عرض مشاركة واحدة
قديم 12-05-08, 02:48 PM   #14

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


الجزء الأخير من شرح الدعاء..



وقد ورد في هذا الدعاء قول الإمام عليه السلام: (لئن تركتني ناطقاً لأضجن أليك بين أهلها ضجيج الآملين) وهذا لا ينافي الآيات القرآنية الكريمة التي تؤكد أن الله يختم على أفواه البشر يوم القيامة فلا يستطيعون الكلام، وإن أيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما فعلوا. فإن ختم الأفواه يكون فقط في المحشر وفي وقت الحساب، ولكن عندما ينتهي الحساب ويُعرف أهل الجنة، وأهل النار؛ عند ذلك يستطيعون الكلام.
والآيات التي سنذكرها تدل على ختم الأفواه في وقت الحساب، ففي سورة (يس) قال تعالى: { الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.


وكذلك آية سورة طه قوله تعالى:{ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}.

أما في جهنم فإن البشر يستطيعون الكلام؛ كما جاء في سورة الأعراف قوله تعالى: { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْعَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّاللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}.

وقال تعالى في سورة (ص): { وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ}.

وهناك آيات أخر تدل على أن أهل النار يتكلمون فيها ويصرخون ويستغيثون، كما جاء في سورة الزخرف قوله تعالى: { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ}.

ويُفهم من هذا الدعاء أن شؤم وشقاء الكفار؛ بسبب خَلق النار، ولو كان العصيان منحصراً بالفسق مع تمسك الإنسان بالتوحيد الخالص وعدم الشرك؛ لما خلق الله النار.

ولابأس هنا من ذكر أحد الإشكالات التي وقع فيها بعض المسلمين:
فقد أرسلت الجمعية الإسلامية في (لاهور) بعض المسائل التي طُرحت عليهم من قِبَل مسلمي (فنلنده) وطلبوا أجوبتها من الجمعية الإسلامية في لاهور، وطلبت الجمعية مني أجوبة هذه الإشكالات وهي كالتالي:
إن الله سبحانه قال في سورة ألم سجده: { حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}.

والإشكال هو أن الله سبحانه أقسم على نفسه أن يملأ جهنم من الجن والإنس قبل أن يخلقهم، فما هو ذنب المخلوقات حتى يُقسم الله سبحانه على هذا الأمر.

وجواب هذا الإشكال ذكره الإمام علي عليه السلام في هذا الدعاء وبالإستدلال بآيات القرآن الكريم كما جاء في سورة السجدة: { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}

والمراد به إن الفاسق يأخذ جزاءه من العذاب حسب عمله، والمؤمن يأخذ أجره من الثواب والنعمة بحسب عمله أيضاً، وإن الله سبحانه عندما أقسم أن يملأ جهنم من الجن والإنس؛ هؤلاء الذين عملوا السيئات باختيارهم وبمحض إرادتهم.

فهذه الآية تصرح بأن العذاب ينزل فقط بسبب ارتكاب الأعمال السيئة ونسيان يوم القيامة وترك العمل للآخرة، وكل إنسان بريء لم يعمل السيئات فإنه لايدخل النار ولايُعذّب.

وحسب مانعتقد إن إخواننا في الجمعية الإسلامية في فنلندة، وكذلك مسلمي لاهور قد قرأوا الآية: { حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } ولم يقرأوا الآيات بعدها ولهذا وقعوا في هذا الإشكال مع أن القرآن الكريم حلّ هذا الإشكال بشكل واضح ولم يُبق مجالاً للشك والشبهة.

ولقد وردت بعض الألفاظ اللغوية، والجمل الأدبية في الدعاء، ولعل أهل الأدب يحبون أن نشير إليها هنا؛ فقد وردت كلمة (تُراك) في مكانين وإعرابها كما يأتي:

