بسم الله رب العباد والصلاة والسلام على محمد وعلى آله حجج الله على العباد
الشاعر الفارس أبو فراس الحمداني ( 320 هـ - 357 هـ )
هو الأمير الجليل ، والقائد الكبير ، والشاعر الشهير بإبداعه ، أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني يعود بعمومته إلى تغلب ولد عام 320 هـ – 932 م ، و قيل أنه ولد في الموصل فسماه والده الحارث و كناه بابي فراس "أي الأسد" . حين بلغ الثالثة من عمره قتل والده على يد أبن أخيه حسن الملقب بناصر الدولة أمير الموصل في زمن الراضي بالله الخليفة العباسي وذلك حين أطمع سعيد بولاية الموصل بدلاً من ناصر الدولة الذي ارتاب بأمر عمه رغم تكتمه فتظاهر أنه خارج إلى لقائه لكنه اتخذ طريقاً غير الطريق التي كان سعيد قادماً منها وعندما دخل سعيد إلى المدينة برجاله الخمسين وسار إلى قصر ابن أخيه وهذا ما كان يرغب فيه ناصر الدولة ، لأن عمه اصبح في حوزته فأرسل إليه بعض غلمان فقتلوه ونكلوا به . هكذا ربي أبو فراس يتيما تحتضنه أمه ويعطف عليه ابن عمه سيف الدولة أخو ناصر الدولة . وعندما غدا سيف الدولة حاكماً لإمارة حلب اصطحبه معه إليها ليتمرس في العلم والأدب والفروسية . عرفت مجالسه الفارابي ، والمتنبي ، والسري بن أحمد الموصلي ، وأبا الفرج الببغاء ، وأبا فرج الواواء ، وأبا اسحق ، وإبراهيم بن هلال الصابي لكن سيف الدولة ميز أبا فراس بالإكرام عن سائر قومه وقربه منه واصطحبه في غزواته واستخلفه على أعماله فقلده بداية إمارة منبج . ذاق أبو فراس وهو أمير لمنبج مرارة الأسر والغربة وذلك بعد أن نصب له الروم كمينا حين كان في رحلة صيد مع بعض أفراد حاشيته وساقوه أسيراً إلى القسطنطينية عاصمتهم وفرح بهذه الغنيمة ملكها المعروف باسم الدمستق الذي كان قد خسر عدة معارك مع سيف الدولة وأسر خلالها ابن أخت للدمستق ، أبقى الدمستق أبو فراس رهينة عنده مطالباً بفدية ينوء بها كاهل الملك العربي وأهمها كان مبادلة الشاعر أبي فراس بالأمير الروماني . ويطول صمت سيف الدولة ويمتنع عن افتداء الأسرى فتمتد غربة الشاعر سبع سنوات وتضطرب روحه النبيلة في نفس ظن صاحبها أنه يتفرد لدى أميره ويبرح به الشوق إلى اخوته وموطنه وأصحابه كما يحزنه مماطلة ابن عمه وتحيره وتفقده جلده وصبره فأنشد جميل شعره وهو بالأسر بما عرف بالروميات ويعرف كل من يقرأ هذه القصائد للشاعر أبي فراس أن له نفساً تفيض بالنبل والوفاء وحبا لا تزعزعه الخيبة ، بل يبعث ماضي الصداقة الوثيقة نسقا يحافظ على ما نسجته الأيام والقرابة من وشائج بين الفارسين الشاعرين لكن الواقع المرير ما يلبث أن يعيد الأحزان عبر وقائع عابرة أهمها وعي الشاعر أبي فراس بتأثير حاشية سيف الدولة عليه و هي خليط من الأعاجم و الفرس و الترك و الحاسدين وتكون استجابته لفك اسر أبي فراس بطيئة وخاصة عندما كاتب الأسرى صاحب خراسان وغيرها من أصحاب الولايات والبلدان ليقدموا فدية لهم ، فيغضب منهم سيف الدولة وينشد له أبو فراس من جميل شعره.
وكان أبو فراس من الموالين لآل البيت ( عليهم السلام ) وله فيهم ثلاث قصائد هي من أروع شعره ، يُعرب عن إخلاصه لهم وصدق تعلّقه بهم ، وتألّمهم لما نابهم من حيف وأذى .
ومن جملة قصائده الرائعة التي أنشدها في أهل البيت ( عليهم السلام ) قصيدة تسمى بالشافية ، جاء فيها :
الحَقُ مُهتضمٌ والدِّينُ مُختَرمُ ...... وَفَـيء رَسولِ اللهِ مُقْتَسَمُ
وَالناسُ عندكَ لاناسٌ فيحفظَهُم ...... سَومُ الرُّعاةِ وَلا شاءٌ ولا نِعَمُ
إني أبيتُ قَليلُ النومِ أرَّقَني ...... قَلبٌ تَصارعَ فيهِ الهَمُّ والهِمَمُ
يا للرجالِ أما للهِ مُنْتَصِرٌ ...... من الطُّغاةِ ؟ أما للهِ مُنتَقِمُ ؟
بَنُو عليٍ رَعايا في دِيارِهُمُ ...... والأمرَ تَملِكُهُ النِسوانُ والخَدمُ
مُحَلَّئونَ فأصفى شربَهُمُ وشَل ...... عَنـدَ الوُرُودِ وأوفى ودَهم لممُ
أتفخَرونَ عَليهم لا أباً لكُمُ ...... حَّتى كأنَّ رَسولُ اللهِ جَدَّكُمُ !
