لقد ذكر الأخ الجليل الصراط المستقيم أدلة الجواز من كتب القوم واستدل من خلالها عليهم من صحاحهم بجواز الجمع بين الصلاتين ، ونحن هنا استكمالا للبحث نقول :
إنا نأخذ ديننا من أهل البيت صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ، وهم عيبة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسفن نجاة الأمة ، وعدل القرآن ، وأمناء الوحي ، فمن ذا الذي ينكر فقه هؤلاء الأمجاد ؟ أم أي منصف يعرض عن مذهب أولئك الأسياد ؟ ! فالمتعين على المسلم الانقطاع إليهم في الأصول والفروع ، لانهم أدرى بمقاصد القرآن العظيم والذكر الحكيم ، كيف لا ؟ ! وقد نزل الكتاب في بيوتهم .
وهم من جوزوا لنا الجمع بين الصلاتين ووضحوا لنا ذلك عبر القرآن الكريم وعبر الأحاديث الشريفة ، ونحن طوع أمرهم ، ولا علينا من غيرهم ، لا نأبه إن نعق ناعق أو زعق زاعق بعدم جواز شيء مما أمرونا به ونهونا عنه .
وهنا نستعرض أدلة الجواز من كتبنا :
دليل جواز الجمع بين الصلاتين من القرآن الكريم :
أما الكتاب العزيز فقوله عز من قائل : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) .
تقريب الاستدلال بالآية : أن الله سبحانه وتعالى قد افترض على عباده في اليوم خمس صلوات ، أربعا منها من دلوك الشمس - وهو الزوال على الصحيح - إلى غسق الليل - وهو انتصافه - ، فالظهر والعصر من زوال الشمس عن كبد السماء إلى غروبها ، وتشتركان في الوقت إلا أن الأولى قبل الثانية ، وكذا المغرب والعشاء تشتركان في الوقت من الغروب إلى غسق الليل إلا أن المغرب قبل العشاء ، وأفرد تبارك وتعالى صلاة الفجر بالذكر في قوله جل ثناؤه : ( وقرآن الفجر ) .
فالآية دالة على وجوب الصلوات الخمس ومتضمنة لبيان أوقاتها على ما هو المعروف من مذهب أصحابنا الإمامية ، ولازم اتساع الوقت جواز الجمع كما لا يخفى على ذي درية .
فقد اتضح من الآية ثلاثة أوقات لخمس صلوات .
أما من الأحاديث الشريفة عن المعصومين عليهم السلام :
فقد رووا ذلك عن باقر العلم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح . قال عليه الصلاة والسلام : قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن ، وغسق الليل هو انتصافه ، ثم قال تبارك وتعالى : ( وقرآن الفجر أن قرآن الفجر كان مشهودا ) فهذه الخامسة .
وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما الصلاة والسلام في قوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) قال : منها صلاتان أول وقتهما من زوال الشمس إلا أن هذه قبل هذه ، ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه .
أخرج الصدوق ابن بابويه رحمه الله في ( الفقيه ) بإسناده عن عبد الله بن سنان ، عن الصادق عليه السلام ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين ، وجمع بن المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد وإقامتين .
وأخرج في ( العلل ) عنه عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر والعصر في مكان واحد من غير علة ولا سبب ، فقال له عمر - وكان أجرأ القوم عليه - : أحدث في الصلاة شئ ؟ قال : لا ، ولكن أردت أن أوسع على أمتي .
وأخرج في ( العلل ) أيضا بإسناده عن عبد الملك القمي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قلت له : أجمع بين الصلاتين من غير علة ؟ قال : قد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أراد التخفيف عن أمته .
وأخرج ثقة الإسلام الكليني - رحمه الله تعالى - في ( الكافي ) بإسناده عن زرارة ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة ، وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة ، وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتسع الوقت على أمته .
وأخرج الشيخ رحمه الله في ( تهذيب الأحكام ) و ( الاستبصار ) بإسناده عن إسحاق بن عمار ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام : نجمع بين المغرب والعشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علة ؟ قال : لا بأس .
إلا أنه يستحب التفريق بينهم بالنوافل ، أما إذا لم ترد أن تأتي بالنوافل فلا مانع من الجمع .