تُرى فعل مضارع مبني للمجهول، ولا تكون الكاف نائب الفاعل هنا؛ لأن الكاف من ضمائر النصب وليست من ضمائرالرفع، ولذا فإن نائب الفاعل محذوف تقديره أنت والكاف زائدة، ومعذبي مفعول ثان، وكذلك (أفتراك تسمع) فكلمة تسمع تقوم مقام المفعول الثاني، وسبب زيادة الكاف هنا لأن الفعل المضارع مأخوذ من ماضي (أرأيتك) ولقد ورد لفظا (أرأيتك وأريتكم) كثيراً في لغة العرب، والقرآن الكريم، والسنة، وهي كلمة مجازية تأتي للتعجب، يعني أخبرني عن العمل الفلاني، أوأخبرني مع العلم إن وقوع الفعل غير متوقّع، وتاؤها مفتوحة دائماً، والكاف للخطاب، ويمكن وصفه على أنه مفعول؛ لأنه قد ورد في لغة العرب كثيرا. جملة ( أرأيتك فلاناً ماذا فعل) فإذا صارت الكاف مفعولاً فسوف لايكون لها معنى لأنه في هذه الحالة سيكون معناه (أرأيت نفسك فلاناً ماذا فعل) وهذا ليس له معنى، وكذلك لو أردنا أن نقول (أرأيتك فلاناً) فسيكون أيضاً لامعنى للجملة ولاتتم بها الفائدة؛ لأن في أفعال القلوب تتم الفائدة على المفعول الثاني لأن المفعول الأول والثاني كانا في الأصل مبتدأ وخباراً.

فقول الكوفيين بأن (الكاف والكم) في (أرأيتك ، وأريتكم) مفعول قول باطل، وخارج عن القواعد النحوية، والدليل على بطلان قول الكوفيين؛ أن هذا الدعاء قد ورد على لسان أبلغ العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد ورد بلفظ المضارع المجهول، ومع ذلك ذكرالكاف منصوباً مع أن حذف مفعول مبني للمجهول في المضارع مبدوء بتاء يجب أن يكون مستتراً، فتقدير الجملة يكون (أفترى أنت معذبي ورائي). أما إذا بُني للمعلوم فستكون الجملة (أفترى أنت نفسك معذبي) وبهذا الشكل تكون الكاف زائدة حتماً في هذه الحالة، فإن التاء في ماضي (أرأيتك وأرأيتكم) تكون مفتوحة دائماً، وتعيين المخاطب مذكراً كان أو مؤنثاً، جمع مؤنث كان أو جمع مذكر فسيكون كالآتي:

خطاب للمفرد المذكر ستكون كلمة (أرأيتكَ) بفتح الكاف. حطاب للمؤنث المفرد بكسر الكاف (أرأيتكِ). خطاب جمع المذكر سيكون (أرأيتكم). خطاب جمع المؤنث سيكون (أرأيتكن). وهذا كله يدل على أن الكاف لا محل لها من الإعراب وجاءت فقط لتعيين نوع المخاطب، ويمكن قراءة (أتراك ، أفتراك) في هذا الدعاء بصيغة المعلوم، ففي هذه الحالة يكون الفاعل مستتراً تقديره (أنت) والكاف مفعول أول، ومعذبي مفعول ثان. ولكن النسخة الواردة الصحيحة جاءت بتاء مجهولة.

وكذلك ورد في الدعاء الشريف جملة (فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي ! صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك) والفراق ليس عن ذات الله لأنه سبحانه لا يخلو منه مكان؛ إذن المراد منه هو الإبتعاد عن الرحمة الإلهية بحذف المضاف وبقاء المضاف إليه وهو الكاف، ومن الممكن أنه شبّه فراق الرحمة بفراق الذات، أو أنه لم يكن تشبيه وإنما جاء بصيغة الإستعارة، ويمكن أن يكون الفراق هو الفراق مابين العبد العاصي وبين أحباء الله وأوليائه.

وقد يخطر على بال أحد سؤال وهو؛ أنه طبقاً لما قلنا سابقاً أن الله سبحانه لايخلو منه مكان؛ فكيف توجد النار في مكان لايكون الله تعالى موجوداً فيه؟

والجواب على هذه الشبة: هو الإعتقاد بالتوحيد؛ يعني أن خالق المخلوقات كلها لا يشبه مخلوقاته، يعني أنه ليس هناك شيء يُلائمه أو شيء يضده وأن اللذة والألم بالنسبه للخالق ليس لها معنى ولايمكن تصورهما، فهو لايشبه المخلوقات والمجودات، وهو منزه عن أن يتأثر بشيء، وهو أعلى وأكبر وأقدس من أن يتأثر بالموجودات أو أن تؤثر فيه الموجودات؛ لأنه أرفع من هذا كله، فوجود الذات المقدسة للإله لاتمنع وجود الموجود؛ لأن الله هو خالق كل الموجودات.

