عرض مشاركة واحدة
قديم 22-12-02, 10:06 PM   #1

ولاية الكرار
مبتدئ  







رايق

الشيخ عبد الحميد الخطي يتحدث عن استاذه الشيخ فرج عليهم الرحمة


بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء نرحّب بشيخنا الجليل العلاّمة الشيخ عبد الحميد الخطّيّ نجل الامام المقدّس المغفور له الشيخ علي ابن الحاج حسن ابن الحاج مهديّ الخنيزيّ القطيفي، ثم نتقدّم له بالاسئلة التالية حول العلاّمة الحجّة الشيخ فرج العمران(رحمه الله):

n : هل كانت لكم علاقة بالشيخ فرج العمران ـ رحمه الله تعالى ـ قبل دراستكم على يديه؟

n : لم تكن لي باُستاذي العلاّمة الشيخ فرج ـ طيّب الله نفسه، وعطّر مرقده ـ أيّة علاقة سابقة على معرفتي به قبل الدرس.

n : إذن متى بدأت علاقتكم به(قدس سره)؟ وكيف كانت تلك العلاقة؟

n : بدء صلتي به كتلميذ باُستاذ يوم طلب منه والدي الامام أبو الحسن الخنيزي أن يدرّسني (ألفيّة ابن مالك)، فحضرت عنده فترة من الزمن أكملت خلالها الالفيّة على يده; حيث إني قد بدأتها عند غيره، وكانت هذه الدراسة في القطيف.

n : وهل درستم عنده أيّام إقامته في النجف الاشرف؟

n : نعم، تجدّدت صلتي به كتلميذ باُستاذ في النجف الاشرف عندما قرأت عنده (حاشية الملا عبدالله) في المنطق، وكان شريكي في هذا الدرس فضيلة الشيخ عليّ المرهون. كما أني درست على يديه كتاب (المختصر) في البلاغة.

n : يبدو أن علاقتكم به في القطيف كانت مجرّد علاقة تلميذ باُستاذ، فهل بقيت هذه العلاقة في النجف الاشرف على ما هي عليه، أو تغيّرت إلى نحو آخر؟

n : في رحاب أمير المؤمنين أمير السيف والقلم ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ انعقدت بيني وبينه صلتان: صلة التلميذ، وصلة الصديق. وكنت ألقى منه ضرباً من المعاملة تفوق معاملة الاُستاذ لتلميذ من تلاميذه، فإنه كان يحوطني بالتجلّة والاحترام.

n : لم يلبث الشيخ فرج في النجف الاشرف إلاّ يسيراً، فما هو شعوركم وأنتم تفارقونه؟

n : لقد ترجمت ما اُكنّ لهذا الاُستاذ من تقدير وحبّ وإعجاب في عدّة مناسبات، ومن تلك المناسبات ـ ممّا يتجلّى بكل وضوح وجلاء ـ ما ودّعته به يوم فارقنا من النجف الاشرف، علماً أنه يومَ فارقنا من النجف الاشرف آيباً إلى وطنه القطيف، كنت لا أزال في دور الحبو، وبعد لم يشتدّ ساعدي، ولم أقم على قدمين قويّتين. ومع ذلك جاء في توديعي له بقطعة شعريّة فيها من الحرارة وصدق التعبير واللهفة والحنين ما كان أكبر من قدراتي الادبية في ذلك الوقت، وأتبعت تلك القطعة الشعريّة التوديعيّة بكتاب يزخر بالعواطف الدافئة، وبشعور الاكبار، وبصور الصدق والاخلاص. ويجد كلّ قارئ لكتابه (الرحلة النجفيّة) ما جرى بيني وبينه مفصّلاً.


n : هذا عمّا كان في النجف الاشرف، ولكن بعد أن عدتم من النجف الاشرف واستقرَّ بكم المقام في القطيف، هل استمرت العلاقة على ما هي عليه؟

n : بعد رجوعنا من النجف الاشرف تعمّقت جذور هذه الصلة، واشتدّت وكبرت، حتّى صار يعاملني معاملة الندّ للندّ، وكان يتعهّدني بالزيارة في بيتي، كما كنت أتعهّده بالزيارة في بيته.

