" تمنيتُ لو أن لـِ الذاكرة اكسيرا يُعيد اليها كُل ما حدث في تسلسه الزمني، واقعة واقعة ، و يُجسدهاالفاظا تنهال على الورق".
لعل من حقي الآن أن ألجأ إلى عبارة وليد مسعود هذة التي كثيرا ما كررها في أشهره الأخيرة . نحن العوبة ذكرياتنا ، مهما قاومنا . خلاصتها ، و ضحاياها معها . تُسطير علينا ، تُحلي المرارة ، تُراوغنا، تُذهب أنفسنا حسرات ، عن حق أو غير حق. كيف نمسك بهذة الأحلام المعكوسة ، هذة الأحلام التي تُجمد الماضي و تُطلقهُ معا ، هذة الصور المتناثرة أحيانا كالغيوم فوق سهوب الذهن، المضغوطة احيانا كالماسات الثمينة بين تلافيف النفس ؟
في الشباب نخجل من الأستغراق في الذكريات ، لأن الحاظر و المستقبل أهم و أضخم . و لكننا مع تقدم السنين ، يَقل فينا الخجل من الأنزلاق نحو الذكريات. لا لأن الحاظر و المستقبل يفقدان الأهمية و الضخامة - و لو أن ذلك أيضا مُمكن - بل لأننا لا نتحمل منهما الكثير إلا بطلب من المدد من تجاربنا العتيقة- تلك التجارب ، سارّها و اليمها ، التي تشتد في الذهن بريقا و تشتد ابهاما ، في آن واحد. و هات يا صبر ، و هاتي يا مثابرة ، و هاتي يا كلمات ، لـ تبيانها بشئ من الوضوح ، لـ إقحامها في أسطر مفهومة.
أسطر مفهومة. كل سطر بـ سنة ، أو بـِ شهر ، أو على الأقل بيوم .
كيف يمكن لـ سطر كـ هذا أن يكون مفهوما ، و كل كلمة فيه مشدودة إلى أوتار متباعدة في فيافي النفس الفسيحة ، الملأى بـ أوتاد خيام ضُربت و رُفعت بـ المئات؟
من المُحتمل ان ذلك وهم من اوهامي. من المُحتمل انني كنت امسك بيدي بخيوط علاقات و صداقات أفلتت أطرافها البعيدة و تاهت ، رغم بقاء الأطراف القريبة بيدي. غير انني كُنت أتصرف كأنما الخيوط متصلة ، و كأنما الولاءات مُتبادلة ، رغم كُلِّ شئ . لا أنكر انني كُنت أُصدم بين حين و آخر، إذ أجد الشخص الآخر يتصرف فجأة كأنهُ لم يَعرفني قَط، كأننا لم نأكل خُبزا و ملحا معا، أو كأنني حملت لهُ جفاء يَصرُّ على مقابلته بـِ الجفاء. و لكن أمثال هذا الشخص كانوا في تجربتي قلائل ، و على الأرجح غير مُهمين . أما أن أرى رجل أعزه - فتلك كانت الخيبة المُرّة و الجُرح العَميق. و مثل ذلك حدث لي مرة أو مرتين مع وليد نفسه، و حَملتُ منه الخيبة و الجُرح صامتا إلى أن جاء إليَّ ضاحكا، مُعانقا ، مرة أخرى. كنت أغتفر لهُ كُلَّ شئ، حتى مقدرته على الجفوة الفجائية. أجد لهُ تبريرات قد لا تخطر ببالهِ هو ، بل قد يرفضها.
ففي السنوات الأخيرة كُنت ارقبه، و أخشى عليه ، أرى خطوطا جديدة تتكاثر كُل يوم حول عينيه، حول فمه. عشرين سنة عرفته، و التراب يتحول إلى ذهب بين يديه. و رأيته و هو يرفض ذلك كُله، و شئ اشبه بالتصدع يتّبدى في كيانه ، كأنه تفاعلا كيماويا داخليا جعل يكشف عن نفسه في صوته ، في كلماته ، في عينيه.
كان وليد يبحث دائما عن ذلك التوزان الذي تَحدّث عنه طوال حياته، و لم يَجده قط. كان يقول ان " التوزان " كلمة تقريبية، و لكنها تفي بالغرض قبل أن يخوض المرء في التفاصيل . في عالم الرعب ، و القتل ، و الجوع ، و الكراهية ، كيف تجد توازنك الذهني ، أو النفسي أو الجسدي، أو الأجتماعي- سمّهِ ما شئت- دون ان تشعربإنك تقف من الأنسانية على طرف بعيد؟ كيف تكون انسانا ، و تتخطى المشاكل الأنسانية؟ التوازن بالطبع كان سرابا ، يغري و لكنه لا يخدع طويلا. و مع ذلك ، لم ييأس وليد . أو أني رفضت الظن بأن اليأس يستطيع الأخد منه . كان يمر بـ أزمات عسيرة: يَكفر ، يسدّ أذنيه ، يُعلن سطوة الشر على الحياة، ينال الغضب منه لأيام متوالية . و لو وقف عند ذلك الحدَ، لما كان في أمره ما يستحق الذكر. يجلسون في المقاهي و يتكلمون كلاما كهذا. يلتقون في البيوت ، و ينتهون الى مثل هذة النتيجة. و ذلك كُلهُ أمر عادي في هذة الأيام . المهم هو أن وليد لم تكن تطول به الأزمات الى حدَ تلك البلادة تجاه الحياة و تقلباتها التي ماهي إلا وجه من وجوه اليأس المكتوم الذي يعيشه معظم الناس.
