عرض مشاركة واحدة
قديم 06-05-08, 12:57 PM   #9

شمس الأصيل
بريق روح

 
الصورة الرمزية شمس الأصيل  







مشوشة

رد: دعاء كميل إبن زياد النخعي..


الجزء الثالث من شرح دعاء كميل

/
/
وبعد ذكر كل هذه الأمور في بداية الدعاء، شرع عليه السلام بطلب أمور تعتبر من أفضل ما يهم الإنسان وفيها فوائد جمّة، فقال: (إلهي! أسألك أن لايحجب عنك دعائي سوء عملي وفعالي) لأن بعض الذنوب تردّ الدعاء على داعيه.
ثم سأل الله أن لايفضحه بذنوبه؛ لأن بعض الذنوب توجب الفضيحة والعار، وأن لايعاجله بالعقوبة؛ لأن بعض الذنوب توجب تعجيل العقوبة، وهذا هو منتهى الشقاء والخسران.
فإذا ارتكب الإنسان معصية وعوقب عليها مباشرة فإنه سيفقد فرصة التوبة ولا تبقى له حيلة للخلاص منها، أما إذا أذنب العبد وأمهل بعد هذا الذنب فمن الممكن أن يعود الى خالقه ويتوب من ذنبه ويقبل الله توبته ويبدل شقاءه بالسعادة.
ثم طلب عليه السلام من الله أن يعامله دائماً بلطفه وعطفه لأنه أرحم الراحمين.
ومن الجدير بالذكر هنا أن أكبر شقاء يصيب الإنسان؛ بسبب المماطلة والتسويف في التوبة، ومعنى المماطلة؛ يعني تأجيل عمل اليوم الى غد وهكذا.
والأئمة المعصومون عليهم السلام يحترزون من هذا الأمر أشد الإحتراز. والإمام السجاد عليه السلام في دعاء أبي حمزة يشكو من هذا الأمر ويقول: (فقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري).
يبقى الإنسان يؤخر عمل الآخرة ويؤجل التوبة الى غد ثم الى بعد غد وهكذا الى أن ينتهي العمر ولم يتب. إن التسويف يؤدي الى طول الأمل ونسيان الآخرة؛ فيحرم العبد من عمل الخير، لذا نجد في كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام إشارة الى ذلك: (واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).
وكما أن التسويف في أعمال الخير مذموم على العكس من التسويف في السيئات والشهوات فإنه عمل ممدوح؛ يعني إن الإنسان إذا أراد أن يعمل عملاً سيئاً فلا يعجل به وعليه أن يؤخره الى غد والى بعد غد وهكذا الى أن يتركه.
وقد ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام عبارة (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً) فإذا أردت أن تعمل سوءاً فتصور أنك ستعيش الى أبد الدهر وأخّر هذا العمل الى غد وبعد غد حتى لاتعمله.
وبعض الناس يتوهمون بأن هذه العبارة تعني؛ أيها الإنسان تعلّق بهذه الدنيا واعمل لها واجمع فيها ماتستطيع جمعه كأنك مخلد فيها، وهذا خطأ؛ لأن هاتين العبارتين تدلان على المقابلة البديعية، يعني؛ كما أنك يجب أن لا تسوف وتُماطل في أمور الخير، فعليك أن تسوف وتُماطل في الأمور الدنيوية وفي الشهوات والملذات.
وفي حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال: (رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه) يعني إن التعجيل والتسريع في أمور الخير ممدوح ومطلوب في الشرع الإسلامي.
وهذا الحديث مأخوذ من الآية الشريفة في سورة آل عمران،
قال سبحانه وتعالى: {وَسَارِعُواْإِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنرَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍعَرْضُهَا السَّمَاوَاتُوَالأَرْضُ أُعِدَّتْلِلْمُتَّقِينَ}.
وكذلك آية سورة المائدة إذ يقول سبحانه: { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}.