والمتتبع لكتابه (الازهار الارجيّة في الاثار الفرجيّة) يحسّ ـ بل يلمس ـ أنه كان لا يعاملني معاملة التلميذ، وما انفصمت عرى هذه الصلة الّتي بيننا قط، وما شابتها شائبة كدر، بل استمرّت هذه الصلة الحميمة بيننا، وهذا الحبّ حتى اختاره الله إلى دار كرامته.

n : هل تتذكرون بعض المواقف الّتي تدلّ على عمق العلاقة الّتي بينكما، خصوصاً من جانبه نحوكم؟

n : كثيرة هي تلك المواقف، ولكني أغض النظر عن ذكر أكثرها; لئلا اُتّهم بمدحي لنفسي ـ فأنا غنّي عن ذلك ـ وإذا ما ذكرت شيئاً منها، فما هو إلاّ وفاء مني إليه، عليه الرحمة.

لما امتُحن بقضية (مسجد اليسع) وناله منها ما ناله ـ ممّا لا يسع بيانه ـ وقفت إلى جانبه بكل ما أملك من طاقة، وبذلت كل ما أملك من جهد في ألاّ يصل إليه أذى، حتى انتهت المشكلة وخرج منها كما يحبّ، لم يصبه سوء ولا مكروه. ولما قبض الله ابنه الشابّ عليّاً لم يختر سواي للصلاة عليه. وكلّ طلاّب العلم من صغار وكبار هم بين تلميذ له وبين مستفيد منه وبين صديق له; إذ ليس بينه وبين أحد من أهل العلم ما يشوب الاخاء أو يكدّر الصفاء. ولاسُق دليلاً على ما قلت من أنه يقدّرني لئلا أكون مدّعياً فيما قلت. عندما اُسند إليَّ القضاء، غمرت كيانه نشوة، وهزّت أعطافه فرحة، وملات قسمات وجهه البشرى، واغتبط بذلك اغتباطاً لا حدود له، وقد ترجم ذلك كلّه في القصيدة الّتي قدّمها إليَّ، وهي تكفيني عن كلّ دعوى. ونحن نسوقها بين يدي القارئ، لتكون قضيّة دليلها معها. والقصيدة تحمل عنوان (هنِّ القطيف)، وهي:
هن القطيف وساكنيه الصيدا
فاليوم عاد لها القضاء جديا
اليوم عاد لها القضاء فاصبح النادي
مضيئا والزمان سعيدا

كان محبّاً للعلم، قضى عمره الطويل، وما شغله بغير الدرس والتدريس والتحصيل والكتابة. وكان يتمتّع بموهبة الدقة والاستيعاب، وكان باحثاً جلداً لا يعرف الملل ولا الكلل، ولتمتّعه بهذه الصفة ترك ثروة علمية وأدبية لا يستهان بها.

n : وهل كانت بينكم علاقة على جانب الانتاج العلميّ والادبي؟

n : كان يعرض عليَّ كلّ ما يكتب وكلّ ما ينظم، وإنني لاخجل أن أقول: إنّه يأخذ برأيي فيما يعرضه عليَّ من آثاره كما أني كنت اُطلعه على ما صدر منّي، فيتلقّاني بصدر رحب، وحنان فيّاض، ويغمرني بعطفه الابويّ، ويدفعني إعجابه إلى أن اُواصل خطاي في طريقي.

n : ما هي الصفات العلميّة التي تمتّع بها عليه الرحمة والرضوان؟

n : إني لاعرف أستاذي الشيخ فرجاً أنه كان محبّاً للعلم، قضى عمره الطويل، وما شغله بغير الدرس والتدريس والتحصيل والكتابة. وكان يتمتّع بموهبة الدقة والاستيعاب، وكان باحثاً جلداً لا يعرف الملل ولا الكلل، ولتمتّعه بهذه الصفة ترك ثروة علمية وأدبية لا يستهان بها.

وربما لُمِّح إليه أن نثره ونظمه... بلمحات وإشارات يفهمها بسرعة فائقة، فيقول: (لو كنت أستطيع أكثر من هذا لما تأخّرت، ولكنْ كلّ مخلوق ميسّر لما خلق له)، وهذه المقولة إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على شجاعة اُستاذي الشيخ فرج الادبيّة، وعدم مكابرته، وترفّعه عن المماحكة والدعاوى الّتي لا طائل منها.

