New Page 1
قديم 30-04-08, 01:26 PM   #1

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

B18 دعاء كميل إبن زياد النخعي..


بسم الله الرحمن الرحيم..

أعزائي أضع بين أيديكم شرح دعاء كميل بن زياد رضوان الله عليه
الذي علمه إياه مولانا أمير المؤمنين وإمام المتقين الأمام علي سلام الله عليه..


بعض الأمور المتعلقة بجمل الدعاء

الآيات الكريمة التي أخذت منها جمل هذا الدعاء وهى:

{.. رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا ..ً} سورة غافر الآية٧.

{.. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ..} سورة الأعراف الآية ١٥٦.

{ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة الحج الآية ٧٤.
{.. سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} سورة الزمر الآية ٤.

{.. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ..} سورة يوسف الآية ٢١.

{.. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ..} سورة فاطر الآية ٤٤.

{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا..} سورة يونس الآية ٦٥.

{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} سورة الشورى الآية ٤.

{.. ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} سورة الزمر الآية ٦.

{.. كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ..} سورة القصص الآية ٨٨.

{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} سورة الرحمن الآية ٢٦و٢٧.

{.. أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى..} سورة الإسراء الآية ١١٠.

{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُمَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّيَعْلَمُهَا وَلاحَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَيَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} سورة الأنعام الآية ٥٩.

{.. يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِيالْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَايَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَاتَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} سورة الحــــديد الآية ٤-٥ .

{.. وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَمِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَمِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} سورة يونس الآية ٦١.

{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..} سورة النور الآية ٣٥.

{ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا..} سورة الزمر الآية ٦٩.


ومما يذكر هنا:
إن الألفاظ والأسماء الحسنى التي وردت في القرآن الكريم، وكذلك في الأدعية لاتكشف لنا عن كنه الإله وعظيم صفاته الربوبية بشكل تام؛ لأن جلال وعظمة الخالق أكبر وأعلى من أن تخطر على بال إنسان، وكل مخلوق يفكّر بصفات الإله بقدر ذهنيته الناقصة، ولا يمكن لأحد من البشر أن يصل الى حقيقة أمر الله تعالى، بل كل يذكر الله بحسب فهمه وإدراكه.

فإذا ذكرنا ألفاظ الرحمة والقدرة الإلهية؛ فلأنه مقدار فهمنا لهذه الألفاظ بهذا الحد. وإلا فإن حقيقة وجود الخالق أعظم من ذلك بكثير.

فمثلاً نقول: وجه الله؛ فالبعض يفسره على أنه الوجه المتعارف عليه كَوَجه، والبعض الآخر يفسره بعلو مقامه سبحانه؛ ولكن حقيقة الأمر أكبر من هذا كله، ولكن بسبب قصوّر أفكارنا فإنا نعبّر عنه بالوجه ونؤوله تأويلاً.

وهكذا شأن سائر الألفاظ التي تُطلق على ذات الإله؛ فإنها أُطلقت بمعناها الحقيقي والمراد بها أكبر من المعاني الحقيقية التي يفهمها البشر، ولما كان ذهن البشر لايتعدى أكثر من هذا، وعليه تستعمل هذه الألفاظ على إنها بمعناها الحقيقي.

فكل حسب تصوره؛ فالنملة تتصوّر أن لخالقها لامستين كاللتين عندها.

والنتيجة التي تُستخلص من جمل الدعاء والتي اقتبست من آيات القرآن الكريم؛ هي بطلان جميع الأديان والمذاهب ما عدا مذهب أهل البيت عليهم السلام في التوحيد، والدليل الساطع والبرهان القاطع يؤيدان ذلك؛ ففي جمل الدعاء إشارة الى أن الرحمة الإلهية، والعلم الإلهي، والقدرة الإلهية، والقوّة الإلهية؛ محيطة ومتسلطة على كل شيء، ولا يخرج أي شيء عن علم الله وقدرته وتدبيره مهما كان صغيراً أو كبيراً، وهذا الدليل يرد ردّاً قاطعاً أقوال البراهمة والبوذيين واليهود والنصارى والغلاة الشيخيّة والبهائيّة والأشاعرة؛ لأن مذاهب كل هؤلاء تُبنى أساساً على أنه سبحانه محاط ومنحصر في (براهما) (وبوذا) (وأغا خان)!! وأنه يحلّ في السحاب وفي النار أو في النبي عيسى عليه السلام، أو في رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو في علي عليه السلام، أو في مخلوقات أخرى، أو أنه يُرى في جهة معيّنه.

أما الشيخية فإنهم يقولون: بأن الله تعالى ليس له قدرة، ولا علم بالحوادث؛ إنما هو مصدر لنور منه، وهو نور (الحقيقة المحمدية) و (الركن الرابع) وهذا النور هو، القادر، وهو الخالق، وهو رازق العالم، وأنه تعالى عار عن هذه الصفات!.

وكل هذه الأباطيل بدع ابتدعوها وهي مخالفة للقرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة، ولهذا الدعاء أيضاً. وإنهم يعتقدون بأن الله سبحانه يصدر منه شيء واحد، وأنه ليس له علم بالجزئيات!.

وقد ردّ هذا الدعاء على اعتقادات الفلاسفة ردّاً قوياً وقاطعاً.
ومن العجب! أن بعض الجهال ممن يدّعون الإسلام، ويصفون أنفسهم بالعلماء، كيف يُدرّسون هذه الترهات باسم؛ الفلسفة والحكمة في دروسهم؟ أليس لهؤلاء عقل أو دين؟ ألا يخشون الله العظيم؟ ألا يستحيون من الإكتشافات العلميّة الحديثة التي تؤيد ما ورد في القرآن الكريم؟

وبسبب الجهل نجد أن خرافات اليونانيين القدماء تُدّرّس في عصرنا هذا في المدارس الدينيّة!.

نسأل الله أن يهديهم ويُخرجهم من الضلالة.

إن النور الذي نراه من شعاع الشمس، أو النور الذي يصدر عن النار والكهرباء وأمثاله؛ هو نور من جنس المادة ويكون محصوراً ومحدوداً، وتكون أجزاؤه متفرقة. والله سبحانه أجلّ وأرفع من أن يتصف بهذه الصفات.

إن نور الله هو ليس هذا النور المادّي المشهود، بل هو نور بنفسه ظاهر ومبين، ومُظهر ومُبيّن للأشياء الأخرى التي تكون منورة وتبعث النور. وأقرب لفظ يخطر بذهن الإنسان ليطلقه على الله؛ هو لفظ النور فقط؛ لأنه جلّ وعلا ظاهر بنفسه مظهر لغيره، وإنه سبحانه مُنزّه عن النقص الذي يطرأ على النور المادّي. فقد جاء في هذا الدعاء: (يا نُورُ يا قُدُّوسُ ) يعني؛ يامن تَنَزَهتَ عن كل نقص مادّي، لأن المادة ليس لها قدّوسية ونزاهة. فالمراد من النور الذي يُطلق على ذات الباري؛ هو ليس النور المحسوس لأن الله سبحانه أعز وأقدس من أن يُقاس بالمادة. وهذان الإسمان وردا في القرآن الكريم في سورة النور، قال سبحانه: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وفي سورة الزمر { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ- الى أن يقول - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

فالنور المادّي مخلوق، والله سبحانه منزّه عن هذه الصفة.

وكلمتى (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) تدلان على ذلك؛ لأن معنى (سبحان)؛ هوالتنزيه عن النقص،
ومعنى (تعالى)؛ هو العلو على كل شيء، ولكن النور المادي غير منزّه، وكذلك ليس متعال.

أما لفظ (أول الأولين)؛ فإنه مأخوذ من سورة الحديد: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} وليس المراد منه أن الله سبحانه هو أول ببداية، وهو أول الأولين من دون نهاية،
وهو ليس آخر حتى يكون آخر الآخرين. بل المراد منه أنه ليس له أولية ولا آخرية؛ لأن صفتي الأولية والآخرية تعدّان نقصاً وهما من صفات المخلوقين، والله سبحانه لايمكن صفته بالنقص.

وما ورد في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام، لصلاة الليل يوضّح هذا المعنى قال عليه السلام: (عزّ سلطانك عِزّاً لا حدّ له بأولية ولا منتهى له بآخرية). ووردت هذه العبارات كثيراً في خطب الإمام على عليه السلام: (الأول بلا أولية، والآخر بلا آخرية) وهذه قرينة أخرى تدل على أن المراد من نور الله هو غير النور المادي؛
لأن الأنوار الأخرى مهما كانت فإن لها أول معلوم وآخر معلوم.

وقد ورد تصنيف الذنوب في هذا الدعاء على أنواع مختلفة وكل نوع من الذنوب له أثر خاص، وتُسبب بعض العقوبات المخصوصة،
وأنواع هذه الذنوب مأخوذة أيضاً من القرآن الكريم. فقد ورد في سورة الشورى قوله تعالى: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}
يعني إن كل مصيبة تصيبكم هي بسبب الذنوب والجرائم التي ترتكبونها بأنفسكم.
ولولا وجود العفو الإلهي عن كثير من هذه الذنوب لهلكت جميع المخلوقات بذنوبها. وكذلك جاء في آخر سورة فاطر: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}
ومن هنا يُعلم بأن الذنوب هي التي تسبب المصائب والبلايا في الدنيا.

وقد ورد في الأخبار؛ إن كل نوع من الذنوب يجلب نوعاً من المصائب؛

فبعض الذنوب:
يهتك العصم، ومعنى العصم في اللغة؛ يعني الضوابط والأسوار التي تُحيط بالمكان وتحافظ عليه، فالعِصَم بكسر العين وفتح الصاد جمع عصمة؛ وهي أي وسيلة لحفظ شيء ما، مثل الحلقة والحبل في المادّيات، أما في المعنويات فمعناه؛ الملجأ والمأمن والتوكل والإعتماد. فعندما نقول: اعتصم به؛ يعني طلب منه تأمين الحفظ والسلام.

وفي الخبر الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام: إن الذنوب التي تهتك العصم هي؛ الخمر والميسر والهمز واللمز والإستهزاء ببعض الناس لكي يُضحك المرء أصدقاءه وجلساءه،
وكذلك ذكر عيوب الناس المخفية، والجلوس مع أهل الريبة، وذوي السمعة السيئة.
وورد في الخبر: (ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي إلا قطعت عنه أسباب السماوات من يديه، وأسخت الأرض من تحته) فاللجوء الى المخلوقين دون الخالق من الذنوب التي تهتك العصم.


وبعض الذنوب:
تُنزل النقم وتُسرع بالعقوبة،

وبعض الذنوب:
تردّ الدعاء كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: إن الذنوب التي تسبب ردّالدعاء على الداعي وتمنع من إجابته: هي النيّة السيئة، والخبث، والنفاق مع الإخوان، وتأخير الصلاة الى أن ينقضي وقتها.

وكذلك ورد في الحديث: إن الذنوب التي تقطع الرجاء؛ هي اليأس من نصر الله، واليأس من رحمة الله، والأمل بغير الله، وتكذيب وعد الله.