وكذلك آية سورة الحديد إذ يقول سبحانه: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}.
ومما يذكر في هذا المقام؛ الأعمال التي يقوم بها رجال الكنيسة المسيحيون - الإعتراف بالذنب يجب أن يكون أمام الله سبحانه وتعالى وهو من مستلزمات غفران الذنوب - ولكن المسيحيين يقولون: يجب الإعتراف بالذنب أمام (القس) في الكنيسة فهو الذي يغفر ذنوب العبد، وينجي من عذاب النار، ثم يبيع لهذا المعترف عدّة أذرع من الجنّة مقابل كمّية من المال يدفعه المستغفر ويأخذ منه صك الغفران!! وهذا العمل جعل رجال الكنيسة اضحوكة لمفكري أوربا وأمريكا، ولأن هؤلاء المفكرين بعيدون عن حقيقة الدين الإسلامي وخلوّه من هذه الترهات، فإنهم وبسبب الأعمال السخيفة التي يرتكبها رجال الدين المسيحيون في الكنائس؛ مما جعل هؤلاء المفكرين أن يُنكروا الله بالكليّة؛ لأن العقل لايقبل أن يكون القس هو الله وأن يتصرف بالجنة والنار...
أما مراسم الغفران التي يُقيمها القسس في وقت (العشاء الرباني)؛ تبدأ هذه المراسم بصنع الخبز الذي يُسمى (قربنة) وهذه (الفطيرة) تكون محل تقديس وتعظيم القسس بشكل عجيب! فهم يعتقدون أن هذه الفطيرة؛ هي لحم الربّ فيقطعوه قطعاً ويضعون قطعة واحدة على لسان كل شخص، وفي نفس الوقت يضعون تحت حنكه إناء حتى لايقع لحم الربّ - كما يزعمون - على الأرض ثم يأمر القس ببلع اللقمة مرّة واحدة بدون مضغها بالأسنان لأن تقطيع لحم الربّ بالأسنان غير جائز! ثم يُعطوه بعد ذلك جرعة من الشراب ويسمّوه (دم الربّ) يشربه بعد الفطيرة المقدّس؛ فيصبح المستغفر كالربّ لأنه أكل لحم الربّ وشرب دمه! ولما كان الله هو المسيح فيكون المستغفر هو المسيح! وغير ذلك من الخرافات والترهات. والأخطر من ذلك أنهم يُبلغون هذه الخرافات بين المسلمين الموحدين الذين لايعرفون غير الله غافراً للذنوب. وهذه المراسم التي ذكرناها هي ملخص لصلاة الكنيسة الكاثولكية.
أعاذنا الله من شرّ هذه الخرافات التي أدّت الى ظهور الإلحاد والماركسية في العالم، ونسأله تعالى أن يُعرّف بني الإنسان جميعا السعادة عن طريق تطبيق الدين الإسلامي العظيم.
ومن آداب الدعاء أيضاً تكرارالإنقطاع الى الله وتذكر الإنسان دائماً أن الملجأ الوحيد في الشدائد هو الله سبحانه فلا ملجأ ولا ملاذ غيره، فقد تكرر في هذا الدعاء ذكر الإعتراف بالذنوب والآثام؛ لأن أفضل شيء يقدم عليه الإنسان بعد ارتكاب الذنوب والمعاصي هو الندم والإنابة والإستغفار؛ لأن هذا العمل كما ورد في القرآن الكريم يحصل فيه الإنسان على خير الدنيا، وغفران الذنوب، وزيادة البركة في الأولاد وزيادة الحسنات.