وكذلك ورد في هذا الدعاء جملة (أين كنت ياولي المؤمنين) وفي بعض النسخ وردت جملة (أين أنت) بدلا عن (أين كنت) والصحيح (أين كنت) لأن المراد هو أين كنت عندما كان الملائكة يذهبون بي الى جهنم.

فأصل الرحمة الإلهية يمنع العبد من دخول جهنم. أما جملة (أين أنت) فإنها تعني؛ أنا الآن في جهنم فأين أنت.

وهناك وجوه أخرى لترجيح الجملة الأولى على الثانية لم نذكرها تركاً للإسهاب.

في جمل الدعاء (ياغاية آمال العارفين، ياغياث المستغيثين ياصريخ المستصرخين ويا إله العالمين).

جاءت النداءات الثلاث الأولى بدون واو، أما النداء الأخير فجاءت معه واو؛ والسبب إن صفة الألوهية تشمل جميع الصفات التي وردت قبلها، ويبين كذلك إن الصفات الثلاث الأولى ذكرت بدون واو وظهرت على أنها جميعاً صفة واحدة.
والسبب الآخر إنه أصبح الآن متداولاً عند الكتّاب المعاصرين وفي جميع اللغات إن النقاط المتعددة التي تأتي متعاقبة تذكر جميعها بدون واو عطف إلا النقطة الأخيرة فتأتي معها الواو؛ أي حرف العطف، وطريقة الكتابة الحديثة مقتبسة من هذا الدعاء البليغ. وبقول آخر؛ إن هذا الدعاء سبق الطرق الحديثة المتداولة هذا اليوم منذ قرابة أربعة عشر قرناً.

أما جملة: (ماكان لأحد فيها مقراً ولا مقاماً) يكون إعرابها كالتالي: إسم كان محذوف ويعود على هي، لأحد جار ومجرور متعلقٌ بـ(مقراً) فيها جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لأحد، وتقدير الجملة؛ أي لأحد كائن فيها مقراً ومقاما وكلمة (مقراً) خبر كان. والأبلغ من ذلك قول: (وما كانت لأحد فيها مقراً ولا مقاماً) ووجهة رجحان عبارات الدعاء وبلاغتها لاتخفى على أهل الأدب.

وقد ورد في نسخة الإقبال عبارة؛ للعقوبات بدل من في العقوبات. و(لهبها) بدلاً من (لهيبها) ولم يرد فيه لفظ (رأفتكورحمتك).

بعد أن ذكر الإمام عليه السلام قدرة الله وعظمته، وكذلك موجبات نزول الرحمة الإلهية على أفراد البشر؛ سأل حاجته من الله سبحانه وتعالى.

فهذا الترتيب يدل على أن هذه الأمورهي مقدمات استجابة الدعاء.

وباء (بالقدرة) سببية، ومعنى هذا الترتيب في الدعاء إن الداعي يقول: إلهي أنت قادر وغالب على كل شيء، وإن أزمّة الأمور والإختيار بيدك تفعل ما تريد، وكما أنك قادر على كل شيء فإني أطلب منك حوائجي.

ثم بين أن الملائكة وأيدي البشر وأرجلهم تشهد على أعمال العباد يوم القيامة في المحكمة الإلهية، والله سبحانه فوق كل هؤلاء الشهود وهو المسيطر والمراقب ولا يخرج أي شيء مهما كان بسيطاً من سلطان علمه.

وإن كل هذه الجمل أخذت من آيات القرآن الكريم؛ ففي سورة (ق) يقول سبحانه:{ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}.

وفي سورة (فصّلت) قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

وفي سورة المائدة قوله تعالى: { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. والآيات الكريمة التي وردت بهذا الخصوص كثيرة.

ولعن الله الفلاسفة والويل لهم! كيف لم يفهموا هذا الأمر وقالوا: إن الله سبحانه ليس بيده اختيار الأعمال، وليس له علم بجزئيات الحوادث، وألف ألف لعنة على الشيخية وبالخصوص صاحب كتاب إرشاد العوام! الذي أخذ هذا القول من الفلاسفة اليونانيين أصحاب الخرافات.

قال الشيخية إن الله سبحانه ليس له قدرة واختيار، وليس له علم بالجزئيات، وإن القدرة والإختيار في الخلق والعلم بالحوادث مختص (بالحقيقة المحمدية)؛ والتي تشمل محمداً وعلياً وأولاده والركن الرابع.