أما الذنوب التي :
تُنزل البلاء؛ فقد ورد عن الإمام السجاد عليه السلام: إن الذنوب التي تنزل البلاء؛ هي عدم إجارة المستجير، وعدم تقديم المعونة للمحتاجين، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


وبعد أن ذكر عليه السلام: أنواع الذنوب بدأ يستغفر من جميع الذنوب المذكورة وغير المذكورة؛
مثل منع الزكاة والتي تؤدي الى زوال البركة والجفاف والقحط.
وكذلك عدم أعطاء الحقوق الواجبة للمستحقين والضعفاء والفقراء؛ والذي يسبب الفقر وانتشار الوباء وقصر العمر.
واللواط؛ الذي يؤدي الى العمى.
أما عقوق الوالدين فإنه يؤدي؛ الى قصر العمر والذلة والهوان في الدنيا.
وقطع الصلات مع الأرحام والأقارب؛ يؤدي الى قرب الأجل. وترك الأغسال الواجبة والوضوء والطهارة ونظافة البدن واللباس وأثاث البيت؛ يؤدي الى الوهن في الأبدان وحدوث الأمراض الكثيرة،
بالإضافة الى بقاء الهم والغم والحزن.

وخلاصة القول:
إن الإمام عليه السلام ذكر أنواع الذنوب والخطايا ثم طلب العفو والغفران لكل هذه الذنوب من الله سبحانه وتعالى.


وهناك فرق بين الذنب والخطيئة؛
إن الذنب كلمة تُطلق على الجرم الذي يُرتكب عمداً، والخطيئة تشمل العمد والخطأ؛ لأن الخطيئة على وزن فَعيلة إسم الجرم على وجه العموم، أما الخِطأ بكسر الخاء وسكون الطاء فإنه مرادف للذنب؛ لأن الخِطأ بكسر الخاء يُطلق على الذنب العمد.

أسألكم صالح الدعاء


يتبع...


تحياتي

شمس الأصيل
__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

قديم 30-04-08, 07:04 PM   #2

123
عضو نشيط

 
الصورة الرمزية 123  






رايق

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


شمس الأصيل شكرا

المنتدى محتاج الى هذه الانامل الذهبيه فلا تحرمينا من اطلالاتك المميزه

جزاك الله خيرا

123 غير متصل  

قديم 30-04-08, 08:20 PM   #3

مشرق الأنوار
عضو واعد

 
الصورة الرمزية مشرق الأنوار  







رايق

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مشكورة اختي شمس الأصيل الله يعطيكِ
العافية وان شاء الله في ميزان حسناتك
ماتقصري ننتظر جديدك بفارغ الصبر ...
مع تحياتي لكم بتوفيق والنجاح
اخوكم ......... مشرق الأنوار

__________________
سيعلم المتخادل يوماً ... ان في مساعدة الغير خيراً

مشرق الأنوار غير متصل  

قديم 01-05-08, 02:57 AM   #4

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


123
أسعدني تواجدك عزيزتي..
تحياتي

شمس الأصيل

__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

قديم 01-05-08, 02:57 AM   #5

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


اخي مشرق الانوار..
كل الشكر لك لحسن المتابعه

تحياتي

شمس الأصيل

__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

قديم 01-05-08, 03:18 AM   #6

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


الجزء الثاني من شرح الدعاء..


من الآداب التي توجب إجابة الدعاء:

هوأن يتوجه العبد بنيّة صادقة، وعقيدة راسخة، وانقطاع تام الى ربّه، وأن يكون عارفاً؛ بأن الله وحده القادر على الإعطاء والمنع واستجابة الدعاء، وهو الغفور الرحيم، وليس لأحد غيره القدرة على ذلك. وأن يفهم العبد أنه أمام الله سبحانه؛ حقير ذليل مسكين مستكين لايقدر على شيء من أمور الدنيا، فيقف أمام الله وهو في حالة تضرّع واستكانة ويدعو ويطلب حوائجه.
وقد ذكر الإمام عليه السلام في هذا الدعاء هذه المعاني حيث قال: رب ليس لي وسيلة أتقرب بها إليك إلا بذكرك ودعائك، ولا من شفيع يشفع لي عندك إلا أنت، وليس لي وسيلة أتقرب بها إليك إلا جودك وكرمك، وأنا أمامك حقير ذليل خائف مستجير، لا حول لي ولا قوّة.
وكل هذه المعاني وردت في القرآن الكريم، ففي سورة الرعد يقول سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وفي سورة المؤمنون قال تعالى: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} وفي سورة الأنعام قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} يعني إن التضرع والإنقطاع أمام الله؛ أفضل وسيلة لإزالة العذاب واستجابة الدعاء حين نزول العذاب، وقبل نزوله.
وقال تعالى في سورة الزمر: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

فيلاحظ إن الإمام عليه السلام قد جعل شفيعه عنده؛ هو الله نفسه، ولم يتخذ شفيعاً آخر.

ولكن هذا لايعني نفي الشفاعة بصورة عامّة، ففي سورة البقرة في آية الكرسي، وفي سورة الأنبياء، وفي سور أخرى ذكر بأن الملائكة والأنبياء يشفعون للمذنبين،
ولكن بعد أخذ الإذن والرضا من الله سبحانه.
وهذا الأمر مصرّح به في الأخبار المتواترة .
وكذلك يستطيع الأئمة والأولياء والصالحون من المؤمنين الشفاعة بعد رضا الله وإذنه.
وكلا الفريقين سواء الذين ينفون الشفاعة كليّاً، أوالذين يقولون بالشفاعة استقلالاً وبدون إذن من الله؛ فهما يخالفان القرآن الكريم والأخبار المتواترة. والصحيح؛ هو أنه ليس هناك شفيع مستقل بنفسه غير الله تعالى، أما الملائكة والأنبياء والصالحون فإنهم يشفعون بأمر الله.
ويجب أن نذكر هنا إن الله سبحانه أذن للملائكة بأن يشفعوا للمؤمنين؛ كما جاء في سورة غافر إذ يقول سبحانه: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوارَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَتَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}.

وكذلك جاء في سورة الشورى إذ يقول سبحانه: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُيُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِأَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
وهذه الآية تُشير الى أن الملائكة مأذونون بالإستغفار لجميع مَن في الأرض.
وفي سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال سبحانه: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَوَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْوَمَثْوَاكُمْ}.
في هذه الآية أُمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، لأنه تعالى قد جعل دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستجاباً دائماً.
والذي يُفهم من آية الكرسي قوله سبحانه: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}.
وجاء في سورة الأنبياء: { لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى }. وفي سورة عمّ: { لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ}.
وآيات أخرى في القرآن الكريم كلها تُشير الى ان الذين يسمح لهم بالشفاعة هم الملائكة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة المعصومون عليهم السلام، والأولياء الصالحون - طبقاً لبعض الأخبار-.
نسأله تعالى أن يقبل شفاعة أوليائه فينا إنه سميع مجيب.
وفي هذه الجمل أمر مهم ورد في أكثر الأدعية، إذا انتبه الإنسان لهذا الأمر واعتقده وعمل به؛ فإن حياته ستكون خالية من المشاكل والصعوبات، وسيشعر بالسعادة الحقيقية في الدنيا، ويحصل على رضا الله سبحانه في الآخرة.
ولا نجد أمراً لقي العناية في تعاليم كل الحكماء والفلاسفة وأهل الأخلاق في القديم لحل مشاكل الحياة أكثر من هذا الأمر، وبه يصل الإنسان الى معنى الإنسانية الكامل الشامل، وإلا فإن تركه سيجعل الإنسان في حالة سخط وغضب، وعدم الرضا في أمور حياته، وستمتليء حياته بالهم والغم والمشاكل وعدم القدرة على الثبات أمام المصاعب الدنيوية،
وسيصل الى مرحلة يضعف فيها أمام المصاعب بحيث ييأس من الحياة، وقد يصل به الأمر الى قمّة التعاسة بحيث يقدم على الإنتحار؛ لينهي حياته التافهة التعيسة الخالية من الإيمان والرضا،
وهذا كله هوالتسليم والرضا عند الحوادث الإجبارية.
عند أهل الأديان السابقة لم يكن رافقه انتظار الفرج، وطلب رفع الصعاب من الله تعالى، وإنما كان ذلك التسليم والرضا موجباً لليأس من رحمة الله، وهذا غير مقبول في الإسلام.
أما التسليم الوارد في الشرع فيشترط فيه شرطان:
1)السعي الجدّي في الأمور الإختيارية.
2) العقيدة والإيمان الراسخان؛
بأن الحوادث من الله سبحانه ويمكن أن يبدّلها الله ويجعلها في مصلحة الإنسان،
فعلى الإنسان أن ينتظر دائماً الفرج من العسر ويتفاءل بالخير؛ لأن اليأس من رحمة الله من الذنوب الكبيرة.
بعض العلماء والباحثين والإجتماعيين المعاصرين؛ أجروا بحثاً في كيفية إسعاد البشر وسبل الوصول الى هذه السعادة، فأجمعت أكثر الآراء على أن السعادة الإنسانية منحصرة في الرضا والتسليم، أمام الحوادث المتغيرة، وقد حصلوا على هذه النتيجة بعد طول بحث؛ وهي نفس تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وإن كل من يطلب السعادة والخير يجدها في دين الإسلام،
وإن الشر كل الشر في ترك الإسلام والإبتعاد عن تعاليمه.
والإمام عليه السلام يُظهر في هذا الدعاء كامل الخشوع والخضوع أمام ربّه سبحانه وتعالى؛ فكيف يدّعي الغلاة بأن الإمام علي عليه السلام؛
هو خالق السماوات والأرض، وهو مالك التقدير والتدبير، إذا كان الإمام عليه السلام كما يقولون؛ فإن الله سبحانه - والعياذ بالله - سيكون كاذباً حسب ادعائهم، لأن هذا التضرع والخشوع أمام الله هو في الواقع كذب وخدعة، وهذا الإله لا يستحق العبودية فكيف يستحق الربوبية؟
وأعجب من الغلاة؛ مذهب الشيخية الضال المضل من آتباع (الشيخ أحمد الأحسائى) لعنهم الله جميعاً، الذين أفرطوا في الغلو حتى ادعوا؛ أن الله سبحانه ليس له قدرة على الخلق والرزق، وأنه ليس له علم؛ لأن الخلق والرزق يحتاجان الى الحركة، وان الخلق والرزق والإحياء والإماتة والعلم وغير ذلك كلها متعلقة (بالحقيقة المحمدية)! وذهبوا في غلوهم الى أبعد الحدود فقالوا: إن الركن الرابع هو الخالق والرازق والمحيي والمميت، وهو العالم بما كان ويكون، وهو المقدّر والمدبّر، وهو المسيطر على السماوات والأرض.
ودعاة الشيخية هم: (الشيخ أحمد الأحسائي، والسيد كاظم الرشتي، والحاج كريم الكرماني وأولاده، الى أن يصل الى المدعو (أبو القاسم خان) وكل من يولد له الى آخرهم، لعنهم الله جميعاً عدد ما في علمه كما أنكروا قدرته وعلمه سبحانه وتعالى.
ومن جملة آداب الدعاء وطلب الحوائج؛
هو أن يُظهر الداعي احتياجه الشديد، ومن جهة أخرى يذكر عظمة المدعو بما يستطيع ويتضرع له، وأن يعترف بذنوبه عند ساحة الغفور الرحيم، وأن يطلب العفو والمغفرة منه، مع الإعتقاد بأن الله وحده هو غافر الذنوب لايشاركه أحد في ذلك، وأن يذكر الداعي موارد الرحمة والعطف والتفضل السابق الذي مَنّ الله به عليه؛ ثم يذكر حاجته.
وأوجه الدعاء قد ذكرها أمير المؤمنين على عليه السلام في هذا الدعاء، فقد تضرع واستكان وتوسل، فقال: (أسئلك سؤال مَن اشتدت فاقته) ومعنى فاقته؛ فقره وذلته الشديدة،
ثم قال: (وعظم فيما عندك رغبته) يعني وجّه أمله ورجاءه كله لما عند الخالق، ولم يأمل أو يُعلّق رجاءه بالمخلوقين،
ثم بدأ يذكر صفات الربوبية فقال: (اللهم! عظم سلطانك وعلا مكانك وخفي مكرك وظهرأمرك وغلب قهرك وجرت قدرتك ولا يمكن الفرار من حكومتك) ليس المراد من هذه الألفاظ أن الله سبحانه له سلطان وله مملكة بالمعنى السائد الذي نفهمه؛ لأن الله سبحانه منزه عن السلطان والسلطنة، ولا أنه سبحانه له مكان معيّن؛ فمكانه متعال لأنه هو خالق المكان ولا يحتاج الى مكان وهو في كل مكان ولا يخلو منه مكان ولا يحيزه مكان ولا يشمله مكان ولا يحوطه مكان.
أما لفظ المكر فهو ليس بمعنى الخداع؛ يعني يُظهر الرحمة ويبطن العقوبة، فالله سبحانه منزه عن هذا المكر. وكذلك يجب أن لا يتوهم الإنسان بأن قهر الله سبحانه يعني أن الله يقهر عباده بسبب الغضب عليهم، فالله بريء من هذه الصفة، وقدسيته منزّهة عن هذا المعنى.
أو أن له قدرة هي غير ذاته وإنها تجري على خلقه، فالله منزّه عن هذا المعنى الذي تتصوره العقول.
فنستنتج من هذا كله بأن معاني الألفاظ الوارده بحق الله تعالى هي فوق تصور البشر، ولكن لامناص من استعمال هذه الألفاظ في مقام تعظيم الإله.
فعلى الإنسان أن يفهم بأن الله أعظم من الألفاط، ولكن الإنسان لايعرف غيرها، فليس له وسيلة للتقرب إليه بغيرها، ولولا الواجب من أمر الله لما ذكرناه؛ كما جاء في أحد أدعية الصحيفة السجادية،
فقد ورد في الدعاء قول الإمام السجاد عليه السلام في مناجاة الذاكرين: (إلهي! لولا الواجب من قبول أمرك؛ لنزهتك من ذكري إياك، على أن ذكري لك بقدري لا بقدرك وما عسى أن يبلغ مقداري حتى أجعله محلاً لتقديسك ومن أعظم النعم علينا جريان ذكرك على ألسنتنا وإذنك لنا بدعائك وتنزيهك وتسبيحك).
ثم رجع الإمام على عليه السلام الى ذكر عجزه ومسكنته أمام الله فقال: (اللهم! لا أجد لذنوبي غافراً ولا لقبائحي ساتراً ولا لشيء من عملي القبيح بالحسن مبدلاً غيرك) وهذا مأخوذ من القرآن المجيد، فقد ورد في سورة الفرقان قوله تعالى: { فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}.
ثم بدأ بتعظيم الإله والتوحيد الخالص فقال: (لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك)
يعني؛ إلهي! ليس هناك إله غيرك؛ فكيف أستطيع ذكرعظمتك سبحانك وتعاليت عما يرد على الألسنة، وما يخطر على العقول.
وهذا التنزيه مصحوب بكلمة بحمدك؛ فإذا اعتبرنا الباء باء المعيّة أو سببية فإن المعنى يكون بأن هذا التسبيح الذي وفقت له بسبب حمدك الذي وفقتني له.
بعض النحويين قالوا:
إن الواو في سبحانك وبحمدك زائدة، وهذه الجمل مثل الآية الشريفة: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} فالباء للمعية وحمد مضاف للمفعول في محل نصب حال، وتقدر الجملة؛ سبح حامداً ربك، أو إن الباء للإستعانة؛ فيكون إعرابها حمد مضاف للفاعل وتكون الجملة؛ سبح بما حمد ربك.
ويجب أن نتذكر هنا كثرة شكوى الإمام عليه السلام من الشهوات؛ لأنها تسبب جميع الإنحطاطات الفردية والإجتماعية، وعلة ضعف الشعوب والأمم، وزوال حكوماتها وعروشها، وإن زوال أي حكومة واضمحلال أي أمّة؛ يرجع سببه الى الإفراط في الشهوات والإنغماس في الملذات.
أعاذ الله الشعوب الإسلاميّة من شر الشهوات والملذات.
ثم توقف توقفاً طفيفاً بعد كلمة بحمدك، ثم ذكر الجمل التي بعدها كي لا يتوهم بأن باء بحمدك متعلقة بكلمة ظلمت، وهذا يدل على أن الألفاظ التي استعملت لتحميد وتمجيد الإله لا تعبر عن المعاني الحقيقية؛ لأن الله سبحانه وتعالى منزّه عن جميع التصورات والمعاني التي تخطر على بال البشر.
ثم اعترف بذنوبه وقال: (ظلمت نفسي) ثم تذكر النعم الأولى التي أنعم الله بها عليه فقال: (اللهم! عظم بلائي وأفرط بي سوء حالي...الخ) وهذه التذكرات من مستلزمات استجابة الدعاء.
أسألكم الدعاء
يتبع..