ونذكر هذه القصّة عبرة ودليلاً على هذا الأمر: فقد كان لمعاوية حاجب أُتي من المال الكثير، ولكنه حُرم من الأولاد، وكان الإمام الحسن عليه السلام يدخل مجلس معاوية فيتلقاه هذا الحاجب بالإحترام والتكريم الكبيرين، وكان هذا الحاجب حزيناً دائماً بالرغم من غناه وقربه من معاوية بسبب حرمانه من الأولاد، ومرّة كان يتذاكر هذا الموضوع مع معاوية ويتمنى أن يحصل على حلّ لمشكلته، فقال له معاوية:
إن حلّ هذه المعضلة بيد الرجل الذي كنت تحترمه كثيراً وتكرمه، فجاء هذا الحاجب الى الإمام الحسن عليه السلام وعرض عليه مشكلته، فأمره الإمام عليه السلام بالإستغفار الكثير؛ ففعل الحاجب ذلك وجعل يستغفر كل يوم؛ فرزقه الله ولداًً، فعندما أخبر الحاجب معاوية بهذا الأمر، قال له معاوية:
آسأله من أين عرف بأن الإستغفار يجلب كثرة الأولاد؟ فسأل الحاجب الإمام عليه السلام؟ فقال له الإمام عليه السلام: عرفت ذلك من القرآن الكريم في سورة نوح (ع) قوله تعالى: { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًاً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}.
ومن قبيل هذه الآيات في القرآن الكريم الكثير، وإن استنباط الأحكام الشرعية مأخوذ من هذه الآيات.
ولكن الأمم الأخرى لم تجد حلاً لهذه الأمور، ونجد أن أهل الأديان قد صاروا فرقتين مختلفتين في ذلك وخصوصاً في أفعال البشر (كالخير والشرّ والطاعات والمعاصي):
فأهل الرأي الأول يقولون: بأن الأعمال لا تصدر من البشر مطلقاً؛ وإنما هو فعل الله والبشر ليس لهم اختيار؛ وطبقاً لهذا الرأي فإن الثواب والعقاب والأمر والنهي منتف بالمرّة وباطل؛ لأن البشر - حسب هذا الرأي - لا يعمل شيئاً بإرادته فلماذا إذن أُمر الإنسان بأعمال معينة؟ ولماذا يُعطى أجراً وثواباً مع العلم أنه لم يقم بها بإرادته؟ ولماذا نُهي عن المنكر وعوقب على فعله مع أنه لم يقم به بنفسه ولم يكن الإختيار بإرادته؟ فيكون الله - والعياذ بالله - ظالماً للعباد طبقاً لهذا الرأي، فهو يفعل الذنب ويعاقب عليه عبده، وليس هناك أكبر من هذا الظلم أن يرتكب أحد ظلماً ويعاقب عليه غيره!. فهذا الرأي عين الخطأ لأنه ينسب الظلم الى الله عزّ وجلّ وهو الكفر بعينه.
أما الرأي الثاني فيقول بأن للبشر تمام الإختيار وإن الله سبحانه ليس له أي تأثير ولا يتدخل في أي شيء. فالإنسان - طبقاً لهذا الرأي - مأمور ومنهي ويعاقب ويثاب على أعماله.
وهذا الرأي باطل أيضاً؛ لأن الله سبحانه محيط بكل شيء، ولا يخرج من حدود قدرته شيء، ولا يخلو منه مكان، إذ لو كان للبشر تمام الإختيار لاستلزم أن تكون جميع الأعمال والأفعال؛ خارجة عن حدود قدرته وسلطنته، وإنها حاصلة بدون إرادته.
وهذان الرأيان باطلان.
والبشر منذ القديم لم يستطع أن يجد حلاً لهذه المسألة، ولم يستطع أن يفهمها؛ لأنه نسي وصايا وأوامر الأنبياء وعاش في جاهلية الى أن جاء دين الإسلام .
والمسلمون أيضاً وقعوا في نفس المشكلة؛ فاحتاروا وضلوا لأنهم لم يأخذوا أمور الدين من معدن العلم وأهل بيت الوحي؛ فبرز عندهم قولان كما يأتي:
القول الأول: قول الأشاعرة؛ وهو أن البشر مجبورون وليس لهم أي اختيار أو إرادة، والتزموا بالعقائد الفاسدة التي تنسب أقبح النسب الى الله سبحانه؛ وهو الظلم.
