزل الله عز وجل قوله:
((وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ)).
سمع ذلك رجل من أقارب ثعلبة، حيث كان عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فخرج حتى أتى ثعلبة، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله فيك كذا وكذا...
فخرج ثعلبة حتى أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) فسأله أن يقبل منه صدقته.
فقال (صلّى الله عليه وآله): إنّ الله تبارك وتعالى منعني أن أقبل منك صدقتك.
فجعل يحثي التراب على رأسه.
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): هذا عملك، قد أمرتك فلمْ تطعني.