تحياتي


شمس الأصيل
__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

قديم 01-05-08, 03:46 AM   #7

نور قلبي علي
عضوية الإمتياز

 
الصورة الرمزية نور قلبي علي  







رايق

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


شكرا لك اخيتي ..
جعله الله في ميزان اعمالكم

موفقين الى خير

__________________
الدنيــا حلم و الآخرة يقظة ونحن بينهما أضغاثُ أحلام .

(( من حكم أمامنا علي بن أبي طالب عليه السلام ))

نور قلبي علي غير متصل  

قديم 06-05-08, 12:40 PM   #8

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


اختي عوامية شكراً لتواجدكِ

تحياتي

شمس الأصيل

__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

قديم 06-05-08, 12:57 PM   #9

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


الجزء الثالث من شرح دعاء كميل

/
/
وبعد ذكر كل هذه الأمور في بداية الدعاء، شرع عليه السلام بطلب أمور تعتبر من أفضل ما يهم الإنسان وفيها فوائد جمّة، فقال: (إلهي! أسألك أن لايحجب عنك دعائي سوء عملي وفعالي) لأن بعض الذنوب تردّ الدعاء على داعيه.
ثم سأل الله أن لايفضحه بذنوبه؛ لأن بعض الذنوب توجب الفضيحة والعار، وأن لايعاجله بالعقوبة؛ لأن بعض الذنوب توجب تعجيل العقوبة، وهذا هو منتهى الشقاء والخسران.
فإذا ارتكب الإنسان معصية وعوقب عليها مباشرة فإنه سيفقد فرصة التوبة ولا تبقى له حيلة للخلاص منها، أما إذا أذنب العبد وأمهل بعد هذا الذنب فمن الممكن أن يعود الى خالقه ويتوب من ذنبه ويقبل الله توبته ويبدل شقاءه بالسعادة.
ثم طلب عليه السلام من الله أن يعامله دائماً بلطفه وعطفه لأنه أرحم الراحمين.
ومن الجدير بالذكر هنا أن أكبر شقاء يصيب الإنسان؛ بسبب المماطلة والتسويف في التوبة، ومعنى المماطلة؛ يعني تأجيل عمل اليوم الى غد وهكذا.
والأئمة المعصومون عليهم السلام يحترزون من هذا الأمر أشد الإحتراز. والإمام السجاد عليه السلام في دعاء أبي حمزة يشكو من هذا الأمر ويقول: (فقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري).
يبقى الإنسان يؤخر عمل الآخرة ويؤجل التوبة الى غد ثم الى بعد غد وهكذا الى أن ينتهي العمر ولم يتب. إن التسويف يؤدي الى طول الأمل ونسيان الآخرة؛ فيحرم العبد من عمل الخير، لذا نجد في كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام إشارة الى ذلك: (واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).
وكما أن التسويف في أعمال الخير مذموم على العكس من التسويف في السيئات والشهوات فإنه عمل ممدوح؛ يعني إن الإنسان إذا أراد أن يعمل عملاً سيئاً فلا يعجل به وعليه أن يؤخره الى غد والى بعد غد وهكذا الى أن يتركه.
وقد ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام عبارة (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً) فإذا أردت أن تعمل سوءاً فتصور أنك ستعيش الى أبد الدهر وأخّر هذا العمل الى غد وبعد غد حتى لاتعمله.
وبعض الناس يتوهمون بأن هذه العبارة تعني؛ أيها الإنسان تعلّق بهذه الدنيا واعمل لها واجمع فيها ماتستطيع جمعه كأنك مخلد فيها، وهذا خطأ؛ لأن هاتين العبارتين تدلان على المقابلة البديعية، يعني؛ كما أنك يجب أن لا تسوف وتُماطل في أمور الخير، فعليك أن تسوف وتُماطل في الأمور الدنيوية وفي الشهوات والملذات.
وفي حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال: (رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه) يعني إن التعجيل والتسريع في أمور الخير ممدوح ومطلوب في الشرع الإسلامي.
وهذا الحديث مأخوذ من الآية الشريفة في سورة آل عمران،
قال سبحانه وتعالى: {وَسَارِعُواْإِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنرَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍعَرْضُهَا السَّمَاوَاتُوَالأَرْضُ أُعِدَّتْلِلْمُتَّقِينَ}.
وكذلك آية سورة المائدة إذ يقول سبحانه: { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}.
وكذلك آية سورة الحديد إذ يقول سبحانه: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}.
ومما يذكر في هذا المقام؛ الأعمال التي يقوم بها رجال الكنيسة المسيحيون - الإعتراف بالذنب يجب أن يكون أمام الله سبحانه وتعالى وهو من مستلزمات غفران الذنوب - ولكن المسيحيين يقولون: يجب الإعتراف بالذنب أمام (القس) في الكنيسة فهو الذي يغفر ذنوب العبد، وينجي من عذاب النار، ثم يبيع لهذا المعترف عدّة أذرع من الجنّة مقابل كمّية من المال يدفعه المستغفر ويأخذ منه صك الغفران!! وهذا العمل جعل رجال الكنيسة اضحوكة لمفكري أوربا وأمريكا، ولأن هؤلاء المفكرين بعيدون عن حقيقة الدين الإسلامي وخلوّه من هذه الترهات، فإنهم وبسبب الأعمال السخيفة التي يرتكبها رجال الدين المسيحيون في الكنائس؛ مما جعل هؤلاء المفكرين أن يُنكروا الله بالكليّة؛ لأن العقل لايقبل أن يكون القس هو الله وأن يتصرف بالجنة والنار...
أما مراسم الغفران التي يُقيمها القسس في وقت (العشاء الرباني)؛ تبدأ هذه المراسم بصنع الخبز الذي يُسمى (قربنة) وهذه (الفطيرة) تكون محل تقديس وتعظيم القسس بشكل عجيب! فهم يعتقدون أن هذه الفطيرة؛ هي لحم الربّ فيقطعوه قطعاً ويضعون قطعة واحدة على لسان كل شخص، وفي نفس الوقت يضعون تحت حنكه إناء حتى لايقع لحم الربّ - كما يزعمون - على الأرض ثم يأمر القس ببلع اللقمة مرّة واحدة بدون مضغها بالأسنان لأن تقطيع لحم الربّ بالأسنان غير جائز! ثم يُعطوه بعد ذلك جرعة من الشراب ويسمّوه (دم الربّ) يشربه بعد الفطيرة المقدّس؛ فيصبح المستغفر كالربّ لأنه أكل لحم الربّ وشرب دمه! ولما كان الله هو المسيح فيكون المستغفر هو المسيح! وغير ذلك من الخرافات والترهات. والأخطر من ذلك أنهم يُبلغون هذه الخرافات بين المسلمين الموحدين الذين لايعرفون غير الله غافراً للذنوب. وهذه المراسم التي ذكرناها هي ملخص لصلاة الكنيسة الكاثولكية.
أعاذنا الله من شرّ هذه الخرافات التي أدّت الى ظهور الإلحاد والماركسية في العالم، ونسأله تعالى أن يُعرّف بني الإنسان جميعا السعادة عن طريق تطبيق الدين الإسلامي العظيم.
ومن آداب الدعاء أيضاً تكرارالإنقطاع الى الله وتذكر الإنسان دائماً أن الملجأ الوحيد في الشدائد هو الله سبحانه فلا ملجأ ولا ملاذ غيره، فقد تكرر في هذا الدعاء ذكر الإعتراف بالذنوب والآثام؛ لأن أفضل شيء يقدم عليه الإنسان بعد ارتكاب الذنوب والمعاصي هو الندم والإنابة والإستغفار؛ لأن هذا العمل كما ورد في القرآن الكريم يحصل فيه الإنسان على خير الدنيا، وغفران الذنوب، وزيادة البركة في الأولاد وزيادة الحسنات.
ونذكر هذه القصّة عبرة ودليلاً على هذا الأمر: فقد كان لمعاوية حاجب أُتي من المال الكثير، ولكنه حُرم من الأولاد، وكان الإمام الحسن عليه السلام يدخل مجلس معاوية فيتلقاه هذا الحاجب بالإحترام والتكريم الكبيرين، وكان هذا الحاجب حزيناً دائماً بالرغم من غناه وقربه من معاوية بسبب حرمانه من الأولاد، ومرّة كان يتذاكر هذا الموضوع مع معاوية ويتمنى أن يحصل على حلّ لمشكلته، فقال له معاوية:
إن حلّ هذه المعضلة بيد الرجل الذي كنت تحترمه كثيراً وتكرمه، فجاء هذا الحاجب الى الإمام الحسن عليه السلام وعرض عليه مشكلته، فأمره الإمام عليه السلام بالإستغفار الكثير؛ ففعل الحاجب ذلك وجعل يستغفر كل يوم؛ فرزقه الله ولداًً، فعندما أخبر الحاجب معاوية بهذا الأمر، قال له معاوية:
آسأله من أين عرف بأن الإستغفار يجلب كثرة الأولاد؟ فسأل الحاجب الإمام عليه السلام؟ فقال له الإمام عليه السلام: عرفت ذلك من القرآن الكريم في سورة نوح (ع) قوله تعالى: { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًاً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}.
ومن قبيل هذه الآيات في القرآن الكريم الكثير، وإن استنباط الأحكام الشرعية مأخوذ من هذه الآيات.
ولكن الأمم الأخرى لم تجد حلاً لهذه الأمور، ونجد أن أهل الأديان قد صاروا فرقتين مختلفتين في ذلك وخصوصاً في أفعال البشر (كالخير والشرّ والطاعات والمعاصي):