والقول الثاني: وهو القول الذي اتبعه المعتزلة؛ وهو أن البشر لهم تمام الإختيار، ولا ترتبط أفعال العباد بالله سبحانه مطلقاً، والتزم المعتزلة بالعقائد الفاسدة المنحرفة. وأكثر هذه العقائد انحرافاً هو ما يقولونه بعزل ذات الباري تعالى عن سلطته وقدرته.
ولو لم ينحرف المسلمون ويبتعدوا عن أهل بيت الوحي عليهم السلام؛ لما وقعوا في هذه الإشكالات ولوقفوا على الحقائق العلمية للأمور التي من جملتها المسائل التي طرحها الإمام علي عليه السلام في هذا الدعاء والأدعية والأحاديث الأخرى، وكذلك ما ورد عن الأئمة الأطهار عليهم السلام في تعليم وتربية المسلمين؛ فقد أوضحوا هذه الأمور ولم يبق إشكال أو أمر غامض على المسلمين، فقد أوضح الإمام علي عليه السلام طريقة صدور أعمال البشر فبين عليه السلام: إن الله سبحانه جعل البشر مختارين تماماً في أعمالهم؛ وكيفية الإختيار أن الله سبحانه خلق في البشر قوّة التفكّر والتعقل، وقوة الشهوة، وكل عمل يريد أن يعمله الإنسان ويخطر على باله، فإنه يفهم ما في هذا العمل من خير أو شرّ أو نفع أو ضرر، فإذا لم يستخدم الإنسان هذه القوّة، وغلبت عليه الشهوة على تصور فهم ضرر العمل؛ فإن الله يجعل إرادة حصول العمل مضرة لهذا العبد.
فالله سبحانه أعطى لعبده قوّة ترجيح العقل وكذلك قوة ترجيح الشهوة، فعلى الإنسان أن يختار إحدى هاتين القوتين. فالعمل يصدر من البشر بإرادة الله سبحانه، ومن الجهة الأخرى - يعني جهة الشرّ- فإن الشيطان يُزيّن للإنسان حب الشهوات بوسوسته، ويغريه بفعل المنكر.
أما القضاء فإنه يعني حدوث العمل بإرادة الله ومساعدته على إجراء السيئات، وإذا لم يشأ الله أن يحدث هذا الشيء فإنه لايحدث، وهذه المساعدة ليست عن طريق الجبر والقهر؛ لأن البشر يستطيع أن يُسخر قوّة التعقل وأن يعمل صالحاً، ففي هذه الحالة يحدث العمل بإرادة الله وتوفيقه.
وبعبارة أخرى فإن الله سبحانه خلق الإنسان فأعطاه قوّة التعقّل؛ يعني الميل نحو الخير، وأعطاه قوة الشهوة؛ يعني الميل نحو الأعمال السيئة، وأعطاه مع هاتين القوتين القدرة على ترجيح إحدى هاتين القوتين على الأخرى، وأعطاه القوة على القيام بكل هذه الأعمال، ولكنه في كل الأحوال فهو مرتبط بالإرادة والقدرة الإلهية؛ إن شاء حدثت وإن لم يشأ لم تحدث.
ولهذا فإن الإمام علياً عليه السلام يقول في هذا الدعاء: ( إلهي ومولاي! أجريت على حكماً) فإن إجراء الأمر يعني حدوث العمل بيد الله، ثم قال: (اتبعت فيه هوى نفسي) يعني إن متابعة الهوى وترجيح جانب الشهوات يرتبط بالعبد نفسه، والشيطان يُزين هذا العمل، وبوسوسته يرجّح فيه جانب الشهوات والقضاء يساعده على ذلك؛ لأن الله سبحانه قدّر أن البشر مختار وكل ما يختار من أفعال؛ تحدث.