و التفاؤل بالطبع ، يمكن هو أن يكون ضحلا و تافها كالتشاؤم.
" التفاؤل بـِماذا بالضبط ؟ "
الواقع ان تساؤلا كـ هذا لا يوقف وليد طويلا . لـ الطلاب الجامعيين أن يتشاؤموا، و يتفاؤلوا، أن يشتموا و يغضبوا ، و يتصوروا أن ثمة بديلا رائها يستطيعون تحقيقه. هذا من حَقهم. من واجبهم. أما وليد فقد مرَّ بذلك منذ سنين بعيدة ، و أنتهى منه؟
ماذا اذن بقي له ؟ التوازن .
كيف؟ على أيه نقطة من نقاط الخطّ المُتعرج الرجراج يُقيمه، و عالمه زّلِق، مُقلقل ، في صعود و هبوط مستمرين يتخطيان العقل و المنطق؟ كان يقول أحيانا أنه لو عاش في عصر مضى، لربما استطاع ان يتحدث عن امكانية ايجاد التوازن في الفن، في الدين ، في التوحد بالجمال مثلا- على طريقة بعض قُدامى المُتصوفين. التوحد بالجمال بعبادته، المُبالغة في العبارة، يقول : تبدو مُضحكة؟ أعباده ؟ و هو لم يعرفها حتى في الدين؟ أُيحرف بُخورا ؟ أيكتب قصائد لا يقرأها لأحد و يتلوها ساعات الفجر كالأدعية ؟ أيُعانق أمرأة جميلة ، و يتحسسها و يتشهاها حتى لحظة القذف ، و يزعم أنهُ عبدها ؟ و بعد ذلك ، و مع ذلك ، بعد التحدّي و العنف ، بعد الصراع و الضرب و المغامرة بُكلِّ شئ ، فإن الجمال في النهاية ، هو الأهم ، كان يقول . التأمل فيه ، كـ تأمل الصوفيّ في ذات الله . في وسط الضجيج، صوت قرير. في خِضمّ المُتناقضات، تناغم خَفيّ محسوس، و بين أطراف الجذب و الدفع ، نُقطة ساكنة عميقة: عين العاصفة ، النشوة التي يُعجز عنها الكلام في عالم من الهَذر و الخوف المُقنّع.
" عندما رأيت لأول مرة ، و كنتُ في اول الشباب ، جماعة من الناس يتحدثون ، ثم يلتفتون حولهم مذعورين و يسألون : هل سَمعنا أحد ؟ أصابني الهلع . أهكذا نخاف أن يعرف الآخرون مذا نقول ؟ و مع السنين تكرر التلفت المذعور ، و السؤال القلق ، إلى أن أصبح امرا عاديا. أَصبح الرعب جزءا من حياتنا نُعايشه، و نتحايل عليه، كيفما اتفق ، و أصبح الجزء الأكبر من تفكيرنا تفكير المتآمر، تفكير الخائف، تفكير المُتقي شر الناس. تحت تأثير هذا الضرب من التفكير يطلبون إليك أن تُبدع، أن تُلقي يلآلئ الأصالة لـِ تُبهر الذين عَشيت أعينهم مُنذّ زمان. سأبحث عن عين العاصفة ، و أخلص من ها التفكير كُلّه؟ "
هذا ما قاله في إحدى الصحف جوابا على سؤال أحد الصحفيين اللجوجين ، قبل أختفائه ببضعة أشهر. و عندما ألّح عليه الصحفي بسؤال آخر ، أجاب :
" أرجوك لا تُحدثني عن الشجاعة ، الشجاعة أمر شخصي بحتّ ، قائم بين المرء و نفسه. أًصبح الجهر سخفا لا يقنع أحدا ، بل لا يسمعه أحد، كمن يَضرب طبلا بين الطرشان؟ الشجاعة الوحيدة التي تستحق الممارسة هي مجابهة الموت بالعضل، بالفعل العنيف، حيت يكون في الموت نفسه غلبة على الموت . موت الفدائي مثلا . أما انتم فاسمحوا لي أن اقول لكم : انكم جميعا جبناء تضربون للحوت في طبولكم و صفائحكم ، لعله يُقذف من حلقة القمر . " 11- 15
* جبرا | البحث عن وليد مسعود