n : هل كان في تدريسه ذا طريقة خاصّة؟ أم إنه يمثّل نفس الاُسلوب المتّبع؟

n : أمّا كيفيّة تدريسه فهي كيفيّة مألوفة في القطيف وفي النجف الاشرف، لا تختلف من اُستاذ لاُستاذ، فقد كان يأخذ الكتاب بيده، والتلميذ بيده كتاب أيضاً فيقرّر علينا البحث جملة جملة، حتّى يكمل الوقت الذي قدّره في نفسه، كم يستوعب من الوقت.

n : هل لكم ملحوظات أو سلبيّات على تدريسه؟

n : إن من واجبي كتلميذ مخلص لاُستاذه، واُستاذ رعى تلميذه بكلّ عناية، وخصّه بكل محبّة ألاّ أذكر السلبيات، وما أحد منّا يخلو من السلبيات، كان قديراً في كلّ ما قرأته عنده.

n : كان الوضع الاقتصاديّ في تلك الفترة الزمنيّة متدنّياً، ولقد أثّر هذا على إقامة الشيخ فرج في النجف الاشرف، فهل لكم أن تحدّثونا عن شيء من ذلك بهذا الصدد؟

n : بعد تنهّد عميق يقول الشيخ الخطّي ـ : ضع عنواناً: (الشيخ فرج في النجف الاشرف)، إن اُستاذي الشيخ فرجاً ـ عطر الله رمسه، وطيّب الله نفسه ـ ما استقامت حياته في النجف الاشرف كما كان يأمل; لانه عندما سافر من القطيف إلى النجف الاشرف للتزوّد من العلم، ما كانت له مادّة يتّكل عليها حتّى ينصرف بكلّ قواه لطلب العلم; من حضور بحوث الخارج، ومن التدريس وغير ذلك. وكان مثقلاً بعائلة، وكان على إباء شديد، فاضطرّ أن يكثر من العبادة بالاجر; ممّا أنهكت قواه وشغلت فكره وشوّشت باله.

وكان ما يُجرى له من مرتّب ومن خبز لا يقوم بأود عائلته الكبيرة، إلاّ إنه رزق امرأة كريمة أعانته على ما هو فيه من شظف العيش والضائقة الماليّة الخانقة، وربما علّلت أطفالها بقدر تملؤها ماءً وتضعها على النار حتّى يظنّوا أن هذا هو الغذاء الّذي ينتظرونه.

وكان رجلاً يتمتّع بصفات الرجولة; من الصبر والكتمان وتحمّل المشاقّ، وعالج الاُمور بكلّ ما كان في طوقه، ولكن الاُمور غلبت علاجه وطوقه; ممّا اضطرّه أن يقفل إلى وطنه، والحسرة تعصر قلبه، والالم يعصف بروحه.

وأنا أعرف الناس به في هذه الحالة، وعندما أتحدّث فأتحدث عن علم يقين لا عن رجم بالغيب ولا عن تخرّص، وهو لم يحصل على زيادة علميّة في النجف أكثر مما قصدها به من بلده; لان عدم استقامة الحياة معه ما تركت له مجالاً للتزوّد. ولكن الله منَّ عليه في اُخريات أيّامه بمكانة علميّة، ونال ثقة من آية الله الحكيم، وعناية فائقة منه، فاستقامت حاله وصار علماً يشار إليه بالبنان في القطيف، وازدحم مجلسه بالمؤمنين الّذين يخرجون الحقوق من ذممهم، بل كان الاوّل في القطيف بلا منازع.

كان رجلاً يتمتّع بصفات الرجولة; من الصبر والكتمان وتحمّل المشاقّ، وعالج الاُمور بكلّ ما كان في طوقه.

وعاش عيشة مطمئنة، وكان يصل جملة من الناس، والصبر عاقبته دائماً وأبداً حميدة، وأعطى الله الشيخ فرجاً عاقبة صبره الخير كلّه حتى وافى ربَّه.

n : هل كان الشيخ فرج يتدخّل في القضايا الاجتماعية العليا في المجتمع؟

n : عرف عنه أنه لا يتدخّل في هذه الشؤون قطّ، ولايشهد إلاّ في وصيّة، إلاّ إنه في اُخريات أيّامه كان يوقّع في كلّ شيء يعرض عليه إذا رآني قد دخلت فيه، وإذا لم يرَني لم يدخل قطّ. وهذه من أياديه البيضاء التي طوّقني بها(رحمه الله).