فالإنسان يستطيع في كل وقت أن يرتكب معصية، ويُمتحن المرء بأن تعرض عليه الشهوات فإن قاومها ولم يُطع هواه؛ فهو من الناجين. فالإنسان ليس مجبوراً، ولا أنه موكل بكل الأعمال بدون مساعدة وإرادة الله، ولكنه كما قال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: بين بين (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين).
ومن هنا نعرف أن في النسخ الصحيحة للدعاء وردت عبارة: ( فلك الحمد عليّ) هي العبارة الصحيحة أما عبارة: (فلك الحجّة علي) فهي أضعف؛ لإنها لاتبيّن أصل المقصود الذي شرحناه آنفاً.
وبعد مقدمات الدعاء تحول الإمام عليه السلام الى طلب الحوائج من الله تعالى فقال: (اللهم! فاقبل عذري وارحم شدّة ضري وفكني من شدّ وثاقي...) وفي نسخة الإقبال وردت جملة: (في سعة رحمتك) بدلاً من (في سعة من رحمتك).
بعد أن أظهر الإمام عليه السلام منتهى الضعف والعجز؛ ذكر الله سبحانه بأعظم الصفات الإلهية؛ العظمة والقدرة والغنى والرحمة والرأفة والعفو والمغفرة والجود والفضل، والنعم التي أنعمها على بني البشر، ثم علّق رجاءه بالرحمة الإلهية وطلب من الله أن يشمله برحمته وينجيه من العذاب الأليم؛ فذكر عليه السلام موجبات العفو الواحدة بعد الأخرى.
وسنذكر بالترتيب أسباب شمول ووقوع الرحمة الإلهية:
الأول: التوحيد الإلهي؛ الإنسان الموحّد، والذي لاتشوب قلبه شائبة من شرك؛ يرجو العفو الإلهي ويأمل الرحمة، مهما ارتكب من المعاصي التي هي دون الشرك بالله، أما الإنسان المشرك الذي يجعل مع الله إلهاً آخر في الخلق والرزق والعطية والموهبة والمغفرة والشفاء من الأمراض والإماتة والإحياء؛ فإن هذا الإنسان لايشمله العفو والمغفرة الإلهية ويخلد في جهنم أبداً.
وهناك دليلان في القرآن الكريم يدلان على هذا الأمر العظيم، ففي سورة النساء قال الله تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}. وهذه الأية ذُكرت في موردين، وعليه يمكن أن يشمل العفوالإلهي العبد الذي لم يُشرك بالله أحدا؛ً مهما كانت ذنوبه كبيرة.
ونضرب مثالاً على ذلك: إن (أبو النجم) الشاعر وقف يوماً على جنازة ابنته في وقت كان الناس يحفرون القبر لدفنها؛ فجاءه الحسن البصري ليعزيه فقال له الحسن البصري: يا أبا النجم ماذا أعددت لهذا وأشار الى القبر؟ فقال له أبو النجم: أعددت لهذا شهادة أن لا إله إلا الله مدّة ثمانين عاماً، يعني أنه ليس لي عمل يسهل له أمري بعد - ولأنه لم يكن معروفاً بالتقوى - ولكن أملي الوحيد هو التوحيد الإلهي الذي أنا معتقده منذ ثمانين عاماً وبعد أن مات أبو النجم رأى أصحابه في المنام إن أبا النجم له مقام شامخ في الجنة فسألوه: إنك لم تعمل خيراً في الدنيا فكيف وصلت الى هذا المقام؟ فأجاب: بنفس الجواب الذي أجاب به الحسن البصري.
وهذه العبارة مذكورة في دعاء السحر للإمام السجاد عليه السلام والذي رواه (ثابت بن دينار) المعروف (بأبي حمزة الثمالي) فبعد أن ذكر الإمام عليه السلام تضرعه وعجزه وأظهر الخضوع وبكى وتأوه لقلة فعله للخير؛ ذكر أمراً سكنت له نفسه ورضيت بعد طول المعاناة فقال عليه السلام: (فلك الحمد على ما نقّيت من الشرك قلبي).
والحقيقة وأنا أشرح هذا الدعاء أقول: بأني شخصياً ولعدة أسباب أرى نفسي مستحقاً لأنواع العذاب الإلهي، وتصل بي الأمور الى اليأس، ولكني وبفضل عقيدة التوحيد الخالص والإعتقاد الراسخ بنبذ الشرك؛ يعود لي الأمل بالعفو الإلهي الكبير؛ فتطمئن نفسي الى الخلاص من العقاب، ولكني أعلم أن الأمن من عذاب الله من الذنوب الكبيرة؛ فأخاف أيضاً من الوقوع في هذه المعصية الكبيرة: أي الأمن من عذاب الله.
وإنه ليرق قلبي لبعض البشر المتخبطين بالشرك مثل الشيوعيين والماديين وعبدة الأوثان وعبدة الأشخاص وسائر المذاهب الأخرى؛ التي تجعل مع الله إلهاً آخر. ويرق قلبي أكثر للناس الذين نشأوا في مهد الإسلام وولدوا في عوائل مسلمة؛ ولكنهم نبذواالتوحيد الخالص ومالوا الى الشرك؛ مثل المخدوعين الذين غرّتهم فلسفة اليونان التي تقوم أسسها على الشرك ومباديء الشرك؛ مثل القول( بوحدة الوجود) والقول (بالعقول والنفوس القديمة) وغيرها، وكذلك الغلاة وخاصًة فرقة الشيخية الضالة وفروعها وهي: الكشفية والبابية والبهائية والأزلية، وأمثال هذه الفرق التي أسسها أعداء الإسلام لكي يُضعفوا عقائد المسلمين، ويفرقوا كلمتهم؛ ليتسنى لهم السيطرة على بلاد المسلمين.
لينتبه أصحاب هذه الفرق والطوائف المنحرفة ماذا أعدوا ليوم القيامة؟ وكيف يخلصون أنفسهم من عذاب الله؟ أعوذ بالله من الشرك وأهله.
الثاني: معرفة الله؛ معرفة الله تؤدي الى اليقين بالنجاة من العذاب الإلهي، والمعرفة هي غير التوحيد، ومعناه: أن الإنسان يعتقد بأن الله منزه عن الحدود الزمانية والمكانية، وكذلك من الصفات الإنسانية التي يتصف بها المخلوقون، وكذلك تشمل كل ما ورد في الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الشريفة، والكتب التي تبحث في علم التوحيد.
ومن أفضل الكتب التي كتبت في التوحيد هو كتاب (المعارف المحمدية) والذي ألفته قبل ثلاثين سنة وطبع في مصر وهو يحتوي على التحميدات والتكبيرات وغيرها، والتي وردت عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيت العصمة من آله الطاهرين عليهم السلام، ومن أراد فليراجع هذا الكتاب.
في سورة البقرة يقول سبحانه وتعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} وأعظم الذكرالذي يوجب مغفرة الله تعالى؛ هي الصلاة اليومية في الليل والنهار.
وفي سورة هود قال سبحانه: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّالْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}. والمراد من { وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ } هو: صلاة الليل.
سأل أمير المؤمنين على عليه السلام أصحابه مرّة فقال: أي آية في كتاب الله أرجى؟ فقال أحدهم: قوله تعالى: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} وقال آخر: قوله تعالى: { لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} وقال ثالث: قوله تعالى: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} وقال رابع: قوله تعالى: { وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} وقال غيرهم: قوله تعالى: { وَالَّذِينَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةًأَوْ ظَلَمُواْأَنْفُسَهُمْ}.
فقال الإمام عليه السلام: كل هذه الآيات توجب الرجاء، ولكن هناك أرجى من كل هذه الآيات. فقالوا: وماهي ياأمير المؤمنين؟ قال عليه السلام: آية: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ...}. ثم قال عليه السلام: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: آية في كتاب الله هي: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ...} تغسل جميع الذنوب كما يغسل الماء أدران البدن، وكيف يكون حال امرء على باب داره نهر جار وهو يغتسل في هذا النهر في كل يوم خمس مرّات؟ فهل يبقى على بدنه من الأدران شيء؟ وهكذا تفعل الصلاة بالذنوب، إنتهى ملخصاً.
وقد ورد في الأخبار الكثيرة عن الشيعة والسنّة؛ إن الصلاة تمحو الذنوب.
وسر هذا الأمر ذكرته في كتاب (آحياء الشريعة في مذهب الشيعة) في باب العبادات، واستنتجت من ذلك؛ أن الخير كل الخير، والسعادة والشرف والقوّة والقدرة والعظمة ودوام الحكم ودفع البلايا والمصائب؛ تكمن في المواظبة على الصلاة. وطالما التزم المسلمون بها ولم يستخفوا بها لن يذلّوا أبداً، ونجاة المسلمين من الذلة والمسكنة والهوان منحصر في إقامة الصلاة؛ وبالخصوص صلاة الجمعة والتي تشمل كل الخيرات والحسنات.
وذكرت في آخر كتاب (كشف الأسرار) بعض أسرار الصلاة، يراجع هذا الكتاب. والويل لتاركي الصلاة في الدنيا والويل لهم في الآخرة.
وإن أعداء الإسلام يُشجعون المسلمين على التساهل في أداء الصلاة، وبعض المسلمين الجهلة يتبعون هؤلاء الأعداء فيُهلكون أنفسهم بأنفسهم.
ثالثا: التضرع والدعاء؛ فقد جاء في سورة الفرقان قوله تعالى: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}.
رابعاً: السجود لله من أفضل الأعمال فقد ورذ في الحديث الشريف تفسيراً لآيه سورة الأعراف قوله تعالى: { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}. فقد ورد أن الملائكة سألوا ربهم فكيف الخلاص وكل الطرق مسدودة؟ فجاء الخطاب من الله سبحانه: إني أبقيت لهم طريقين وهما؛ طريق من أعلى رؤوسهم والآخر من أسفل أقدامهم. ومعنى الحديث؛ هو الدعاء والسجود لأن الدعاء يصعد الى الأعلى، والسجود يكون على الأرض. وفي هذين الطريقين أسباب الخلاص ونجاة بنى الإنسان.
خامساً: شكر الله سبحانه؛ فقد جاء في سورة إبراهيم (ع) قوله تعالى: { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.
سادساً: الإعتراف بالألوهية في القلب، والتفكر في العظمة الإلهية؛ كما ورد في الحديث: (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة). ًوبذلك جاء في سورة آل عمران في وصف أولي الالباب قوله تعالى: { الَّذِينَيَذْكُرُونَ اللّهَقِيَامًا وَقُعُودًاوَعَلَىَ جُنُوبِهِمْوَيَتَفَكَّرُونَ فِيخَلْقِ السَّمَاوَاتِوَالأَرْضِ}. وكذلك ورد في القرآن الكريم في عبارات كثيرة ً: { أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}. ويشمل التفكر في كل العلوم؛ الطبيعية والفلكية والطب والتشريح وعلم الأحياء وعلم الفيزياء، وكلما اكتشف الإنسان من العلوم المتداولة في هذه الأيام، والتي ستُكتشف بعد ذلك، وكلما ارتقى البشر ازدادت علومه؛ فإن عظمة الله ستظهر جلية أكثر من ذي قبل.
سابعاً: ذكر الرجاء؛ وهو العلم الذي يؤدي الى الخضوع والخشوع لله، وليس العلم الذي تصاحبه الغفلة، فالعلم الذي يرافقه التوجه والإعتقاد بآثار التدبير والخلقة؛ يؤدي الى النجاة.
وأما العلم الذي تصاحبه الغفلة فإنه يوجب الهلاك والحسرات في الدنيا والآخرة.