وقد اطّلعت على كتاب خرافات الشيخية المسمى (إرشاد العوام) وأشرت الى موارد الكفر في كتبهم الضالة المضلّة.

أراد الشيخية أن يغالوا في الإمام علي عليه السلام، ويوصلوه الى درجة الربوبية؛ فجعلوه كذّاباً - والعياذ بالله - لأن علياً عليه السلام في هذا الدعاء وجميع مواعظه التعليمية وخطبه يصرّح تكراراً: إن الله تعالى له الإختيار وهو المسيطر على الكون وإنه لايخرج من سلطانه شيء مهما كان صغيراً أو كبيراً إلا بعلمه، ومن ينكر هذه الأمور فإنه كافر كما وصفه الإمام عليه السلام.

إن أحد مستلزمات استجابة الدعاء تكرار كلمة (ربِّ) وقد جاء التأكيد عليه في الحديث؛ أن يقول الداعي: ثلاث مرّات (يارب) قبل طلب الحاجة وورد في بعض الأحاديث إذا قالها الداعي سبع مرات استجيب دعاؤه، وكذلك تكرار صمدية الله واستغنائه عن العباد واحتياج العباد له جلّت قدرته، وهذه كلها من وسائل استجابة الدعاء.

أما جملة (وأن تجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة) فإن كلمة الخدمة طاعة أمر الله سبحانه، وإلا فإن الله سبحانه لايحتاج الى خادم، وإن أعمال الخير التي يقوم بها الإنسان تكون لمنفعته الشخصية، فإن الله سبحانه لاينفعه شيء من هذه الأعمال.

وكلمة (وِِِِرد) بكسر الواو وسكون الراء؛ تعني العمل الذي ينجز في زمان معيّن.

ويطلب الإمام عليه السلام أن لايكون الورد محدوداً في زمان معيّن بل يكون في عبادة طول عمره وكأنه ورد واحد؛ يعني لايقوم بعمل في هذه الدنيا إلا وفيه إطاعة أوامر الله سبحانه، وهكذا كان عليه السلام؛ قبل البلوغ، وفي سن العاشرة نهض لنصرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأول مَن تَشرّف بدين الإسلام قبل البلوغ؛ يعني أنه لم يتلوّث بأنجاس الجاهلية كما تلوّث به بقيّة الصحابة.

فقد كان الإمام على عليه السلام منذ البداية يُصلّي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويدفع عنه الكُرَب، ويزيل عنه الهم والغم، وكان يقضي الليل بالعبادة ونهاره بالدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وردِّ هجوم ومكر الكفّار، ولم يتأخر لحظة عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وبعد رحلة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم صرف النظر عن الخلافة وهي حقّه المطلق؛ وذلك لحفظ وحدة المسلمين، وحفظ بيضة الإسلام. وعمل على تسديد وإرشاد الخلفاء حتى لايقعوا في خطأ يسبب خللاً في الإسلام.

وفي أيام خلافته زيادة على قيامه برتق أمور المسلمين؛ قام بدفع الناكثين الذين نقضوا بيعته وحاربوه في البصرة، وكذلك حارب القاسطين الظلمة من أصحاب معاوية وأتباعه، وكذلك قضى على المارقين وشتتهم، وهم خوارج النهروان الذين خرجوا من الدين.

اشتغل بهذه الأمور ولم ير الراحة في خلافته مطلقاً.

ولم يأخذ من بيت مال المسلمين غير اللباس العادي وقرص خبز الشعير.
كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول قائد في الإسلام، وفي زمن الخلفاء كان مشاوراً وهادياً لهم، وعاش في خلافته على منوال واحد لم يُغرِه المُلك، ولم تَغرّه الدنيا، ومع كل ذلك كان يُحيي الأراضي الموات بيده، ويغرس الأشجار، وقد زرع منطقة كبيرة؛ فبدأ من (القطقطانية) وانتهي (بالكوفة) زرعها بأشجار النخيل وسقاها بيده، وهذه بحد ذاتها تُعتبر أكبر ثروة في ذلك الزمان.

هذا الإنسان العظيم لم يأخذ شيئاً من حطام الدنيا لنفسه، ولكنه أحيى ملايين الهكتارات من الأراضي الموات للمسلمين.

