بسمه تعالى
السلام عليكم ورحمة الله
نتوصل معكم ايها الاخوة الاعزاء بعد هذه العودة المباركة لهذا المنتدى الكريم في عرض باقي النقاط التي وعدناكم ان نتناولها وقد كان من المفترض ان يكون هذا اليوم هو آخر هذه الدراسة ولكن الهجوم الفاشل لتلك الشرذمة الحاقدة حالت بيننا وبين التواصل ولكننا سوف نتواصل معكم بأذن الله في هذه الايام وقبل كل شيئ نحب ان نرفع التهاني والتبريكات الى مولانا الامام المهدي المنتظر روحي فداه بمناسبة ميلاد جده المصطفى وابيه الصادق عليهما وآلهما السلام وكذلك لكم ايها الاخوة الاعزاء فكل عام وانتم بخير وعافية سائلين الله عزوجل ان يديم علينا جميعاً نعمة الولاية وان يثبتنا واياكم على ولايتهم وعلى البرائة من أعدئهم ..........
النقطة الاولى من هذه المداخلة :اختلاف الأمة في درجات حبّهم للنبي
وليست الأمة المؤمنة في ذلك شرعاً سواء ، بل هم فيه متفاوتون على اختلاف درجات عرفانهم به كاختلافهم في حب الله تعالى .
قال القرطبي : ( كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إيماناً صحيحاً لا يخلو من وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة غير أنهم متفاوتون ، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى ، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى ، كم كان مستغرقاً في الشهوات ، محجوباً في الفضلات في أكثر الأوقات ، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده ، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردد فيه )
النقطة الثانية : مظاهر الحب في الحياة
إن لهذا الحب مظاهر ، إذا ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له إنعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرفاته ، بل إن من خصائص الحب أن يظهر أثره على جسم الإنسان وملامحه ، وعلى قوله وفعله ، بصورة مشهودة وملموسة .
فحب الله ورسوله الكريم لا ينفك عن اتباع دينه ، والاستنان بسنته ، والاتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه ، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد الحب ، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه
ولا يرضيه ، فما ادعى حباً في نفسه وخالفه في عمله ، فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين .
ولنعم ما قال الإمام الصادق عليه السلام في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مدّعي الحب الإلهي كاذباً :
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه------ هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقاً لأطعته -------إن المحبّ لمن يحبّ مطيع
النقطة الثالثة :للحب مظاهر وراء الاتّباع
نعم لا يقتصر أثر الحبّ هذا ، بل له آثار أخرى في حياة المحبّ ، فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه ويزيل حاجته ، ويذبّ عنه ، ويدفع عنه كل كارثة ويهيىء له ما يريحه ويسرّه إذا كان حيّاً .
وإذا كان المحبوب ميتاً أو مفقوداً حزن عليه أشد الحزن ، وأجرى له الدموع كما فعل النبي يعقوب عليه السلام عندما افتقد ولده الحبيب يوسف عليه السلام فبكاه حتى ابيضت عيناه من الحزن ، وبقي كظيماً حتى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود ، هشّ له وبشّ ، وهفا إليه شوقاً وحبّاً .
بل يتعدى أثر الحبّ عند فقد الحبيب وموته هذا الحدّ ، فنجد المحبّ يحفظ آثار محبوبه ، وكل ما يتّصل به ، من لباسه وأشيائه ، كقلمه ودفتره وعصاه ونظارته . كما ويحترم أبناءه وأولاده ، ويحترم جنازته
ومثواه ، ويحتفل كل عام بميلاده وذكرى موته ، ويكرمه ويعظمه حبّاً به ومودة له .
إلى هنا ثبت ، أن حب النبي وتكريمه أصل من أصول الإسلام لا يصحّ لأحد إنكاره ، ومن العلوم أن المطلوب ليس الحبّ الكامن في القلب من دون أن يرى أثره على الحياة الواقعية ، وعلى هذا يجوز للمسلم ، القيام بكل ما يعدّ مظهراً لحبّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ، ولا يكون منكراً في الشريعة ، نظير :
1ـ تنظيم السنة النبوية ؛ وإعراب أحاديثها ، وطبعها ، ونشرها بالصور المختلفة ، والأساليب الحديثة ، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت عليهم السلام وأحاديثهم .
2ـ نشر المقالات والكلمات ؛ وتأليف الكتب المختصرة والمطولة حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعترته عليهم السلام وإنشاء القصائد بشتى اللغات في حقهم ، كما كان يفعله المسلون الأوائل .