ومثال هذا حال كثيرين؛ علماء الطبيعة والطب وعلم الفيزياء والكمياء وعلم الأحياء، وغيرهم من العلماء، فإنهم يشاهدون كل يوم آثار التدبير والقدرة الإلهية في كل ذرة من ذرات هذا الكون، ولكنهم ينكرون خالق ومدبر هذا الكون!!.
ثامناً: السعي الى المساجد والكعبة؛ بقصد العبادة.
تاسعاً: الإستغفار والإنابة؛ وقد ذكرت في أول الكتاب بعض آثار الإستغفار. قرأ الإمام على عليه السلام في خطبة له الآية ٣٣ من سورة الأنفال قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ثم قال: في هذه الآية طريقان لنجاة البشر واحدة رُفعت من الأرض يعني وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأخرى باقية ما بقي الدهر وهي؛ الإستغفار، فعليكم بالإستغفار.
عاشراً: الفضل والكرم الإلهي.
الحادي عشر: ضعف وعجز الإنسان؛ الأمر الذي يوجب الأمل بالنجاة والخلاص؛ هو أن الله سبحانه بعظمته وقوته كيف يعذب عبده مع ما يحمله هذا العبد من ضعف وعجز؛ كما جاء في سورة النساء قوله تعالى: { مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} ولكن هذا لايعني أن يأمن الإنسان من عذاب الله، لأن الله سبحانه وعد بالعذاب والعقاب على المعاصي وهو صادق الوعد والوعيد، ولكن جانب الرجاء والأمل أرجح من جانب اليأس من النجاة، كما ورد في أحد الأدعية عبارة: (يامن سبقت رحمته غضبه).
الثاني عشر: الإستغاثة والتضرّع والبكاء والخشوع أمام الله تعالى.
الثالث عشر: كثرة الرجاء والتوسل؛ كل هذه الأمور تُعطي الإنسان الأمل برحمة الله وبالخلاص من العذاب، وهذه الأمور ذكرناها وبشكل حتمي سوف يكون العبد مشمولاً برحمة الإله الغافر الرحيم.
وإن عذاب جهنم والنار تُصيب المشركين والمعاندين فقط الذين يكون منشؤ ارتكابهم للمعاصي ؛ العناد والإصرار ومحاربة الله حتى ولو قالوا نحن مسلمون بألسنتهم وهم كافرون بالفعل، وقولهم بألسنتهم نحن مسلمون لا يدل على أنهم مسلمون؛ لأن إنكار ضروريات الدين يستلزم الكفر وأي إنكار أكبر من عدم المبالاة بارتكاب المعاصي والنواهي الإلهية، والسخرية بأحكام الدين الواردة عن النبي صلى عليه وآله وسلم. وترك ضروريات الدين بالعمل؛ قطعاً أعظم من الإنكار بالقول.
اللهم أجرنا من عذابك وسخطك.
هناك بعض الأمور التي تبعث الأمل في نفوس الكفار مثلاً وجود الضعف والعجز عند الإنسان، وفي مقابله قوة وقدرة الخالق وعظمته، وكذلك تضرع الكفار وأنينهم ودعوتهم الويل الثبور في جهنم، هذه الأمور قد تعطي هؤلاء الكفار بعض الأمل في النجاة، ولكن هذه الأمور لاتنفع الكفار ولا تنقذهم، لأنه وكما مرّ في هذا الدعاء الشريف؛ إن الأدلة القوية التي تثبت أن ضعف الكفار لايستوجب الرحمة الإلهية لهذا الإنسان، وإن بكاء الكفار وعويلهم في النار لاينفع بدون التوحيد الذي كان عليه أن يلتزم به في حياته، والصراخ في نار جهنم بدون معرفة الله في الدنيا لا يكون سبباً لغفران الذنوب.

يتبع الجزء الاخير

أسألكم الدعاء

تحياتي

شمس الأصيل

__________________
لأي الأمور إليك أشكو ؟

شمس الأصيل غير متصل