هذا هو علي عليه السلام عندما يدعو بهذا الدعاء فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب له دعوته، ويكون تمام عمره في طاعة الله سبحانه وخدمته.

جاء في نسخة الإقبال كلمة (أنزلته) بدلاً من (تنزله) وبدلاً (من الليل) كلمة (في الليل). وجاءت كلمة (فضّلته) بدلاً من (تفضله) و(نشرته) بدلاً من (تنشره) و(بسطته) بدلاً من (تبسطه) . يعني وردت أفعال ماضية بدل من الأفعال المضارعة.

ثم كرر الإمام عليه السلام التضرع وإظهار العبودية والإنقطاع التام الى الله سبحانه، والذي ليس في هذا العالم ملجأ ولا ملاذ ولا ناصر غيره.

ثم طلب من الله سبحانه حاجة غفل عنها المسلمون؛ وهي تقوية العضلات، لأن من الأمور المطلوبة في الشريعة الإسلامية هي تقوية الجسم، ونرى أن الإمام عليه السلام في الليل وفي وقت المناجاة يطلب من الله سبحانه أن يقوي جسمه وعضلاته، لذا فإن كل وسيلة تكون مفيدة لتقوية العضلات مطلوبة في الشرع الإسلامي، من هنا يُعرف أن أنواع الرياضة هي من الأمور الشرعية، ولكن قسماً من الناس لم يستجيبوا للأوامر الإلهية وتركوا هذا الأمر، وفهم الناس للرياضة على قسمين:
قسم منهم توهم بأن الرياضة غير مطلوبة؛ فتركوها؛ فأصابهم ضعف الأعصاب والعضلات وأصبحوا عاجزين، والأنكى من ذلك إنهم يعتقدون بأن الضعف والوهن والخمول هو من مستلزمات الدين والشريعة.

أما القسم الثاني الذين يمارسون الرياضة ولكنهم حصلوا على نتيجة سلبية؛ لأنهم يمارسون الرياضة وهم في حالة من السكر وتهيج الشهوات والرقص مع النساء وعزف الموسيقى، وهذه الرياضة ولو أنها في الظاهر تُنمّي العضلات إلا أنها تقضي على القوّة المعنوية للإنسان وتسبب الخلل العقلي والدماغي، وكثير من هؤلاء يُصابون بالسكتة القلبية أو العصبية أو الدماغية أو الرئوية، وعلى الأقل يصابون بالشلل العضوي في أحد الأطراف؛ لذا نلاحظ إن رياضي هذا العصر يكون عمرهم قصيراً نسبة الى الرياضيين السابقين، وغالباً ما يموت الرياضيون وهم في عمر الشباب ولا يحصلون على النتيجة المطلوبة من الرياضة.

والرياضة الصحيحة: هي إقامة الصلاة، وبالخصوص صلاة الليل في وقتها قبل الفجر، وفي الهواء الطلق المنعش.

ولا يُتَصَوَّر إن فائدة الصلاة تنحصر في رياضتها البدنية والقيام والقعود والحركة؛ وإنما لها فوائد كثيرة، وكثير من العلماء كتبوا كتباً باسم أسرار الصلاة. وأقل فوائد الصلاة هي الرياضة.

ثم يأتي بعد الصلاة ركوب الخيل والرماية والتي خصص لها في الكتب الفقهيةً باب سُمي باب السبق والرماية، والمشي والذي أمر به الشرع بالخصوص؛ في الحج والزيارة.

أما السباحة وغيرها من الرياضات هي جيدة ومفيدة إذا لم تختلط بتهيج الشهوات والملذات بواسطة الغناء والرقص وشرب الخمر الذي يسبب الصدمات الدماغية والقلبية التي ذكرناها آنفاً.

وجاءت في القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على القوّّة والنشاط؛ ففي سورة الأعراف قال تعالى: { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} الى أن قال: { وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}.

وفي سورة مريم قوله تعالى: { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ }.

وفي سورة الأنفال قوله سبحانه: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.

وفي سورة البقرة قوله تعالى: { خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}.

وفي مجمع البيان ضمن تفسير الآية الأخيرة روي إنه سُئل الإمام الصادق عليه السلام: هل المراد من القوّة ؛ الأبدان أم القلوب؟ فقال عليه السلام: (كلاهما).