ولا تَوازَن فيما بينكُمْ شَرَفٌ ...... ولا تَساوَتْ لَكُمْ في موطنٍ قَدَمٌ
بِئسَ الجَزاءُ جَزَيْتُم في بَني حَسَنٍ ...... أباهُمُ العَلَمُ الهادي وأمَّهُمُ
يا بَاعَةَ الخَمْرِ كُفُّوا عن مَفاخِرِكُمْ ...... لِمَعْشَرٍ بَيْعَهُمْ يَومَ الهياجِ دَمُ
الرُكْنُ والبيتُ والأستارُ مَنْزِلَهُمْ ...... وزَمْزَمُ والصَّفا والحِجْرُ والحَرَمُ
وللأمير أبي فراس هائية يمدح بها أهل البيت وفيها ذكر (الغدير) وهي :
يـــوم بسفـح الدار لا أنساه * أرعـى له دهري الذي أولاه
يوم عمرت العمر فيه بفتية * من نورهم أخذ الزمان بهاه
فكأن أوجـههم ضياء نهاره * وكـــــأن أوجههم نجوم دجاه
ومهفهف كالغصن حــــسن قــوامــه * والظــــبــــي مــــنــــه إذا رنا عـــيـــناه
نازعــــتــــه كأســــا كــأن ضياءهـــا * لـــمــــا تبــــدت فــــي الظــــلام ضيـــاه
فــــي ليلــــة حــــسنت لنــا بوصالـــه * فـــكــــأنمـــا مــــن حــــسنهــــا إيـــــاه
وكــــأنما فــــيها الثــــريا إذ بـــــــدت * كـــــــف يــــشيــــر إلـــى الذي يهـــواه
والبــــدر منــــتـــصف الضياء كأنـــه * متبـــــــســــم بالــــكــــف يــــستـرقـــاه
ظــــبي لــــو أن الــــدر مــــر بخــــده * مـــــــن دون لحــــظــــة نـــاظــر أدماه
إن لم أكن أهواه أو أهـــوى الـــردى * فــــي العـــــــالمين لـــكــــل مــا يهواه
فحــــرمت قـرب الوصل منـــه مثل ما * حــــرم الحـــسين الــمــــاء وهو يراه
إذ قــــال : اسقـــوني. فعـــوض بالقنا * مــــن شـــــرب عــذب الماء ما أرواه
فاجتــــز رأســــا طالمــــا مـــن حجره * أدنــــتـــه كــــفــــــــا جــــده ويـــــــداه
يــــوم بعــــين الله كـــــــان وإنــــمــــا * يـــملــــي لظــــلـــــــم الظـــالمـين الله
وكــــذاك لــــو أردى عــــداة نبــــيــــه * ذو العــــرش مـا عـــرف النبي عـداه
يــــوم عــليه تغيرت شمس الضحــــى * وبــــكت دمــــا مــمــــا رأتـــه ســماه
لا عــــذر فــــيه لمهــــجة لـم تنــــفطر * أو ذي بــــكاء لــــم تــــــفـض عيــناه
تــــبا لقــــوم تابعــــوا أهــــوائــــهــــم * فــــيما يســــوئهم غــــدا عـــــقـــبــاه
أتــــراهم لم يسمعــــوا مــــا خـصــــه * منــــه النبي مــــن المقــــال أبــــاه؟!
إذ قــــال يــــوم (غــــدير خم) معــــلنا * مــــن كــــنت مــــولاه فـــــــــذا مولاه
هــــذا وصيــــته إلــــيه فـــــافهمــــوا * يا مــــن يقــــول بــــأن مــــا أوصـــاه
أقــــروا مــــن القرآن ما في فضلــــه * وتــــأملوه وافــــهمــــوا فــــــحــــواه
لــــو لــــم تــــنزل فـــيه إلا هل أتــــى * مــــن دون كــــل منــــزل لكــــــفـــــاه
من كان أول مـن حوى القرآن مــــن * لفــــظ النــــبي ونــــطــــقه وتــــــلاه؟!
من كان صاحب فتح خيبر ؟ من رمى * بالكــــف منــــه بــابــــه ودحــــــــاه؟!
من عاضد المختار من دون الورى ؟ * مــــن آزر المخــــتــــار مـن آخاه؟!؟!
مــــن بــــات فــــوق فـــراشه متنكرا * لمــــا أطــــل فــــــــراشــــه أعـــــداه؟
مــــن ذا أراد إلهــــنــــا بمــــقــــالــه * : الصــــادقون القــــانـــتون سواه
مــــن بــــات فــــوق فـــراشه متنكرا * لمــــا أطــــل فــــــــراشــــه أعـــــداه؟
مــــن خــــــصه جبريل من رب العلى * بتحـــــية مـــــن ربــــــــه وحــــباه ؟ !