فالأدب العربي بعد ظهور الإسلام يكشف أن إنشاء القصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مما يعبّر به أصحابها عن حبّهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فهذا هو كعب بن زهير ينشئ قصيدة مطولة في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منطلقاً من إعجابه وحبّه له صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقول في جمله ما يقول :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ------- متيّم إثرها لم يفد مكبول
نبّئت أن رسول الله أوعدني -------- والعفو عند رسول الله مأمول
ويقول :
مهلاً هداك الذي أعطاك نا --------- فلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
إن الرسول لنور يستضاء به -------- مهند من سيوف الله مسلول
وقد ألقى هذه القصيدة في حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وهذا حسان بن ثابت الأنصاري يرثي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويذكر فيه مدائحه ، ويقول :
بطيبة رسم للرسول ومعهد ------- منير وقد تعفو الرسوم وتحمد
إلى أن قال :
يدلّ على الرحمان من يقتدي به -------- وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهداً -------- معلم صدق إن تطيعوه يسعدوا
وهذا هو عبد الله بن رواحة ينشئ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها :
خلوّا بني الكفار عن سبيله -------- خلّوا فكلّ الخير في رسوله
ياربّ إني مؤمن بقيله ------- أعرف حق الله في قبوله
هذه نماذج مما أنشأه الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبي الأكرم ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.
ولو قام باحث بجمع ما قيل من الأشعار والقصائد حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم
الأكرم لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلدات . فإن مدح النبي كان الشغل الشاغل للمخلصين والمؤمنين منذ أن لبى الرسول دعوة ربّه ، ولا أظن أن أحداً عاش في هذه البسيطة ، ونال من المدح بمقدار ما ناله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من المدح بمختلف الأساليب والنظم .
وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائل النبي ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة ، مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنة المطهرة في هذا المجال ، فشكر الله مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة .
3ـ تقبيل كلّ ما يمتّ إلى النبيّ بصلة : كباب داره ، وضريحه وأستار قبره ، انطلاقاً من مبدأ الحب الذي عرفت أدلّته . وهذا أمر طبيعي وفطري ، فبما أن الإنسان المؤمن لا يتمكن بعد رحلة النبي (ص) من تقبيل الرسول (ص) 1 فيقبّل ما يتّصل به بنوع من الاتصال ، وهو كما أسلفنا أمر طبيعي في حياة البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه . فهذا هو المجنون العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار ، بل يقصد تقبيل صاحب الدار ، يقول :
أمرّ على الديار ديار ليلى ------- أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
فما حبّ الديار شغفن قلبي -------- ولكن حبّ من سكن الديارا
دخل أبو بكر حجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد رحيله وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثمّ أكبّ عليه يقبّله ثم بكى فقال : بأبي أنت يانبي الله لا يجمع الله عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها . ( لاحظ صحيح البخاري 2: 17 كتاب صحيح البخاري
2: 17 كتاب الجنائز ) .
4ـ إقامة الاحتفالات في مواليدهم ؛ وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم ، وذكر جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنة ، شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات بالمنهيّات والمحرّمات .
ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أي قرن من القرون ، فقد انطلق من هذا المبدأ ، أي حب النبي صى الله عليه وآله وسلم الذي أمر به القرآن والسنة بهذا العمل .
هذا هو مؤلف تاريخ الخميس يقول في هذا الصدد : ( لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ، ويعملون الولائم ، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويظهرون السرور ، ويزيدون في المبّرات ، ويعتنون بقراءة مولده الشريف ، ويظهر عليهم من كراماته كل فضل عظيم )
وقال أبو شامة المقدسي في كتابه : ( ومن حسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات والمعروف بإظهار الزينة والسرور ، فإن في ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء شعاراً لمحبته ) .
أنا لا أوافق الشيخ المقدسي في تسميته للاحتفال بالبدعة إلا أن يريد البدعة بالمعنى اللغوي ، كما أن الاحتجاج على حسن الاحتفال بالأعمال الجانبية من صدقات ومعروف وإظهار الزينة… فإن هذه الأمور الجانبية لا تسوغ الاحتفال ، ولا تصفي عليه صبغة شرعية ما لم يكن هناك دليل في الكتاب والسنة ، وقد عرفت وجوده .
وقال القسطلاني : ( ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السلام ، ويعملون الولائم ، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ، ويزيدون في المبّرات ، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عظيم … فرحم الله امرائاً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ، ليكون أشد علّة على من في قلبه مرض و أعيا داء ) .
إذا عرفت ما ذكرناه فلا نظن أن يشك أحد في جواز الاحتفال بمولد النبي الأكرم ، احتفالاً دينياً فيه رضا الله ورسوله ، ولا تصح تسميته بدعة ، إذ البدعة هي التي ليس لها أصل في الكتاب والسنة ، وليس المراد من الأصل ؛ والدليل الخاص ، بل يكفي الدليل العام في ذلك .
ويرشدك إلى أن هذه الاحتفالات تجسيد لتكريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وجدانك الحرّ ، فإنه يقضي بلا مرية على أنها إعلاء لمقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإشادة بكرامته وعظمته ، يتلقاها كل من شاهدها من كثب ، على أن المحتفلين يعزّرون نبيهم ويكومونه ويرفعون مقامه اقتداء بقوله سبحانه : ( ورفعنا لك ذكرك ) الانشراح
والى لقاء آخر معكم
والسلام