وآية سورة الأنفال عامّة تشمل جميع الإستعدادات، وتهيئة القوة بدون استثناء، ومن جملتها وسائل تقوية العضلات للدفاع عن النفس؛ يعني إذا أراد أحد أن يعتدي على غيره ويهجم عليه؛ فالدفاع في هذه الحالة واجب، وبدون الدفاع عن النفس والممتلكات والنواميس يختل النظام العام. ولا عبرة بكلام الإنجيل السائد اليوم الذي يقول: (إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فقدّم له خدّك الأيسر، وإذا سرق أحد ثوبك فقدّم له قباءك).

هذا كلام الجهلة الذين لايفقهون وضع الدنيا، ولا يعرفون المصالح والمفاسد فيها، فإذا عمل البشر بهذا القانون فإن وضع الدنيا سيسوده الهرج والمرج، وسوف لايمنع شهوات الفاسدين والمفسدين مانع، ولا يردعهم رادع إلا بزوال الدنيا، بالإضافة الى ذلك فإن هذا القانون غير قابل للتنفيذ منذ زمان الحواريين الى اليوم، ولم يطبقوا هذا القانون بل عملوا عكسه.
والقانون الوحيد العادل الذي يصلح لإدارة البشر هو القانون الذي ورد في هذا الدعاء وهو؛ إذا هوجم الإنسان من قِبل الأشرار فعليه الدفاع.

وهذا القانون منصوص عليه في القرآن الكريم في آيات عديدة في سورة الشورى، وآخر سورة النحل، وغيرهما. ففي سورة الشورى قوله تعالى: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}.

وجاء في آخر سورة النحل مايؤكد ذلك في قوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}.

فليس العدل سلب المظلوم حقّه في الدفاع، وفسح المجال أمام الظالم لكي يظلم ويعتدي كما يقول بذلك الإنجيل، ودين (براهما وبوذا).

والخلاصة إن أحقيّة دين الإسلام على غيره من الأديان؛ هو أن الأديان الأخرى لم تتطرق الى أمور الدنيا، وإن متبعي هذه الأديان قد حُرموا حق الدفاع عن النفس، أما الإسلام في نفس الوقت الذي يؤكد فيه على المحبة والإحسان للمذنبين؛ فإنه لايغفل عن أمورالدنيا ومتطلباتها؛ فأعطى المظلومين حق الدفاع عن أنفسهم، بل عدّ الصبر وتحمل الظلم من الذنوب الكبيرة إلا في حالة واحدة؛ وهي عند القدرة والتسلط على الظالمين، ففي هذه الحالة يكون العفو من الأمور المستحسنة.

فالإسلام في الوقت الذي يؤكد على أمور الآخرة فإنه لاينسى الدنيا. ففي سؤرة القصص قوله تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَنَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَوَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّالْمُفْسِدِينَ}.

هذا الأمر مراعاة العدالة من الله تعالى العادل؛ يجعل الدين الإسلامي متفوقاً على جميع الأديان ويكون إصلاح أمور أهل الأرض عن طريقه فقط بشرط تطبيقه كما أنزله الله تعالى وفي كل الأمور.

ورد في الحديث: (ليس منّا من ترك آخرته لدنياه، وليس منّا من ترك دنياه لآخرته) فطبقاً لهذا الحديث الشريف الذي جاء ضمن أحاديث الكافي؛ إن من انزوى وترك الدنيا فليس بمسلم، وكذلك من انغمس في أمور الدنيا ولم يعمل للآخرة. فيجب على الإنسان أن يوفّق بين العمل للدنيا والعمل للآخرة كما ورد في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.

وبالجملة أن تهيئة أنواع القوى والرياضة للعضلات البدنية والشدّة والقوّة للأعضاء الداخلية؛ يجب أن يكون حاصلها الجدّ في الأعمال، وهذه القوى يجب أن يُستفاد منها في الحلال وإطاعة أوامر الله سبحانه، لخدمة البشر وعمران الأرض والرحمة بالحيوانات ورعايتها، وليس لاستخدامها للتعالي والتفوّق على الآخرين وظلم العباد والإعتداء عليهم، ويجب الإستفادة من هذه القوى لدفع فساد المفسدين.

هذا هو الإسلام وهو وحده القادر على إدارة العالم والمجتمع الإنساني الى طريق السعادة.

إن القوانين الموجودة في الشريعة الإسلامية تجعلنا نُصرّ على القول: إن غير قوانين الإسلام؛ محال أن تستطيع حكم العالم حكومة عادلة بالحق.