فأهل الرأي الأول يقولون: بأن الأعمال لا تصدر من البشر مطلقاً؛ وإنما هو فعل الله والبشر ليس لهم اختيار؛ وطبقاً لهذا الرأي فإن الثواب والعقاب والأمر والنهي منتف بالمرّة وباطل؛ لأن البشر - حسب هذا الرأي - لا يعمل شيئاً بإرادته فلماذا إذن أُمر الإنسان بأعمال معينة؟ ولماذا يُعطى أجراً وثواباً مع العلم أنه لم يقم بها بإرادته؟ ولماذا نُهي عن المنكر وعوقب على فعله مع أنه لم يقم به بنفسه ولم يكن الإختيار بإرادته؟ فيكون الله - والعياذ بالله - ظالماً للعباد طبقاً لهذا الرأي، فهو يفعل الذنب ويعاقب عليه عبده، وليس هناك أكبر من هذا الظلم أن يرتكب أحد ظلماً ويعاقب عليه غيره!. فهذا الرأي عين الخطأ لأنه ينسب الظلم الى الله عزّ وجلّ وهو الكفر بعينه.
أما الرأي الثاني فيقول بأن للبشر تمام الإختيار وإن الله سبحانه ليس له أي تأثير ولا يتدخل في أي شيء. فالإنسان - طبقاً لهذا الرأي - مأمور ومنهي ويعاقب ويثاب على أعماله.
وهذا الرأي باطل أيضاً؛ لأن الله سبحانه محيط بكل شيء، ولا يخرج من حدود قدرته شيء، ولا يخلو منه مكان، إذ لو كان للبشر تمام الإختيار لاستلزم أن تكون جميع الأعمال والأفعال؛ خارجة عن حدود قدرته وسلطنته، وإنها حاصلة بدون إرادته.
وهذان الرأيان باطلان.
والبشر منذ القديم لم يستطع أن يجد حلاً لهذه المسألة، ولم يستطع أن يفهمها؛ لأنه نسي وصايا وأوامر الأنبياء وعاش في جاهلية الى أن جاء دين الإسلام .
والمسلمون أيضاً وقعوا في نفس المشكلة؛ فاحتاروا وضلوا لأنهم لم يأخذوا أمور الدين من معدن العلم وأهل بيت الوحي؛ فبرز عندهم قولان كما يأتي:
القول الأول: قول الأشاعرة؛ وهو أن البشر مجبورون وليس لهم أي اختيار أو إرادة، والتزموا بالعقائد الفاسدة التي تنسب أقبح النسب الى الله سبحانه؛ وهو الظلم.
والقول الثاني: وهو القول الذي اتبعه المعتزلة؛ وهو أن البشر لهم تمام الإختيار، ولا ترتبط أفعال العباد بالله سبحانه مطلقاً، والتزم المعتزلة بالعقائد الفاسدة المنحرفة. وأكثر هذه العقائد انحرافاً هو ما يقولونه بعزل ذات الباري تعالى عن سلطته وقدرته.
ولو لم ينحرف المسلمون ويبتعدوا عن أهل بيت الوحي عليهم السلام؛ لما وقعوا في هذه الإشكالات ولوقفوا على الحقائق العلمية للأمور التي من جملتها المسائل التي طرحها الإمام علي عليه السلام في هذا الدعاء والأدعية والأحاديث الأخرى، وكذلك ما ورد عن الأئمة الأطهار عليهم السلام في تعليم وتربية المسلمين؛ فقد أوضحوا هذه الأمور ولم يبق إشكال أو أمر غامض على المسلمين، فقد أوضح الإمام علي عليه السلام طريقة صدور أعمال البشر فبين عليه السلام: إن الله سبحانه جعل البشر مختارين تماماً في أعمالهم؛ وكيفية الإختيار أن الله سبحانه خلق في البشر قوّة التفكّر والتعقل، وقوة الشهوة، وكل عمل يريد أن يعمله الإنسان ويخطر على باله، فإنه يفهم ما في هذا العمل من خير أو شرّ أو نفع أو ضرر، فإذا لم يستخدم الإنسان هذه القوّة، وغلبت عليه الشهوة على تصور فهم ضرر العمل؛ فإن الله يجعل إرادة حصول العمل مضرة لهذا العبد.
فالله سبحانه أعطى لعبده قوّة ترجيح العقل وكذلك قوة ترجيح الشهوة، فعلى الإنسان أن يختار إحدى هاتين القوتين. فالعمل يصدر من البشر بإرادة الله سبحانه، ومن الجهة الأخرى - يعني جهة الشرّ- فإن الشيطان يُزيّن للإنسان حب الشهوات بوسوسته، ويغريه بفعل المنكر.
أما القضاء فإنه يعني حدوث العمل بإرادة الله ومساعدته على إجراء السيئات، وإذا لم يشأ الله أن يحدث هذا الشيء فإنه لايحدث، وهذه المساعدة ليست عن طريق الجبر والقهر؛ لأن البشر يستطيع أن يُسخر قوّة التعقل وأن يعمل صالحاً، ففي هذه الحالة يحدث العمل بإرادة الله وتوفيقه.
وبعبارة أخرى فإن الله سبحانه خلق الإنسان فأعطاه قوّة التعقّل؛ يعني الميل نحو الخير، وأعطاه قوة الشهوة؛ يعني الميل نحو الأعمال السيئة، وأعطاه مع هاتين القوتين القدرة على ترجيح إحدى هاتين القوتين على الأخرى، وأعطاه القوة على القيام بكل هذه الأعمال، ولكنه في كل الأحوال فهو مرتبط بالإرادة والقدرة الإلهية؛ إن شاء حدثت وإن لم يشأ لم تحدث.
ولهذا فإن الإمام علياً عليه السلام يقول في هذا الدعاء: ( إلهي ومولاي! أجريت على حكماً) فإن إجراء الأمر يعني حدوث العمل بيد الله، ثم قال: (اتبعت فيه هوى نفسي) يعني إن متابعة الهوى وترجيح جانب الشهوات يرتبط بالعبد نفسه، والشيطان يُزين هذا العمل، وبوسوسته يرجّح فيه جانب الشهوات والقضاء يساعده على ذلك؛ لأن الله سبحانه قدّر أن البشر مختار وكل ما يختار من أفعال؛ تحدث.
فالإنسان يستطيع في كل وقت أن يرتكب معصية، ويُمتحن المرء بأن تعرض عليه الشهوات فإن قاومها ولم يُطع هواه؛ فهو من الناجين. فالإنسان ليس مجبوراً، ولا أنه موكل بكل الأعمال بدون مساعدة وإرادة الله، ولكنه كما قال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: بين بين (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين).
ومن هنا نعرف أن في النسخ الصحيحة للدعاء وردت عبارة: ( فلك الحمد عليّ) هي العبارة الصحيحة أما عبارة: (فلك الحجّة علي) فهي أضعف؛ لإنها لاتبيّن أصل المقصود الذي شرحناه آنفاً.
وبعد مقدمات الدعاء تحول الإمام عليه السلام الى طلب الحوائج من الله تعالى فقال: (اللهم! فاقبل عذري وارحم شدّة ضري وفكني من شدّ وثاقي...) وفي نسخة الإقبال وردت جملة: (في سعة رحمتك) بدلاً من (في سعة من رحمتك).
بعد أن أظهر الإمام عليه السلام منتهى الضعف والعجز؛ ذكر الله سبحانه بأعظم الصفات الإلهية؛ العظمة والقدرة والغنى والرحمة والرأفة والعفو والمغفرة والجود والفضل، والنعم التي أنعمها على بني البشر، ثم علّق رجاءه بالرحمة الإلهية وطلب من الله أن يشمله برحمته وينجيه من العذاب الأليم؛ فذكر عليه السلام موجبات العفو الواحدة بعد الأخرى.
وسنذكر بالترتيب أسباب شمول ووقوع الرحمة الإلهية:
الأول: التوحيد الإلهي؛ الإنسان الموحّد، والذي لاتشوب قلبه شائبة من شرك؛ يرجو العفو الإلهي ويأمل الرحمة، مهما ارتكب من المعاصي التي هي دون الشرك بالله، أما الإنسان المشرك الذي يجعل مع الله إلهاً آخر في الخلق والرزق والعطية والموهبة والمغفرة والشفاء من الأمراض والإماتة والإحياء؛ فإن هذا الإنسان لايشمله العفو والمغفرة الإلهية ويخلد في جهنم أبداً.
وهناك دليلان في القرآن الكريم يدلان على هذا الأمر العظيم، ففي سورة النساء قال الله تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}. وهذه الأية ذُكرت في موردين، وعليه يمكن أن يشمل العفوالإلهي العبد الذي لم يُشرك بالله أحدا؛ً مهما كانت ذنوبه كبيرة.
ونضرب مثالاً على ذلك: إن (أبو النجم) الشاعر وقف يوماً على جنازة ابنته في وقت كان الناس يحفرون القبر لدفنها؛ فجاءه الحسن البصري ليعزيه فقال له الحسن البصري: يا أبا النجم ماذا أعددت لهذا وأشار الى القبر؟ فقال له أبو النجم: أعددت لهذا شهادة أن لا إله إلا الله مدّة ثمانين عاماً، يعني أنه ليس لي عمل يسهل له أمري بعد - ولأنه لم يكن معروفاً بالتقوى - ولكن أملي الوحيد هو التوحيد الإلهي الذي أنا معتقده منذ ثمانين عاماً وبعد أن مات أبو النجم رأى أصحابه في المنام إن أبا النجم له مقام شامخ في الجنة فسألوه: إنك لم تعمل خيراً في الدنيا فكيف وصلت الى هذا المقام؟ فأجاب: بنفس الجواب الذي أجاب به الحسن البصري.
وهذه العبارة مذكورة في دعاء السحر للإمام السجاد عليه السلام والذي رواه (ثابت بن دينار) المعروف (بأبي حمزة الثمالي) فبعد أن ذكر الإمام عليه السلام تضرعه وعجزه وأظهر الخضوع وبكى وتأوه لقلة فعله للخير؛ ذكر أمراً سكنت له نفسه ورضيت بعد طول المعاناة فقال عليه السلام: (فلك الحمد على ما نقّيت من الشرك قلبي).
والحقيقة وأنا أشرح هذا الدعاء أقول: بأني شخصياً ولعدة أسباب أرى نفسي مستحقاً لأنواع العذاب الإلهي، وتصل بي الأمور الى اليأس، ولكني وبفضل عقيدة التوحيد الخالص والإعتقاد الراسخ بنبذ الشرك؛ يعود لي الأمل بالعفو الإلهي الكبير؛ فتطمئن نفسي الى الخلاص من العقاب، ولكني أعلم أن الأمن من عذاب الله من الذنوب الكبيرة؛ فأخاف أيضاً من الوقوع في هذه المعصية الكبيرة: أي الأمن من عذاب الله.
وإنه ليرق قلبي لبعض البشر المتخبطين بالشرك مثل الشيوعيين والماديين وعبدة الأوثان وعبدة الأشخاص وسائر المذاهب الأخرى؛ التي تجعل مع الله إلهاً آخر. ويرق قلبي أكثر للناس الذين نشأوا في مهد الإسلام وولدوا في عوائل مسلمة؛ ولكنهم نبذواالتوحيد الخالص ومالوا الى الشرك؛ مثل المخدوعين الذين غرّتهم فلسفة اليونان التي تقوم أسسها على الشرك ومباديء الشرك؛ مثل القول( بوحدة الوجود) والقول (بالعقول والنفوس القديمة) وغيرها، وكذلك الغلاة وخاصًة فرقة الشيخية الضالة وفروعها وهي: الكشفية والبابية والبهائية والأزلية، وأمثال هذه الفرق التي أسسها أعداء الإسلام لكي يُضعفوا عقائد المسلمين، ويفرقوا كلمتهم؛ ليتسنى لهم السيطرة على بلاد المسلمين.