أظـــنـــنـــتم أن تـــقــــــتـــــلوا أولاده * ويظـــــلكم يـــــوم المعـــــاد لـــواه ؟ !
أو تشـــــربوا مـــــن حـــوضه بيمينه * كـــــأسا وقـــد شرب الحسين دماه ؟ !
طـــــوبى لمـــــن ألقـــــاه يوم أو أمه * فـــــاستل يـــــوم حـــــياته وســـقـــــاه
قـــــد قـــــال قبـــــلي فـي قريض قائل * : ويـــــل لمـــــن شفعـــــائه خــصماه
أنـــــسيتم يـــــوم الكـــــسـاء وإنـــــه * ممـــــن حـــــواه مـــع النبي كساه ؟ !
يـــــا رب إنـــــي مهـــــتد بهـــــداهــم * لا أهتـــــدي يـــــوم الهـــــدى بـــسواه
أهـــــوى الـــــذي يهـــوى النبي وآله * أبـــــدا وأشنـــــأ كـــــل مـــــن يشنــاه
وأقـــــول قـــــولا يســـــتدل بـــــأنـــه * مستـــــبصر مـــــن قـــــالـــــــه ورواه
شعـــــرا يـــــود السامعــــون لو أنه * لا ينـــــقـــــضي طـــــول الـــزمان هداه
يغـــــري الـــــرواة إذا روتـه بحفـظه * ويـــــروق حــــسن رويـــــه معـــــنــاه
وله أيضا مطهرون نقيات ثيابهم ( ابو نواس )
مطهرون نقيات ثيابـهـم
تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علويا حين تنسبه
فما له في قديم الدهر مفتخر
والله لما برا خلقا فأتقنه
صفاكم واصطفاكم أيها البشر
فأنتم الملأ الأعلى وعندكم
علم الكتاب و ما تأتي السور
مات سيف الدولة بعد عودة أبي فراس بسنة ، وتولّى بعده أبو المعالي ابن أخت أبي فراس ، وتسلّم الحكم بالوصاية عليه غلامه التركي قرغويه ، فأبى أبو فراس أن يطيع هذا الغلام ، فأوغر قرغويه صدر أبي المعالي على خاله فأرسله بجيش إلى محاربته فغلب أبا فراس فقطع قرغويه رأسه وحمله إلى أبي المعالي ، وترك جثته ملاقاة في الفلاة ، وكان ذلك سنة : 357 هجرية . خلّف وراءه كمّاً شعرياً عطّر ديوان العرب وهو الذي قال فيه الصاحب ، بدء الشعر بملك وختم بملك ويقصد أمرؤ القيس و أبا فراس الذي خلدته رومياته وأبقته واحداً من شعراء الحنين و الألم الإنساني الشفاف تلوح أطياف روحه في نسيج الشعر العربي عبر الدهور .
طوعت قريحة شعره الملحنين فلحنوا من قصائده فعبده الحامولي لحن قصيدة أراك عصيّ الدمع وغناها صالح عبد الحي ومحمد عثمان وأم كلثوم ثم تلقفها زكريا أحمد بألحانه لتغنيها أم كلثوم مجدداً إلى أن صاغها رياض السنباطي بأسلوبه الذي أوصل القصيدة العربية إلى ذرى لم يبلغها أحد من قبله ولا بعده.
و من أبياتها:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ...... أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ...... ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ...... و أذرفت دمعاً من خلائقه الكبـــرٌ
من قصائده الرائية:
و نحن أناسٌ لا توسطَ بيننا ...... لنا الصدرُ دون العالمين أو القبر
تَهونُ علينا في المعالي نفوسُنا ...... و من يَخْطُب الحسناءَ لم يُغْلِها المهر
أَعَزُّ بني الدنيا و أعلى ذوي العلا ...... و أكرمُ مَن فوقَ التراب و لا فخر
و قصيدته المشهورة أثناء الأسر:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة: ...... أيا جارتا هل بات حالك حالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ...... ولا خطرت منكِ الهموم بالبال
أتحمل محزون الفؤاد قوادم ...... على غصنٍ نائي المسافة عال؟
أيا جارتا ، ما أنصف الدهر بيننا ...... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي تري روحاً لدي ضعيفة ...... تردد في جسم يعذب بالِ
أيضحكُ مأسورٌ وتبكي طليقةٌ ...... ويسكت محزون ويندب سال
لقد كنتُ أولى منك بالدمع مقلةً ...... ولكن دمعي في الحوادث غالٍ
ومن شعره في الحكمة والموعظة :
غــــنى النـفس لمن يعقل * خــــير من غـــــنى المال
وفضل الناس في الأنفس * ليــــس الفـضل في الحال
وقال :
المرء نصب مصائب لا تنقضي * حـــتى يواري جسمه في رمسه
فمــــؤجل يلفي الـردى في أهله * ومعجــــل يلقى الردى في نفسه
وله :
أنفـق من الصبر الجميل فإنه * لم يخش فقرا منفق من صبره
والمرء ليس ببالغ في أرضـه * كالصقــر ليس بصائد في وكره
والسلام