ثم بدأ الإمام عليه السلام بطلب الحوائج بالترتيب المذكور في الدعاء، وطلب استجابة الدعاء من الله سبحانه.

والله سبحانه أمرنا بالدعاء وضمن لنا الإجابة كما ورد في الآية الكريمة من سورة غافر قال تعالى: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.

أما إذا لم يستجب دعاءنا؛ فذلك بسبب ذنوبنا التي تمنع استجابة الدعاء، وقد أشير إليه في صدر الدعاء.

وقد ورد أيضاً في الدعاء ذكر الإنس والجن، وقد يحدث بين الإنس والجن أحياناً بعض العداوات، وقد ورد إسم الجن في العديد من السور القرآنية؛ مثل سورة الجن والأحقاف والأعراف والأنعام، ولكن بعض الجهّال الذين لايصل علمهم أكثر من حدود عيونهم وآذانهم، ولا يعلمون شيئاً من عالم ما وراء المادّة، وبالأحرى إنهم لا يعلمون ما وراء الحس في عالم المادّة؛ فينكرون الجن ويتصورون إن المخلوقات الإلهية منحصرة بعدّة أنواع.

والإسلام يعتبر إنكار وجود الجن مُجار للكفر؛ لأنه يستلزم تكذيب القرآن الكريم، بل إنه الكفر بعينه. والإكتشافات الحديثة تؤيد وجود قوى لا تُدرك بالحواس الخمسة التي يملكها الإنسان ولم يُدرك ماهيتها؛ مثل القوى (المغناطيسية) والقوّة (الكهربائية) وقوّة (الجاذبية العامّة) وأمثالها، فكيف ينكر الجن من يعرف هذه العلوم بحجّة أنه لم يشاهد الجن! وجوابه واضح؛ فإن العالم لم يشاهد القوة المغناطيسية والجاذبية العامة كيف اعترف بوجودها مع العلم إنه لم يشاهدها؟ فإنكار الجن والموجودات التي لا تُرى بالعين إنما يدل على الجهل وعدم التفكر وليس له تعليل آخر.

وفي هذا الدعاء الدواء الحقيقي؛ وهو إسم الله، والشفاء الواقعي هو ذكر الله، وإن المقيدين بأغلال الأفكار المادية محرومون من هذا الدواء والشفاء.

نسأل الله أن لا يحرمنا من بركات ذكره وشكره، وأن يتفضل علينا؛ حتى نعرف وندرك معنوية هذا الدواء وهذا الشفاء، وأن نستفيد منه استفادة تامّة؛ لأنه ليس لنا شفاء حقيقي إلا بهذا الدواء. وأن يجعل سبحانه رأس مالنا الرجاء وسلاحنا البكاء، مثلنا في ذلك مثل الطفل الوليد إذا جاع واحتاج الرضاعة فإنه يبكي، وإذا آلمه شيء أو أزعجه بلل ملابسه فإنه يبكي، وكل ما يحدث له شيء يبكي، لأنه لايستطيع الإفصاح عنه، ولا رفعه ودفعه عن نفسه.

ونحن نخدع أنفسنا حينما نتصور أن لنا قوّة وحولاً وطولاً.
وهذا الدعاء عرّفنا بحقيقة أنفسنا.

ويجب علينا أن نلتزم به، وأن نعمل بما أمرنا ربنا، وأن ننتهي عن نواهيه. ويجب أن نسعى فى كل الأمورلإرضاء ربنا وشكر نعمه التي أنعمها علينا.

أما في الأمور التي ليس لنا وسيلة إليها؛ فعلينا أن نتوسل ونتوكّل على الله، وأن نصبر على الشدائد، وأن نتوجه دائماً الى الله، وأن نطلب منه فقط دفع الضر والشرّ وجلب الخير.
وأن نعلم بأنه ليس لنا ملجأ ولا ملاذ إلا الله سبحانه، وإن قدرته فائقة لايمنعها مانع

كما قال تعالى في سورة يونس:
وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنيُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْعِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

وصلى الله على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين



بقلم : محمد بن محمد مهدي الخالصي الكاظمي
وقع الفراغ منه في ليلة الجمعة
الرابع من ربيع الثاني سنة ١٣٦٧هجري قمري
في مدينة (يزد)


أسألكم الدعاء ومعذرة على التطويل

تحياتي

شمس الأصيل
__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل