حكاية مسلم (ع)
دخل الكوفة . فوجدها مدينة اشباح ، يسودها الهدوء القاتل . الدوريات العسكرية وحدها تجوب اسواقها المعطلة .. ولم يدم تجواله طويلا فما لبث ان قبضوا عليه .. من انت ؟ وما الذي جعلك تتخلف عن دعوة الامير بالنفير .
عقلت الدهشة لسانه ، واي امير واين نفير .. انا رجل من البادية .. قبل ان يكمل حديثه اسكته احد الجنود وقال .. لا وقت لنا لسماع حديثك ، اذهب معنا الى الأمير لينظر في امرك .
كانت الكوفة مدينة معمورة على عهد النبي نوح عليه السلام .. وتقول الروايات انها كانت مركز الطوفان العظيم . الذي اغرق تلك المنطقة الأهلة من العالم في اطراف الرافدين .
وهدمت المدينة فعمرت كرات عبر التاريخ المديد . وحينما فتح الجيش الشرقي للمسلمين العراق ، لم تكن الكوفة مدينة كبيرة . بل مجرد قرى وضياع حول نهر الفرات . فبنى المسلمون فيها مدينة كبيرة لجيشهم الذي اتخذ منها قاعدة انطلاق الى بلاد الشرق . وسميت بكوفة الجند ، وكان الجيش الشرقي المستقر فيها كبيرا وقويا ، وحينما بويع الامام علي عليه السلام للخلافة بعد مقتل الخليفة الثالث . ولم يبايعه معاوية امير جيش الشام . ( وهو الجيش الثاني بعد جيش الكوفة )
وتمرد اهل البصرة بقيادة جمع من رؤساء قريش ( طلحة والزبير وعائشة ) هاجر الامام علي الى الكوفة و اتخذها قاعدة عسكرية لاحتواء التمرد في البصرة ، ودحر العصيان في الشام .
وهكذا اصبحت الكوفة دارا للخلافة . واشتركت في اكثر من حرب ضد جيش الشام . وبالرغم من انهزامها امام ذلك الجيش الذي استفاد من الخبرة العسكرية الرومانية ، الشيء الكثير كما واستخدم المكر والخداع ..
بالرغم من ذلك إلا ان الكوفة ظلت تضمر العداء لحكومة بني أمية . وتوالي أهل البيت . وتنتظر الفرصة المناسبة للثورة عليها . وجاءت الفرصة بموت معاوية وتململت البلاد الاسلامية فبادر اشراف الكوفة الى مراسلة الامام الحسين عليه السلام ليقدم اليها لعلهم يحاربون تحت لواءه الشرعي . ولكن يزيد وتبعا لرأي مستشاره الرومي سرجون اختار ابن زياد لولاية الكوفة فجاءهم بالوعد والوعيد وأخذ يخوفهم من جيش الشام ثم اشترى بعض الضمائر بالمال .
فاستطاع ان يستميل العناصر الضعيفة التي ما لبث ان جندها لحرب ابي عبد الله الحسين عليه السلام بقيادة عمر بن سعد بن وقاص . والذي كان والده قائدا اعلى في يوم من الايام لجيش العراق ..
ثم اعلن النفير العام . وان من تخلف عن التجنيد يؤخذ ويضرب عنقه .. وكان هذا الاعرابي ضحية هذا النفير ..
مثل الرجل امام ابن زياد فسأله لم لم تذهب الى قتال الحسين ؟
قال : ايها الأمير انا رجل من الاعراب كنت قد بعت رجلا من اهل الكوفة نياقا بأجل ، وجئت لاقبض ثمنها .
كانت نبرات الصدق واضحة في كلمات الرجل و كان يتكلم بثقة كافية ، فنظر ابن زياد الى جلساءه وقال : اظنه صادقا ، ولكنه التفت الى الجلاد . وقال : خذه واضرب عنقه ليكون عبرة لغيره .. وبعد لحظات كان رأس الاعرابي يتدحرج امام قدم ابن زياد .. ليكون شاهدا جديدا على القمع الأموي .
يتبع