لينتبه أصحاب هذه الفرق والطوائف المنحرفة ماذا أعدوا ليوم القيامة؟ وكيف يخلصون أنفسهم من عذاب الله؟ أعوذ بالله من الشرك وأهله.
الثاني: معرفة الله؛ معرفة الله تؤدي الى اليقين بالنجاة من العذاب الإلهي، والمعرفة هي غير التوحيد، ومعناه: أن الإنسان يعتقد بأن الله منزه عن الحدود الزمانية والمكانية، وكذلك من الصفات الإنسانية التي يتصف بها المخلوقون، وكذلك تشمل كل ما ورد في الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الشريفة، والكتب التي تبحث في علم التوحيد.
ومن أفضل الكتب التي كتبت في التوحيد هو كتاب (المعارف المحمدية) والذي ألفته قبل ثلاثين سنة وطبع في مصر وهو يحتوي على التحميدات والتكبيرات وغيرها، والتي وردت عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيت العصمة من آله الطاهرين عليهم السلام، ومن أراد فليراجع هذا الكتاب.
في سورة البقرة يقول سبحانه وتعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} وأعظم الذكرالذي يوجب مغفرة الله تعالى؛ هي الصلاة اليومية في الليل والنهار.
وفي سورة هود قال سبحانه: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّالْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}. والمراد من { وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ } هو: صلاة الليل.
سأل أمير المؤمنين على عليه السلام أصحابه مرّة فقال: أي آية في كتاب الله أرجى؟ فقال أحدهم: قوله تعالى: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} وقال آخر: قوله تعالى: { لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} وقال ثالث: قوله تعالى: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} وقال رابع: قوله تعالى: { وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} وقال غيرهم: قوله تعالى: { وَالَّذِينَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةًأَوْ ظَلَمُواْأَنْفُسَهُمْ}.
فقال الإمام عليه السلام: كل هذه الآيات توجب الرجاء، ولكن هناك أرجى من كل هذه الآيات. فقالوا: وماهي ياأمير المؤمنين؟ قال عليه السلام: آية: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ...}. ثم قال عليه السلام: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: آية في كتاب الله هي: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ...} تغسل جميع الذنوب كما يغسل الماء أدران البدن، وكيف يكون حال امرء على باب داره نهر جار وهو يغتسل في هذا النهر في كل يوم خمس مرّات؟ فهل يبقى على بدنه من الأدران شيء؟ وهكذا تفعل الصلاة بالذنوب، إنتهى ملخصاً.
وقد ورد في الأخبار الكثيرة عن الشيعة والسنّة؛ إن الصلاة تمحو الذنوب.
وسر هذا الأمر ذكرته في كتاب (آحياء الشريعة في مذهب الشيعة) في باب العبادات، واستنتجت من ذلك؛ أن الخير كل الخير، والسعادة والشرف والقوّة والقدرة والعظمة ودوام الحكم ودفع البلايا والمصائب؛ تكمن في المواظبة على الصلاة. وطالما التزم المسلمون بها ولم يستخفوا بها لن يذلّوا أبداً، ونجاة المسلمين من الذلة والمسكنة والهوان منحصر في إقامة الصلاة؛ وبالخصوص صلاة الجمعة والتي تشمل كل الخيرات والحسنات.
وذكرت في آخر كتاب (كشف الأسرار) بعض أسرار الصلاة، يراجع هذا الكتاب. والويل لتاركي الصلاة في الدنيا والويل لهم في الآخرة.
وإن أعداء الإسلام يُشجعون المسلمين على التساهل في أداء الصلاة، وبعض المسلمين الجهلة يتبعون هؤلاء الأعداء فيُهلكون أنفسهم بأنفسهم.
ثالثا: التضرع والدعاء؛ فقد جاء في سورة الفرقان قوله تعالى: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}.
رابعاً: السجود لله من أفضل الأعمال فقد ورذ في الحديث الشريف تفسيراً لآيه سورة الأعراف قوله تعالى: { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}. فقد ورد أن الملائكة سألوا ربهم فكيف الخلاص وكل الطرق مسدودة؟ فجاء الخطاب من الله سبحانه: إني أبقيت لهم طريقين وهما؛ طريق من أعلى رؤوسهم والآخر من أسفل أقدامهم. ومعنى الحديث؛ هو الدعاء والسجود لأن الدعاء يصعد الى الأعلى، والسجود يكون على الأرض. وفي هذين الطريقين أسباب الخلاص ونجاة بنى الإنسان.
خامساً: شكر الله سبحانه؛ فقد جاء في سورة إبراهيم (ع) قوله تعالى: { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.
سادساً: الإعتراف بالألوهية في القلب، والتفكر في العظمة الإلهية؛ كما ورد في الحديث: (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة). ًوبذلك جاء في سورة آل عمران في وصف أولي الالباب قوله تعالى: { الَّذِينَيَذْكُرُونَ اللّهَقِيَامًا وَقُعُودًاوَعَلَىَ جُنُوبِهِمْوَيَتَفَكَّرُونَ فِيخَلْقِ السَّمَاوَاتِوَالأَرْضِ}. وكذلك ورد في القرآن الكريم في عبارات كثيرة ً: { أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}. ويشمل التفكر في كل العلوم؛ الطبيعية والفلكية والطب والتشريح وعلم الأحياء وعلم الفيزياء، وكلما اكتشف الإنسان من العلوم المتداولة في هذه الأيام، والتي ستُكتشف بعد ذلك، وكلما ارتقى البشر ازدادت علومه؛ فإن عظمة الله ستظهر جلية أكثر من ذي قبل.
سابعاً: ذكر الرجاء؛ وهو العلم الذي يؤدي الى الخضوع والخشوع لله، وليس العلم الذي تصاحبه الغفلة، فالعلم الذي يرافقه التوجه والإعتقاد بآثار التدبير والخلقة؛ يؤدي الى النجاة.
وأما العلم الذي تصاحبه الغفلة فإنه يوجب الهلاك والحسرات في الدنيا والآخرة.
ومثال هذا حال كثيرين؛ علماء الطبيعة والطب وعلم الفيزياء والكمياء وعلم الأحياء، وغيرهم من العلماء، فإنهم يشاهدون كل يوم آثار التدبير والقدرة الإلهية في كل ذرة من ذرات هذا الكون، ولكنهم ينكرون خالق ومدبر هذا الكون!!.
ثامناً: السعي الى المساجد والكعبة؛ بقصد العبادة.
تاسعاً: الإستغفار والإنابة؛ وقد ذكرت في أول الكتاب بعض آثار الإستغفار. قرأ الإمام على عليه السلام في خطبة له الآية ٣٣ من سورة الأنفال قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ثم قال: في هذه الآية طريقان لنجاة البشر واحدة رُفعت من الأرض يعني وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأخرى باقية ما بقي الدهر وهي؛ الإستغفار، فعليكم بالإستغفار.
عاشراً: الفضل والكرم الإلهي.
الحادي عشر: ضعف وعجز الإنسان؛ الأمر الذي يوجب الأمل بالنجاة والخلاص؛ هو أن الله سبحانه بعظمته وقوته كيف يعذب عبده مع ما يحمله هذا العبد من ضعف وعجز؛ كما جاء في سورة النساء قوله تعالى: { مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} ولكن هذا لايعني أن يأمن الإنسان من عذاب الله، لأن الله سبحانه وعد بالعذاب والعقاب على المعاصي وهو صادق الوعد والوعيد، ولكن جانب الرجاء والأمل أرجح من جانب اليأس من النجاة، كما ورد في أحد الأدعية عبارة: (يامن سبقت رحمته غضبه).
الثاني عشر: الإستغاثة والتضرّع والبكاء والخشوع أمام الله تعالى.
الثالث عشر: كثرة الرجاء والتوسل؛ كل هذه الأمور تُعطي الإنسان الأمل برحمة الله وبالخلاص من العذاب، وهذه الأمور ذكرناها وبشكل حتمي سوف يكون العبد مشمولاً برحمة الإله الغافر الرحيم.
وإن عذاب جهنم والنار تُصيب المشركين والمعاندين فقط الذين يكون منشؤ ارتكابهم للمعاصي ؛ العناد والإصرار ومحاربة الله حتى ولو قالوا نحن مسلمون بألسنتهم وهم كافرون بالفعل، وقولهم بألسنتهم نحن مسلمون لا يدل على أنهم مسلمون؛ لأن إنكار ضروريات الدين يستلزم الكفر وأي إنكار أكبر من عدم المبالاة بارتكاب المعاصي والنواهي الإلهية، والسخرية بأحكام الدين الواردة عن النبي صلى عليه وآله وسلم. وترك ضروريات الدين بالعمل؛ قطعاً أعظم من الإنكار بالقول.
اللهم أجرنا من عذابك وسخطك.
هناك بعض الأمور التي تبعث الأمل في نفوس الكفار مثلاً وجود الضعف والعجز عند الإنسان، وفي مقابله قوة وقدرة الخالق وعظمته، وكذلك تضرع الكفار وأنينهم ودعوتهم الويل الثبور في جهنم، هذه الأمور قد تعطي هؤلاء الكفار بعض الأمل في النجاة، ولكن هذه الأمور لاتنفع الكفار ولا تنقذهم، لأنه وكما مرّ في هذا الدعاء الشريف؛ إن الأدلة القوية التي تثبت أن ضعف الكفار لايستوجب الرحمة الإلهية لهذا الإنسان، وإن بكاء الكفار وعويلهم في النار لاينفع بدون التوحيد الذي كان عليه أن يلتزم به في حياته، والصراخ في نار جهنم بدون معرفة الله في الدنيا لا يكون سبباً لغفران الذنوب.

يتبع الجزء الاخير

أسألكم الدعاء

تحياتي

شمس الأصيل

__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

قديم 06-05-08, 10:58 PM   #10

نبتون
...(عضو شرف)...  







افكر

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


شكرا لكِ اختي الكريمة شمس الاصيل جهود موفقة ,

جعلها الله في ميزان أعمالك .



تحياتي.

__________________
منتدى تاروت الثقافي
بستان الفكر والمعرفة

نبتون غير متصل  

قديم 11-05-08, 01:21 AM   #11

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


الشكر لك أنت اخي نبتون على التواجد

نسألكم الدعاء

تحياتي

شمس الأصيل

__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

قديم 12-05-08, 06:04 AM   #12

هناء المغربي
...(عضو شرف)...

 
الصورة الرمزية هناء المغربي  






رايق

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


شرح رائع في دعاء كميل ....
سلمت أناملك شمس الأصيل ....

هناء المغربي غير متصل  

قديم 12-05-08, 02:37 PM   #13

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


الشكر لكِ عزيزتنا هناء

نسألكم الدعاء

تحياتي

شمس الأصيل

__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

قديم 12-05-08, 02:48 PM   #14

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


الجزء الأخير من شرح الدعاء..



وقد ورد في هذا الدعاء قول الإمام عليه السلام: (لئن تركتني ناطقاً لأضجن أليك بين أهلها ضجيج الآملين) وهذا لا ينافي الآيات القرآنية الكريمة التي تؤكد أن الله يختم على أفواه البشر يوم القيامة فلا يستطيعون الكلام، وإن أيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما فعلوا. فإن ختم الأفواه يكون فقط في المحشر وفي وقت الحساب، ولكن عندما ينتهي الحساب ويُعرف أهل الجنة، وأهل النار؛ عند ذلك يستطيعون الكلام.
والآيات التي سنذكرها تدل على ختم الأفواه في وقت الحساب، ففي سورة (يس) قال تعالى: { الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.


وكذلك آية سورة طه قوله تعالى:{ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}.

أما في جهنم فإن البشر يستطيعون الكلام؛ كما جاء في سورة الأعراف قوله تعالى: { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْعَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّاللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}.

وقال تعالى في سورة (ص): { وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ}.

وهناك آيات أخر تدل على أن أهل النار يتكلمون فيها ويصرخون ويستغيثون، كما جاء في سورة الزخرف قوله تعالى: { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ}.

ويُفهم من هذا الدعاء أن شؤم وشقاء الكفار؛ بسبب خَلق النار، ولو كان العصيان منحصراً بالفسق مع تمسك الإنسان بالتوحيد الخالص وعدم الشرك؛ لما خلق الله النار.

ولابأس هنا من ذكر أحد الإشكالات التي وقع فيها بعض المسلمين:
فقد أرسلت الجمعية الإسلامية في (لاهور) بعض المسائل التي طُرحت عليهم من قِبَل مسلمي (فنلنده) وطلبوا أجوبتها من الجمعية الإسلامية في لاهور، وطلبت الجمعية مني أجوبة هذه الإشكالات وهي كالتالي:
إن الله سبحانه قال في سورة ألم سجده: { حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}.

والإشكال هو أن الله سبحانه أقسم على نفسه أن يملأ جهنم من الجن والإنس قبل أن يخلقهم، فما هو ذنب المخلوقات حتى يُقسم الله سبحانه على هذا الأمر.

وجواب هذا الإشكال ذكره الإمام علي عليه السلام في هذا الدعاء وبالإستدلال بآيات القرآن الكريم كما جاء في سورة السجدة: { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}

والمراد به إن الفاسق يأخذ جزاءه من العذاب حسب عمله، والمؤمن يأخذ أجره من الثواب والنعمة بحسب عمله أيضاً، وإن الله سبحانه عندما أقسم أن يملأ جهنم من الجن والإنس؛ هؤلاء الذين عملوا السيئات باختيارهم وبمحض إرادتهم.

فهذه الآية تصرح بأن العذاب ينزل فقط بسبب ارتكاب الأعمال السيئة ونسيان يوم القيامة وترك العمل للآخرة، وكل إنسان بريء لم يعمل السيئات فإنه لايدخل النار ولايُعذّب.

وحسب مانعتقد إن إخواننا في الجمعية الإسلامية في فنلندة، وكذلك مسلمي لاهور قد قرأوا الآية: { حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } ولم يقرأوا الآيات بعدها ولهذا وقعوا في هذا الإشكال مع أن القرآن الكريم حلّ هذا الإشكال بشكل واضح ولم يُبق مجالاً للشك والشبهة.

ولقد وردت بعض الألفاظ اللغوية، والجمل الأدبية في الدعاء، ولعل أهل الأدب يحبون أن نشير إليها هنا؛ فقد وردت كلمة (تُراك) في مكانين وإعرابها كما يأتي:

تُرى فعل مضارع مبني للمجهول، ولا تكون الكاف نائب الفاعل هنا؛ لأن الكاف من ضمائر النصب وليست من ضمائرالرفع، ولذا فإن نائب الفاعل محذوف تقديره أنت والكاف زائدة، ومعذبي مفعول ثان، وكذلك (أفتراك تسمع) فكلمة تسمع تقوم مقام المفعول الثاني، وسبب زيادة الكاف هنا لأن الفعل المضارع مأخوذ من ماضي (أرأيتك) ولقد ورد لفظا (أرأيتك وأريتكم) كثيراً في لغة العرب، والقرآن الكريم، والسنة، وهي كلمة مجازية تأتي للتعجب، يعني أخبرني عن العمل الفلاني، أوأخبرني مع العلم إن وقوع الفعل غير متوقّع، وتاؤها مفتوحة دائماً، والكاف للخطاب، ويمكن وصفه على أنه مفعول؛ لأنه قد ورد في لغة العرب كثيرا. جملة ( أرأيتك فلاناً ماذا فعل) فإذا صارت الكاف مفعولاً فسوف لايكون لها معنى لأنه في هذه الحالة سيكون معناه (أرأيت نفسك فلاناً ماذا فعل) وهذا ليس له معنى، وكذلك لو أردنا أن نقول (أرأيتك فلاناً) فسيكون أيضاً لامعنى للجملة ولاتتم بها الفائدة؛ لأن في أفعال القلوب تتم الفائدة على المفعول الثاني لأن المفعول الأول والثاني كانا في الأصل مبتدأ وخباراً.

فقول الكوفيين بأن (الكاف والكم) في (أرأيتك ، وأريتكم) مفعول قول باطل، وخارج عن القواعد النحوية، والدليل على بطلان قول الكوفيين؛ أن هذا الدعاء قد ورد على لسان أبلغ العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد ورد بلفظ المضارع المجهول، ومع ذلك ذكرالكاف منصوباً مع أن حذف مفعول مبني للمجهول في المضارع مبدوء بتاء يجب أن يكون مستتراً، فتقدير الجملة يكون (أفترى أنت معذبي ورائي). أما إذا بُني للمعلوم فستكون الجملة (أفترى أنت نفسك معذبي) وبهذا الشكل تكون الكاف زائدة حتماً في هذه الحالة، فإن التاء في ماضي (أرأيتك وأرأيتكم) تكون مفتوحة دائماً، وتعيين المخاطب مذكراً كان أو مؤنثاً، جمع مؤنث كان أو جمع مذكر فسيكون كالآتي:

خطاب للمفرد المذكر ستكون كلمة (أرأيتكَ) بفتح الكاف. حطاب للمؤنث المفرد بكسر الكاف (أرأيتكِ). خطاب جمع المذكر سيكون (أرأيتكم). خطاب جمع المؤنث سيكون (أرأيتكن). وهذا كله يدل على أن الكاف لا محل لها من الإعراب وجاءت فقط لتعيين نوع المخاطب، ويمكن قراءة (أتراك ، أفتراك) في هذا الدعاء بصيغة المعلوم، ففي هذه الحالة يكون الفاعل مستتراً تقديره (أنت) والكاف مفعول أول، ومعذبي مفعول ثان. ولكن النسخة الواردة الصحيحة جاءت بتاء مجهولة.

وكذلك ورد في الدعاء الشريف جملة (فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي ! صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك) والفراق ليس عن ذات الله لأنه سبحانه لا يخلو منه مكان؛ إذن المراد منه هو الإبتعاد عن الرحمة الإلهية بحذف المضاف وبقاء المضاف إليه وهو الكاف، ومن الممكن أنه شبّه فراق الرحمة بفراق الذات، أو أنه لم يكن تشبيه وإنما جاء بصيغة الإستعارة، ويمكن أن يكون الفراق هو الفراق مابين العبد العاصي وبين أحباء الله وأوليائه.

وقد يخطر على بال أحد سؤال وهو؛ أنه طبقاً لما قلنا سابقاً أن الله سبحانه لايخلو منه مكان؛ فكيف توجد النار في مكان لايكون الله تعالى موجوداً فيه؟

والجواب على هذه الشبة: هو الإعتقاد بالتوحيد؛ يعني أن خالق المخلوقات كلها لا يشبه مخلوقاته، يعني أنه ليس هناك شيء يُلائمه أو شيء يضده وأن اللذة والألم بالنسبه للخالق ليس لها معنى ولايمكن تصورهما، فهو لايشبه المخلوقات والمجودات، وهو منزه عن أن يتأثر بشيء، وهو أعلى وأكبر وأقدس من أن يتأثر بالموجودات أو أن تؤثر فيه الموجودات؛ لأنه أرفع من هذا كله، فوجود الذات المقدسة للإله لاتمنع وجود الموجود؛ لأن الله هو خالق كل الموجودات.

وكذلك ورد في هذا الدعاء جملة (أين كنت ياولي المؤمنين) وفي بعض النسخ وردت جملة (أين أنت) بدلا عن (أين كنت) والصحيح (أين كنت) لأن المراد هو أين كنت عندما كان الملائكة يذهبون بي الى جهنم.

فأصل الرحمة الإلهية يمنع العبد من دخول جهنم. أما جملة (أين أنت) فإنها تعني؛ أنا الآن في جهنم فأين أنت.

وهناك وجوه أخرى لترجيح الجملة الأولى على الثانية لم نذكرها تركاً للإسهاب.

في جمل الدعاء (ياغاية آمال العارفين، ياغياث المستغيثين ياصريخ المستصرخين ويا إله العالمين).

جاءت النداءات الثلاث الأولى بدون واو، أما النداء الأخير فجاءت معه واو؛ والسبب إن صفة الألوهية تشمل جميع الصفات التي وردت قبلها، ويبين كذلك إن الصفات الثلاث الأولى ذكرت بدون واو وظهرت على أنها جميعاً صفة واحدة.
والسبب الآخر إنه أصبح الآن متداولاً عند الكتّاب المعاصرين وفي جميع اللغات إن النقاط المتعددة التي تأتي متعاقبة تذكر جميعها بدون واو عطف إلا النقطة الأخيرة فتأتي معها الواو؛ أي حرف العطف، وطريقة الكتابة الحديثة مقتبسة من هذا الدعاء البليغ. وبقول آخر؛ إن هذا الدعاء سبق الطرق الحديثة المتداولة هذا اليوم منذ قرابة أربعة عشر قرناً.

أما جملة: (ماكان لأحد فيها مقراً ولا مقاماً) يكون إعرابها كالتالي: إسم كان محذوف ويعود على هي، لأحد جار ومجرور متعلقٌ بـ(مقراً) فيها جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لأحد، وتقدير الجملة؛ أي لأحد كائن فيها مقراً ومقاما وكلمة (مقراً) خبر كان. والأبلغ من ذلك قول: (وما كانت لأحد فيها مقراً ولا مقاماً) ووجهة رجحان عبارات الدعاء وبلاغتها لاتخفى على أهل الأدب.

وقد ورد في نسخة الإقبال عبارة؛ للعقوبات بدل من في العقوبات. و(لهبها) بدلاً من (لهيبها) ولم يرد فيه لفظ (رأفتكورحمتك).

بعد أن ذكر الإمام عليه السلام قدرة الله وعظمته، وكذلك موجبات نزول الرحمة الإلهية على أفراد البشر؛ سأل حاجته من الله سبحانه وتعالى.

فهذا الترتيب يدل على أن هذه الأمورهي مقدمات استجابة الدعاء.

وباء (بالقدرة) سببية، ومعنى هذا الترتيب في الدعاء إن الداعي يقول: إلهي أنت قادر وغالب على كل شيء، وإن أزمّة الأمور والإختيار بيدك تفعل ما تريد، وكما أنك قادر على كل شيء فإني أطلب منك حوائجي.

ثم بين أن الملائكة وأيدي البشر وأرجلهم تشهد على أعمال العباد يوم القيامة في المحكمة الإلهية، والله سبحانه فوق كل هؤلاء الشهود وهو المسيطر والمراقب ولا يخرج أي شيء مهما كان بسيطاً من سلطان علمه.

وإن كل هذه الجمل أخذت من آيات القرآن الكريم؛ ففي سورة (ق) يقول سبحانه:{ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}.

وفي سورة (فصّلت) قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

وفي سورة المائدة قوله تعالى: { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. والآيات الكريمة التي وردت بهذا الخصوص كثيرة.

ولعن الله الفلاسفة والويل لهم! كيف لم يفهموا هذا الأمر وقالوا: إن الله سبحانه ليس بيده اختيار الأعمال، وليس له علم بجزئيات الحوادث، وألف ألف لعنة على الشيخية وبالخصوص صاحب كتاب إرشاد العوام! الذي أخذ هذا القول من الفلاسفة اليونانيين أصحاب الخرافات.

قال الشيخية إن الله سبحانه ليس له قدرة واختيار، وليس له علم بالجزئيات، وإن القدرة والإختيار في الخلق والعلم بالحوادث مختص (بالحقيقة المحمدية)؛ والتي تشمل محمداً وعلياً وأولاده والركن الرابع.

وقد اطّلعت على كتاب خرافات الشيخية المسمى (إرشاد العوام) وأشرت الى موارد الكفر في كتبهم الضالة المضلّة.

أراد الشيخية أن يغالوا في الإمام علي عليه السلام، ويوصلوه الى درجة الربوبية؛ فجعلوه كذّاباً - والعياذ بالله - لأن علياً عليه السلام في هذا الدعاء وجميع مواعظه التعليمية وخطبه يصرّح تكراراً: إن الله تعالى له الإختيار وهو المسيطر على الكون وإنه لايخرج من سلطانه شيء مهما كان صغيراً أو كبيراً إلا بعلمه، ومن ينكر هذه الأمور فإنه كافر كما وصفه الإمام عليه السلام.

إن أحد مستلزمات استجابة الدعاء تكرار كلمة (ربِّ) وقد جاء التأكيد عليه في الحديث؛ أن يقول الداعي: ثلاث مرّات (يارب) قبل طلب الحاجة وورد في بعض الأحاديث إذا قالها الداعي سبع مرات استجيب دعاؤه، وكذلك تكرار صمدية الله واستغنائه عن العباد واحتياج العباد له جلّت قدرته، وهذه كلها من وسائل استجابة الدعاء.

أما جملة (وأن تجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة) فإن كلمة الخدمة طاعة أمر الله سبحانه، وإلا فإن الله سبحانه لايحتاج الى خادم، وإن أعمال الخير التي يقوم بها الإنسان تكون لمنفعته الشخصية، فإن الله سبحانه لاينفعه شيء من هذه الأعمال.

وكلمة (وِِِِرد) بكسر الواو وسكون الراء؛ تعني العمل الذي ينجز في زمان معيّن.

ويطلب الإمام عليه السلام أن لايكون الورد محدوداً في زمان معيّن بل يكون في عبادة طول عمره وكأنه ورد واحد؛ يعني لايقوم بعمل في هذه الدنيا إلا وفيه إطاعة أوامر الله سبحانه، وهكذا كان عليه السلام؛ قبل البلوغ، وفي سن العاشرة نهض لنصرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأول مَن تَشرّف بدين الإسلام قبل البلوغ؛ يعني أنه لم يتلوّث بأنجاس الجاهلية كما تلوّث به بقيّة الصحابة.

فقد كان الإمام على عليه السلام منذ البداية يُصلّي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويدفع عنه الكُرَب، ويزيل عنه الهم والغم، وكان يقضي الليل بالعبادة ونهاره بالدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وردِّ هجوم ومكر الكفّار، ولم يتأخر لحظة عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وبعد رحلة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم صرف النظر عن الخلافة وهي حقّه المطلق؛ وذلك لحفظ وحدة المسلمين، وحفظ بيضة الإسلام. وعمل على تسديد وإرشاد الخلفاء حتى لايقعوا في خطأ يسبب خللاً في الإسلام.

وفي أيام خلافته زيادة على قيامه برتق أمور المسلمين؛ قام بدفع الناكثين الذين نقضوا بيعته وحاربوه في البصرة، وكذلك حارب القاسطين الظلمة من أصحاب معاوية وأتباعه، وكذلك قضى على المارقين وشتتهم، وهم خوارج النهروان الذين خرجوا من الدين.

اشتغل بهذه الأمور ولم ير الراحة في خلافته مطلقاً.

ولم يأخذ من بيت مال المسلمين غير اللباس العادي وقرص خبز الشعير.
كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول قائد في الإسلام، وفي زمن الخلفاء كان مشاوراً وهادياً لهم، وعاش في خلافته على منوال واحد لم يُغرِه المُلك، ولم تَغرّه الدنيا، ومع كل ذلك كان يُحيي الأراضي الموات بيده، ويغرس الأشجار، وقد زرع منطقة كبيرة؛ فبدأ من (القطقطانية) وانتهي (بالكوفة) زرعها بأشجار النخيل وسقاها بيده، وهذه بحد ذاتها تُعتبر أكبر ثروة في ذلك الزمان.

هذا الإنسان العظيم لم يأخذ شيئاً من حطام الدنيا لنفسه، ولكنه أحيى ملايين الهكتارات من الأراضي الموات للمسلمين.

هذا هو علي عليه السلام عندما يدعو بهذا الدعاء فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب له دعوته، ويكون تمام عمره في طاعة الله سبحانه وخدمته.

جاء في نسخة الإقبال كلمة (أنزلته) بدلاً من (تنزله) وبدلاً (من الليل) كلمة (في الليل). وجاءت كلمة (فضّلته) بدلاً من (تفضله) و(نشرته) بدلاً من (تنشره) و(بسطته) بدلاً من (تبسطه) . يعني وردت أفعال ماضية بدل من الأفعال المضارعة.

ثم كرر الإمام عليه السلام التضرع وإظهار العبودية والإنقطاع التام الى الله سبحانه، والذي ليس في هذا العالم ملجأ ولا ملاذ ولا ناصر غيره.

ثم طلب من الله سبحانه حاجة غفل عنها المسلمون؛ وهي تقوية العضلات، لأن من الأمور المطلوبة في الشريعة الإسلامية هي تقوية الجسم، ونرى أن الإمام عليه السلام في الليل وفي وقت المناجاة يطلب من الله سبحانه أن يقوي جسمه وعضلاته، لذا فإن كل وسيلة تكون مفيدة لتقوية العضلات مطلوبة في الشرع الإسلامي، من هنا يُعرف أن أنواع الرياضة هي من الأمور الشرعية، ولكن قسماً من الناس لم يستجيبوا للأوامر الإلهية وتركوا هذا الأمر، وفهم الناس للرياضة على قسمين:
قسم منهم توهم بأن الرياضة غير مطلوبة؛ فتركوها؛ فأصابهم ضعف الأعصاب والعضلات وأصبحوا عاجزين، والأنكى من ذلك إنهم يعتقدون بأن الضعف والوهن والخمول هو من مستلزمات الدين والشريعة.

أما القسم الثاني الذين يمارسون الرياضة ولكنهم حصلوا على نتيجة سلبية؛ لأنهم يمارسون الرياضة وهم في حالة من السكر وتهيج الشهوات والرقص مع النساء وعزف الموسيقى، وهذه الرياضة ولو أنها في الظاهر تُنمّي العضلات إلا أنها تقضي على القوّة المعنوية للإنسان وتسبب الخلل العقلي والدماغي، وكثير من هؤلاء يُصابون بالسكتة القلبية أو العصبية أو الدماغية أو الرئوية، وعلى الأقل يصابون بالشلل العضوي في أحد الأطراف؛ لذا نلاحظ إن رياضي هذا العصر يكون عمرهم قصيراً نسبة الى الرياضيين السابقين، وغالباً ما يموت الرياضيون وهم في عمر الشباب ولا يحصلون على النتيجة المطلوبة من الرياضة.

والرياضة الصحيحة: هي إقامة الصلاة، وبالخصوص صلاة الليل في وقتها قبل الفجر، وفي الهواء الطلق المنعش.

ولا يُتَصَوَّر إن فائدة الصلاة تنحصر في رياضتها البدنية والقيام والقعود والحركة؛ وإنما لها فوائد كثيرة، وكثير من العلماء كتبوا كتباً باسم أسرار الصلاة. وأقل فوائد الصلاة هي الرياضة.

ثم يأتي بعد الصلاة ركوب الخيل والرماية والتي خصص لها في الكتب الفقهيةً باب سُمي باب السبق والرماية، والمشي والذي أمر به الشرع بالخصوص؛ في الحج والزيارة.

أما السباحة وغيرها من الرياضات هي جيدة ومفيدة إذا لم تختلط بتهيج الشهوات والملذات بواسطة الغناء والرقص وشرب الخمر الذي يسبب الصدمات الدماغية والقلبية التي ذكرناها آنفاً.

وجاءت في القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على القوّّة والنشاط؛ ففي سورة الأعراف قال تعالى: { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} الى أن قال: { وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}.

وفي سورة مريم قوله تعالى: { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ }.

وفي سورة الأنفال قوله سبحانه: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.

وفي سورة البقرة قوله تعالى: { خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}.

وفي مجمع البيان ضمن تفسير الآية الأخيرة روي إنه سُئل الإمام الصادق عليه السلام: هل المراد من القوّة ؛ الأبدان أم القلوب؟ فقال عليه السلام: (كلاهما).

وآية سورة الأنفال عامّة تشمل جميع الإستعدادات، وتهيئة القوة بدون استثناء، ومن جملتها وسائل تقوية العضلات للدفاع عن النفس؛ يعني إذا أراد أحد أن يعتدي على غيره ويهجم عليه؛ فالدفاع في هذه الحالة واجب، وبدون الدفاع عن النفس والممتلكات والنواميس يختل النظام العام. ولا عبرة بكلام الإنجيل السائد اليوم الذي يقول: (إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فقدّم له خدّك الأيسر، وإذا سرق أحد ثوبك فقدّم له قباءك).

هذا كلام الجهلة الذين لايفقهون وضع الدنيا، ولا يعرفون المصالح والمفاسد فيها، فإذا عمل البشر بهذا القانون فإن وضع الدنيا سيسوده الهرج والمرج، وسوف لايمنع شهوات الفاسدين والمفسدين مانع، ولا يردعهم رادع إلا بزوال الدنيا، بالإضافة الى ذلك فإن هذا القانون غير قابل للتنفيذ منذ زمان الحواريين الى اليوم، ولم يطبقوا هذا القانون بل عملوا عكسه.
والقانون الوحيد العادل الذي يصلح لإدارة البشر هو القانون الذي ورد في هذا الدعاء وهو؛ إذا هوجم الإنسان من قِبل الأشرار فعليه الدفاع.

وهذا القانون منصوص عليه في القرآن الكريم في آيات عديدة في سورة الشورى، وآخر سورة النحل، وغيرهما. ففي سورة الشورى قوله تعالى: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}.

وجاء في آخر سورة النحل مايؤكد ذلك في قوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}.

فليس العدل سلب المظلوم حقّه في الدفاع، وفسح المجال أمام الظالم لكي يظلم ويعتدي كما يقول بذلك الإنجيل، ودين (براهما وبوذا).

والخلاصة إن أحقيّة دين الإسلام على غيره من الأديان؛ هو أن الأديان الأخرى لم تتطرق الى أمور الدنيا، وإن متبعي هذه الأديان قد حُرموا حق الدفاع عن النفس، أما الإسلام في نفس الوقت الذي يؤكد فيه على المحبة والإحسان للمذنبين؛ فإنه لايغفل عن أمورالدنيا ومتطلباتها؛ فأعطى المظلومين حق الدفاع عن أنفسهم، بل عدّ الصبر وتحمل الظلم من الذنوب الكبيرة إلا في حالة واحدة؛ وهي عند القدرة والتسلط على الظالمين، ففي هذه الحالة يكون العفو من الأمور المستحسنة.

فالإسلام في الوقت الذي يؤكد على أمور الآخرة فإنه لاينسى الدنيا. ففي سؤرة القصص قوله تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَنَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَوَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّالْمُفْسِدِينَ}.

هذا الأمر مراعاة العدالة من الله تعالى العادل؛ يجعل الدين الإسلامي متفوقاً على جميع الأديان ويكون إصلاح أمور أهل الأرض عن طريقه فقط بشرط تطبيقه كما أنزله الله تعالى وفي كل الأمور.

ورد في الحديث: (ليس منّا من ترك آخرته لدنياه، وليس منّا من ترك دنياه لآخرته) فطبقاً لهذا الحديث الشريف الذي جاء ضمن أحاديث الكافي؛ إن من انزوى وترك الدنيا فليس بمسلم، وكذلك من انغمس في أمور الدنيا ولم يعمل للآخرة. فيجب على الإنسان أن يوفّق بين العمل للدنيا والعمل للآخرة كما ورد في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.

وبالجملة أن تهيئة أنواع القوى والرياضة للعضلات البدنية والشدّة والقوّة للأعضاء الداخلية؛ يجب أن يكون حاصلها الجدّ في الأعمال، وهذه القوى يجب أن يُستفاد منها في الحلال وإطاعة أوامر الله سبحانه، لخدمة البشر وعمران الأرض والرحمة بالحيوانات ورعايتها، وليس لاستخدامها للتعالي والتفوّق على الآخرين وظلم العباد والإعتداء عليهم، ويجب الإستفادة من هذه القوى لدفع فساد المفسدين.

هذا هو الإسلام وهو وحده القادر على إدارة العالم والمجتمع الإنساني الى طريق السعادة.

إن القوانين الموجودة في الشريعة الإسلامية تجعلنا نُصرّ على القول: إن غير قوانين الإسلام؛ محال أن تستطيع حكم العالم حكومة عادلة بالحق.

ثم بدأ الإمام عليه السلام بطلب الحوائج بالترتيب المذكور في الدعاء، وطلب استجابة الدعاء من الله سبحانه.

والله سبحانه أمرنا بالدعاء وضمن لنا الإجابة كما ورد في الآية الكريمة من سورة غافر قال تعالى: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.

أما إذا لم يستجب دعاءنا؛ فذلك بسبب ذنوبنا التي تمنع استجابة الدعاء، وقد أشير إليه في صدر الدعاء.

وقد ورد أيضاً في الدعاء ذكر الإنس والجن، وقد يحدث بين الإنس والجن أحياناً بعض العداوات، وقد ورد إسم الجن في العديد من السور القرآنية؛ مثل سورة الجن والأحقاف والأعراف والأنعام، ولكن بعض الجهّال الذين لايصل علمهم أكثر من حدود عيونهم وآذانهم، ولا يعلمون شيئاً من عالم ما وراء المادّة، وبالأحرى إنهم لا يعلمون ما وراء الحس في عالم المادّة؛ فينكرون الجن ويتصورون إن المخلوقات الإلهية منحصرة بعدّة أنواع.

والإسلام يعتبر إنكار وجود الجن مُجار للكفر؛ لأنه يستلزم تكذيب القرآن الكريم، بل إنه الكفر بعينه. والإكتشافات الحديثة تؤيد وجود قوى لا تُدرك بالحواس الخمسة التي يملكها الإنسان ولم يُدرك ماهيتها؛ مثل القوى (المغناطيسية) والقوّة (الكهربائية) وقوّة (الجاذبية العامّة) وأمثالها، فكيف ينكر الجن من يعرف هذه العلوم بحجّة أنه لم يشاهد الجن! وجوابه واضح؛ فإن العالم لم يشاهد القوة المغناطيسية والجاذبية العامة كيف اعترف بوجودها مع العلم إنه لم يشاهدها؟ فإنكار الجن والموجودات التي لا تُرى بالعين إنما يدل على الجهل وعدم التفكر وليس له تعليل آخر.

وفي هذا الدعاء الدواء الحقيقي؛ وهو إسم الله، والشفاء الواقعي هو ذكر الله، وإن المقيدين بأغلال الأفكار المادية محرومون من هذا الدواء والشفاء.

نسأل الله أن لا يحرمنا من بركات ذكره وشكره، وأن يتفضل علينا؛ حتى نعرف وندرك معنوية هذا الدواء وهذا الشفاء، وأن نستفيد منه استفادة تامّة؛ لأنه ليس لنا شفاء حقيقي إلا بهذا الدواء. وأن يجعل سبحانه رأس مالنا الرجاء وسلاحنا البكاء، مثلنا في ذلك مثل الطفل الوليد إذا جاع واحتاج الرضاعة فإنه يبكي، وإذا آلمه شيء أو أزعجه بلل ملابسه فإنه يبكي، وكل ما يحدث له شيء يبكي، لأنه لايستطيع الإفصاح عنه، ولا رفعه ودفعه عن نفسه.

ونحن نخدع أنفسنا حينما نتصور أن لنا قوّة وحولاً وطولاً.
وهذا الدعاء عرّفنا بحقيقة أنفسنا.

ويجب علينا أن نلتزم به، وأن نعمل بما أمرنا ربنا، وأن ننتهي عن نواهيه. ويجب أن نسعى فى كل الأمورلإرضاء ربنا وشكر نعمه التي أنعمها علينا.

أما في الأمور التي ليس لنا وسيلة إليها؛ فعلينا أن نتوسل ونتوكّل على الله، وأن نصبر على الشدائد، وأن نتوجه دائماً الى الله، وأن نطلب منه فقط دفع الضر والشرّ وجلب الخير.
وأن نعلم بأنه ليس لنا ملجأ ولا ملاذ إلا الله سبحانه، وإن قدرته فائقة لايمنعها مانع

كما قال تعالى في سورة يونس:
وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنيُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْعِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

وصلى الله على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين



بقلم : محمد بن محمد مهدي الخالصي الكاظمي
وقع الفراغ منه في ليلة الجمعة
الرابع من ربيع الثاني سنة ١٣٦٧هجري قمري
في مدينة (يزد)


أسألكم الدعاء ومعذرة على التطويل

تحياتي

شمس الأصيل
__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل  

 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دعاء كميل بصوت أبو فراس البرني تَرَانِيمْ ركن الرسائل والصوتيات 9 12-11-09 03:56 AM
برنامج مفاتيح الجنان للجوال دانيال ركن البرامج والثيمات 9 30-10-09 01:44 AM
شرح الذنوب المذكوره في دعاء كميل بن زياد شمس الأصيل منتدى الثقافة الإسلامية 5 08-04-08 02:06 AM
هل من الممكن دعاء كميل بصوت عبد الحي قنبر فدوى الإمام ركن الرسائل والصوتيات 6 11-03-08 01:46 PM

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
المنتدى يستخدم برنامج الفريق الأمني للحماية
مدونة نضال التقنية نسخ أحتياطي يومي للمنتدى TESTED DAILY فحص يومي ضد الإختراق المنتدى الرسمي لسيارة Cx-9
.:: جميع الحقوق محفوظة 2023 م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 02:04 PM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.11
Copyright © 2013-2019 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited