عرض مشاركة واحدة
قديم 30-12-07, 10:33 PM   #240

شموع الامل
عضوية الإمتياز

 
الصورة الرمزية شموع الامل  







ملل

رد: موسوعة أسرتى وطفلى.كيف تربين وتتعاملن مع طفلك متجدد




تدني الوعي بقيمة التعليم يوسّع انتشار عمالة الأطفال






* أمينة خيري
وقفت ميادة تغسل جبلاً من الصحون والاواني المكدسة امامها، وعلى رغم سنوات عمرها التي لم تتعد 12 عاماً، تحمل سيرتها الذاتية اربع سنوات من الخبرة والاعمال الشاقة في المنازل التي يرسلها اليها "المخدماتي" لتسهم في ميزانية الاسرة المكونة من ثمانية اطفال - غيرها - والام. وكلهم يعيشون في غرفة واحدة في احدى قرى محافظة المنوفية، أما الاب فقد سافر للعمل في "الخليج" وعاد قبل ثلاثة اعوام جثة هامدة بعد وفاته في حادث سير.
وإضافة الى خبرتها في المسح والكنس والطهي، تحمل ميادة خبرة عام واحد في التعليم الإلزامي. وتحدث بفخر شديد عن العام الدراسي الذي امضته في الصف الاول الابتدائي في قريتها.
تقول: "في الحقيقة لم اكن افهم شيئاً مما تتحدث عنه "الأبْلة" (المعلمة) في الفصل، إذ كانت دائمة الصياح فيّ وزملائي البالغ عددهم نحو 50 طفلاً، لكي اكتب اسمي، وكنت إلى وقت قريب أتمكن من تسميع الألف باء، لكنني نسيت ترتيب الحروف، فعقلي ليس دفتراً، ويكفيني شغل البيت".
وتعد ميادة محظوظة جداً مقارنة بـ"ريم" البالغة من العمر 13 عاماً، فريم هي الاخرى تعمل مذ كانت في السابعة من عمرها، لكنها تعمل في فرن لسباكة المعادن في منطقة "شبرا الخيمة" العامرة بالورش الصناعية، وتلك الورش معروف عنها تشغيل اعداد كبيرة من الاطفال، على رغم ان القانون يحرم ذلك.
ومع أن ريم لا تشارك مباشرة في عملية الحصول على الحديد المصهور واعادة تشكيله والتي تصل حرارة الافران فيها الى سبعة آلاف درجة مئوية، فهي تظل دائماً عرضة للخطر. وتقول: لا يوجد شخص هنا بعيد من الخطر. وحينما يفتح الفرن، تتسرب غازات واتربة وسخونة وروائح خانقة".
على مدى السنوات العشر الماضية تصدرت قضية عمل الاطفال قائمة اهتمامات المجتمع المصري، الا ان نسبة المتسربين من التعليم في زيادة مستمرة وحدتها ما زالت تعرقل اي نجاح. امين عام المجلس القومي للطفولة والامومة السفيرة مشيرة خطاب نفت في حديثها لـ"الحياة" ان يكون العامل الاقتصادي وحده المحرك الذي يدفع الاطفال الى التسرب من التعليم للحاق بسوق العمل. وتشرح: "المشكلة الحقيقية تكمن في تدني الوعي بقيمة التعليم بين محدودي الدخل الذين يربطون بين قيمة التعليم والعائد المادي منه".
ويترجم "عم احمد" - حارس عمارة سكنية - هذه النظرية الى ارض الواقع، فهو يحتفظ بأربعة من ابنائه الستة في منظومة التعليم الحكومي. يقول عم احمد بعقلية تنافس خبراء صندوق النقد الدولي: "العيّل (الطفل) الواحد يكلفني نحو جنيهين يومياً ليتوجه الى المدرسة، بين مصروف يده وكلفة استهلاك الحذاء وملابس المدرسة، في حين يدر عائداً يومياً لا يقل عن خمسة جنيهات لو ظل في البيت، فهو يغسل سيارات السكان، ويشتري لهم الطلبات وهم بالتالي يعطونه الكثير".
وتقول خطاب ان تلك المعادلة تدفع بكثيرين الى التوقف عن ارسال الابناء الى المدرسة، مع العمل على زيادة عدد الابناء كمصدر اضافي للرزق. من جهته يحاول المجلس القومي للطفولة والامومة توعية الوالدين عن قيمة التعليم ليس كقيمة مادية، بل لأنه يوسع الخيارات المتاحة امام الطفل في المستقبل، مع تمتعه بحقوقه كطفل اليوم وكشاب غداً.
وهنا تشير استاذة علم النفس الدكتورة ناهد رمزي الى الصلة المباشرة بين عدم التحاق الفتيات بالتعليم او تسربهن منه، ودفعهن الى حقل العمل في مرحلة عمرية مبكرة يجرمها القانون. وهو ما يؤدي الى انخراطهن في العمل في الخفاء.
وتخلص ناهد رمزي في دراستها "حماية صغار الفتيات في سوق العمل" في البلدان العربية الى ان "الأسر ذات المستوى الاقتصادي المتواضع الذي لا يؤهلها تعليم بناتها على استعداد للتضحية بتعليمهن، تتحول الفتيات فيها احياناً الى مشاركات في الإعالة الاقتصادية من أجل تعليم الأخوة الذكور، ما يعني أن الفتاة تظل ضحية مجتمع يؤكد التفاوت بين الجنسين، ويعطي الأولوية للذكور، ليس فقط في إتاحة فرص أفضل في التعليم، بل ايضاً في من يتحمل العبء الاقتصادي اذا دعت الحاجة الى ذلك.
وتقترح منظمة "يونيسف" استناداً الى دراسة اجرتها، إشراك المتسربين من المدارس في تحديد المجالات التي يجب تغطيتها، بدلاً من أن يحددها الكبار وحدهم، مثل محو الأمية والتدريب المهني، والمهارات الحياتية، والترفيه، والموسيقى، والتدريب على الكومبيوتر والقروض للمشاريع الصغيرة.
وتشير مدير ةبرنامج حماية الطفل في المنظمة نادرة زكي الى أن المنظمة تقدم بدورها العون التقني للحكومة المصرية في مجال حماية الاطفال المعرضين للتسرب من المدارس.
ففي الاسكندرية مثلاً تشارك يونيسف مع جمعية أهلية منذ ما يزيد على ست سنوات لتنظيم يوم ترفيهي للاطفال العاملين اسبوعياً. ويتخلله تقديم الرعاية الصحية والتدريب المهني، مع إقامة علاقة مع اصحاب العمل لتوعيتهم بحقوق الاطفال العاملين لديهم. وتنوي "يونيسف" الانتقال ببرامج مكافحة التسرب من المدرسة الى الريف العام المقبل لأن ظاهرة التسرب هناك مختلفة تماماً.
عمل الأطفال سبب للفقر ونتيجة له، ففقر الأسرة يدفع بأطفالها الى التسرب من المدارس الى سوق العمل لزيادة الدخل ومحاولة البقاء. كذلك يتسبب في استمرار فقر الاسرة من جيل الى جيل، وفي إبطاء معدل النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، فهو يمنع الاطفال من اكتساب التعليم والمهارات التي ستساعدهم في المستقبل في توسيع فرص العمل.
لكن الفقر وحده ليس مسؤولاً عن التسرب، فهناك عوامل عدة مثل نقص التوعية، وعدم المساواة، والاعتماد الكبير على الزراعة في الاقتصاد، اضافة الى التقاليد والتوقعات الثقافية. الثقافة، العقلية، الاقتصاد... وغير ذلك عوامل تحدد الى أين يذهب الطفل في الصباح: المدرسة أم الورشة؟ وغداً؟ الى عمل يناسب تعليمه او يختفي مع ملايين العاطلين أو المهمشين في سوق العمالة الموازية.

شموع الامل غير متصل