n : ربما سمعنا من هنا وهناك إشارات غمز أو استنقاص حول كتاب (الازهار)، ما تعليقكم على ذلك؟

n : إن هؤلاء الذين يغمزون الشيخ في بساطته العفويّة، وإرسال نفسه على سجيّتها، مخطئون خطاً فادحاً، فإنّه أراد أن يكون كتابه (الازهار) قبل أن يكون كتاب تراجم، أو كتاب مسائلَ علميّة... أراده أن يكون كتاب مذكّرات يوميّة لحياته، وما يلابسها من تعارف ومن قيد للصغير وللكبير ممّا يمرّ عليه في حياته. وهو في الحقيقة إذا نظرنا إليه نظرة عامة، فهو كتاب ذو قيمة أدبيّة وتاريخيّة، حفل بالكثير من الفوائد، وحفظ لنا تراجم أشخاص لولا هو لضاعت في تلافيف النسيان، كما ضاع كثير من تراث هذا البلد. وهو كتاب كمادّة خام نافع ومفيد لجميع أصناف الجمتمع، من عالم وأديب وخطيب ومؤرّخ وكاتب تراجم.

n : هناك دعوة لاعادة طبع (الازهار) مختصراً، ودعوة اُخرى لاعادة طبعه كاملاً بعد تحقيقه، فأي الدعوتين تؤيّدونها؟ ولماذا؟

n : أنا لا أرى أن يعاد طبعه مختصراً; لان اختصاره معناه حذفُ الكثير منه، وهذا خلاف ما أراده(رحمه الله) كما أنه خلاف الامانة العلميّة والتاريخيّة. وأمّا إعادته محقّقاً، بأن يكون خِلواً من الاغلاط، وبطباعة لائقة بالعصر الحديث، وأن يلحق به فهارس، فهذا جميل، وأنا أشدّ على يد من يقوم بهذه المهمّة.

n : كانت للشيخ فرج(رحمه الله) يد طولى في حفظ الكثير من تراث القطيف العلميّ والادبيّ، وترجمة الكثير من رجالها، فهل قوبل بالشكر والتقدير.

n : قوبل بالتقدير عند من يقدر جهود الرجال، ويعرف مقدار معاناتهم.

n : ما تعليقكم على قيام (مجلّة التراث) بتخصيص عدد خاص بهذه الشخصيّة اللامعة؟

n : عمل جميل وعرفان لاهل الفضل بالفضل. ونأمل ألاّ تقف المجلة عند الشيخ فرج فقط، ويا حبذا لو بدأت بأساتذة الشيخ فرج، ثم تسلسلت حتّى تصل إلى الشيخ فرج.

n : هل لكم كلمة توجّهونها لرجال الفكر، وحملة الاقلام القطيفيّين من خلال هذا المنبر؟

n : نصيحتي لحملة الاقلام سواء كانوا علماء، أو كانوا شعراء أو كانوا كتّاباً أن يُخلصوا في عملهم، وألاّ يتعجّلوا في نشر آثارهم; فإنّ كلّ بلد يعرف برجاله، فإذا صبروا وتأنّوا وجوّدوا، جاءت آثارهم تلفت الانظار إليهم، والعكس إذا تعجّلوا ولم يتأنّوا فلن يشدّوا إليهم نظر أحد، ولن يلقي أحد إليهم بالاً. وربما كانت الاثار غير المستكملة وغير المحكمة سبّة على الشعب أكثر من أن تكون مفخرة له، فإنني وغيري نعلم أن كتباً تصدر لا يفهمها حتى من صدرت باسمه، لانه لم يعانِ ولم يبذل جهداً في تحقيقها بل ولا في فهمها، وما زادت عن الببغاء، تقول ما قيل لها، وهذا ما أخشَاه على النشء الجديد.

وفي الختام نتقدّم بالشكر الجزيل لسماحة العلاّمة الشيخ عبد الحميد الخطّيّ، على ما أتحفنا به حول هذه الشخصيّة اللامعة الّتي أحرقت نفسها لتضيء درب السالكين في المهامة المظلمة، ونتوجّه إلى الله سبحانه متضرّعين ليمّن على شيخنا الخطّيّ، السائر على درب سلفه الصالح في خدمة الشرع الشريف والحفاظ على بنيانه المتين، وأن يمنَّ عليه بدوام الصحّة وموفور العافية، إنه سميع مجيب.

يوم الخميس 9 ربيع الاخر 1420 هـ


بقلم الاستاذ لؤي محمد شوقي آل سنبل
دار المصطفي(ص) لاحياء التراث

ولاية الكرار غير متصل