عرض مشاركة واحدة
قديم 01-05-07, 10:59 AM   #5

البتول العذراء
عضو شرف

 
الصورة الرمزية البتول العذراء  






حزين

ام علي / المحتار / اهديك عيوني

شاكرة مروركم

وهذا جزء جديد من القصة

(3)

في سجن الدمام:

..في الطريق الى السجن بمركز بالدمام.. قسم المباحث..
…انطلقت السيارة بسرعة قصوى أكثر من ذي قبل.. أصبح السكوت يلف الجميع والاجواء تنسم بالهدوء داخل السيارة لم يمزق هذا الهدوء غير هبات الهواء الرطب يلطم وهو هنا من كل جانب عبر نوافذ السيارة المشرعة الساعة الآن تشير الى الثالثة والنصف وما زلنا نواصل السير اذا بالملازم (حزام) بدأ يسخر ويستهزأ بوالدي كي يثير اعصابي.. أخذ يواصل كلامه بالسب والشتم والتهديد.. إعلم يا فلان.. (خل يكون في علمك جيداً لا تحسب نفسك بترجع للبيت، تراك جيت مع بنتك الغالية الى السجن واللي يدخل السجن لا يفكر بعد يطلع منه بالبساطة يا محترم) والدي لم يجبه بشيء ولم استطيع تحمل ذلك أجبته فوراً بهذه الجملة حبذا لو تحترم نفسك ليحترمك الآخرون، أحس بأن كلامي إهانة له وانني اقصده بهذا الكلام.. إشتد غضبه وصرخ في وجهي اخرسي من تقصدين بهذا الكلام وماذا تقصدين؟ لم أشأ إكمال الحديث معه لأنني كنت في شغل عنه مع والدي حيث كنت أطمأنه عليّ واوصيه ان يطمئن والدتي، فكنت اذكره ببعض الآيات القرآنية وبعض الاحاديث للرسول الأكرم(ص) اضافة الى نماذج من روايات ائمة أهل البيت (عليهم السلام) ذكرته بالإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، والفترة التي أمضاها في السجن ما يقارب خمسة عشرة عاماً لحين لقب بحليف السجون ولا تنسى ما قاله الإمام الصادق(ع) (ما من شيعتنا الا مظلوم او مسموم) فنحن لا بد ان نقتدي بهم ونسير على خطاهم، ثم ذكرت الآية الكريمة {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}. قاطعني السائق وهو يهز رأسه ساخراً ويقهقه بسخافة قائلاً أتظنين أنكم في جبهة قتال حتى ترددين هذه الكلمات، ثم اخذ يكرر الآية وهو يتلاعب بها بلسانه، لكني تركته وشأنه..
…بعد مضي ما يقارب الساعة توقفت السيارة، لم استطع أن أرى شيء سوى تلك الصحراء القاحلة التي مررنا بها. ما عدى بوابة كبيرة أثناء وقوف السيارة، حيث كان الباب صلباً للغاية يحوي أعمدة حديدية كانت ملاصقة للبوابة وعبر الضوء المسلط من السيارة اتضح لي لونه الازرق كانت توجد بوابة متوسطة الحجم من الجانب الأيسر مباشرة، بها ثقب صغير وكان يطل منه أحد الجنود.. فوراً اعطي اشارة خاصة من قبل السائق واذا بالبوابة قد فتحت من قبل اثنين من الجنود المسلحين واذا بي في ساحة واسعة ـ شديدة الظلام، ولم اتمكن من تمييز الموقع جيداً، أنزلونا من السيارة وأمرنا بعدم التحرك من موقعنا لحين صدور الأوامر وكان يقف أمامنا أربعة من الجنود للحراسة!!
..كانت الافكار حينها تقصف برأس والدي لم يكن له تفكير مستقر ولا أدري هل يفكر بي بكوني فتاة في يد طغمة من الجلاوزة، ام يفكر في كلام الناس وما الذي سيدور بينهم حينما يعلمون بالأمر، ام يفكر في زوجي المعتقل الذي لم يعرف مصيره بعد، ام يفكر في نفسه اذا سجن معي، حسبما ورد في تهديد ذلك العميل داخل السيارة، هل يفكر ويتساءل من للعائلة بعد سجنه التي تتكون من ستة أولاد وأربع بنات، من الذي سيدير شؤونهم ويرعى امورهم وهم بعد لم يبلغوا الحلم، واذا سجن معي فالمدة ليست محددة فقد تطول فترة بقائه معي في السجن، فمن للبنات ومن سيلبي طلباتهم وكيف ستسير أمورهم بدون معيل، ومن للاطفال الصغار من لمحمد ومصطفى من لزهرة وزينب اذا استيقظوا كل صباح وفقدوا من كان يزرع في نفوسهم المرح والسرور ومن الذي سيلاعبهم وينحني بظهره لهم ليلعب معهم لعبة الحصان ومن…. ومن…. ومن….. الخ….
..نعم كان والدي يسبح في عالم الافكار وكانت صفحات وجهه تفصح عما في داخله.. فكان ينظر لي بين لحظة وأخرى وكأن قلبه يحدثه بأنه لن يراني بعد.. سوف يأخذونني وسأرحل بعيداً عنه.. أخذ يرقبني بنظراته الحادة وانا احاول الهروب منها لأهديء من روعه… في تمام الساعة الرابعة وخمسة عشرة دقيقة تم استدعاء والدي وسيق الى مكتب مدير السجن (منصور مرعي القحطاني) وبقيت وحدي اترقب الأمر تحت حراسة مشددة من قبل الجنود، كنت حينها أبحر وسط محيطات كبيرة مليئة بالسعادة وزاخرة بالسرور ولكن أية سعادة هذه، كانت تجمع معها ألم وحزن، وهو خوفي الشديد لما يجري لوالدي وما يتعرض له من أذى بسببي، أما فرحي فهو لنجاحي وتفوقي في هذه المدرسة، فكثيراً ما قرأت عيناي أسطراً واسعة حول هذا الخندق وما يجري فيه فقيل عنه انه مدرسة الصمود والتحدي وقيل عنه مختبر يكتشف فيه المرء ذاته، وقيل عنه بأنه كالإمتحان أما يكرم المرء فيه او يهان، عصفت بي الافكار من كل حدب وصوب: أي سجن هذا الذي يجمع ما هب ودب ومن كل الناس.. وفي لحظة تأمل وتركيز استوقفت افكاري عند محطة من التساؤلات لماذا لا أجرب نفسي للدخول في هذا المعترك الصغير لعلها قادرة على النجاح وكيف لا ما دام الانسان مؤمناً بالله سبحانه ومتوكلاً عليه في جميع اموره. وتصرفاته وسلوكياته فالله مع العبد ما دام العبد معه، ولربما يكون بلاء منه عزّ وجلّ يريد ان يمتحنني فيه ويرى مدى صبري وعزيمتي على هذا البلاء، فالله سبحانه وتعالى قد امتحن نبيه يوسف عليه السلام بالسجن وهو القائل (رب السجن احب الي مما يدعونني اليه).. وقد يكون عقاباً دنيوي عجّله لي كي يخفف عني عذاب الآخرة ولماذا لم يكون كذلك.. قد يكون بوابة مشرعة لمحو الذنوب وغفران السيئات وان الله اذا أحب عبداً ابتلاه و… و… و…، واذا بصوت والدي يوقظني من عالم الافكار لأقع بين يديه الكريمتين وبلهفة شديدة كنت متلهفة لمعرفة ما لديه وهل سيمكث معي ام لا؟ وهل سنغادر المكان ام ماذا؟ وما نوعية الحديث الذي دار معه اثناء غيابه معهم.. لكنه لم يدع لي فرصة أن اتفوف ولو بحرف واحد.. ربت على كتفي قائلاً لا تخافي يا ابنتي وبكل أسى قالها سوف تذهبين معهم ولا تنسي بأن الله معك.. وانت يا والدي ما الذي جرى بشأنك.. اطمئني انا سأغادر المكان عائداً إلى المنزل اما انت فستبقين معهم.. إرتحت كثيراً لأمره ولكني في نفس الوقت تألمت لصعوبة الموقف فقد كان متشبثاً بيدي يلقي بنظراته عليّ مرة بعد أخرى كي يتشرب من وجهي ويفيض شبعاً من رؤيتي، كانت القلوب عند بعضها والنظرات متبادلة وشحنات كبيرة من الدموع تملأ عيناه، الاحمرار أخذ مأخذه على وجهه حيث كان في حالة ضغط شديدة لكبت مشاعره واحاسيسه كان يريد البكاء امامي… لكنه لم يبك ولم يفسح المجال لنزول ولو دمعة واحدة على خده لحبسه دموعه ومنعها من التساقط ولأن البكاء يهد الرجال، ولكن ما اصعب لحظة الوداع..
اراد ان يحدثني عما جرى له داخل المكتب ولكنه لم يستطع اذ زجره مدير السجن بقوله (هيا اسرع ماذا تريد ان تقول لها) انتاب الاحراج والدي وصمت فجأة، ما هي الا لحظات، وضغط بيديه فوق يدي وأخذ يربت مرات متوالية فوق كتفي بدون ان يتكلم احسست انه تعرض لإهانات كثيرة من قبلهم ولكنه سوف يتحمل كل شيء من أجلي، هناك تمنيت لو أتلاشى كنت اختنق بعبرتي. وأتعذب في داخلي لما جرى ويجري وسيجري له من اهانات، وما تعرض له من شتم وزجر ولو أن دمعة واحدة انفجرت الى الخارج لكان ذلك اهون بكثير، لجعلت روحي تتنفس وتحاول ان تلتقط الهواء حتى يمر الموقف بسهولة، لكني أحسست حينها ان اقسى ضربة توجه لرجل هي ان يرى امه او زوجته او اخته تبكي امامه فكيف اذا كانت إبنته.. ولكن لن أبك الآن أبداً ولن أبك…
بطل هو والدي فما زال يحاول خنق دموعه ويحبسها كي لا اراها ولا احس بما يدور في داخله، كانت شهقة موجعة تملأ حلقه وهو يحدثني فنبرات صوته ضعيفة.. كما كان قلبي يتألم لك يا أعز انسان في الوجود ولكن ليس باليد حيلة وددت لو أن الحياة تنتهي في هذه الآونة.. شعرت بالحزن كثيفاً داخلي مثل سكين حادة تمزق احشائي.. ولكني صممت أن ابقى قوية أن أبدو متماسكة لأقل له كلمات لذيذة يتذكرها حتى وقت بعيد.. ربما تخفف عنه.. اردت ان يرى وجهي وانا مبتسمة ضاحكة كي تكون له زاداً ينزع قلقه عليّ من نفسه، ولكني لساني لم يطاوعني، أحسه وكأنه ثقيل متصلب ولكني رغم هذا سأبتسم فالانسان يستطيع ان يبتسم،، فالابتسامة ارادة حتى لو كانت حزينة.. إبتسمت في وجهه وانا اردد له بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى {واصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} {وبشر الصابرين الذي اذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وانا اليه راجعون} وان الله مع الصابرين.. كانت آخر اللحظات بيني وبينه بل آخر الكلمات حتى انتهيت بوصيتي له ان يطمئن والدتي ويخبرها نيابة عني بأنني التمس منها الدعاء لي من المولى عزّ وجلّ بالتوفيق والاستقامة وان لا تسمح لنفسها ابداً بالبكاء لفراقي ولتصبر ولتتصبرّ مهما طالت الأيام.. أما انت يا والدي فارفع رأسك مفتخراً بي أمام الآخرين لأننا مع الحق أينما كان واسع لأن تبني من إخوتي جيلاً اسلامياً حقيقياً لأننا بحاجة الى رجال اكفاء وسواعد قادرة لنشر العدالة الإلهية (عدالة الله) ولنكن بحق خلفاء لله في الارض.. ما هي الا لحظات واذا بإمرأة تشدني من الخلف بقوة وعنف ونظرات والدي تلاحقني الى ان غاب عني حيث اقتاده الجنود المسلحين الى الخارج ملوحاً لي بيده في أمان الله يا ابنتي…. في امام الله يا ابنتي… في دعة الله يا….

















(4)

"بين أيادي الجلادين"

..ساقتني تلك المرأة معها بواسطة (الكلبشة) برفقة اثنين من الجنود اضافة الى مدير السجن (منصور القحطاني) كان يلتزم الصمت ولم يتحدث بكلمة واحدة، كان يسير الى الإمام ونحن الى الخلف الى ان وصلنا للركن الايسر من الساحة وما زال المكان يلفه الظلام والسكون الى درجة انعدام الرؤية تماما، والجو مشبع بالرطوبة، بينما أخذ الليل يرحل شيئا فشيئا بعد ان تدلت خيوط الفجر، كان منصور القحطاني يحمل ولاعة صغيرة أخذ يضئ بها الطريق، اتجه بنا نحو بناية متوسطة الحجم ليس بها أي منفذ يطل على الخارج عدا بوابة عريضة صلبة تتكون من قضبان حديدية متلاصقة وجدار سميك من المعدن مغطى بجدار آخر من الصفيح يصعب فتحه، مكثنا قرابة خمس دقائف ننتظر، فتح الباب من قبل اثنين من الجنود احدهما يدعى (عمر) وهو متوسط الطول اسمر اللون ممتلئ الجسم له ذقن صغير كلامه شبيه بصراخ النساء، اذا تلكم ضحك عليه الآخرون.
دخلنا سوية يتقدمنا مدير السجن… اصابتني رعشة شديدة ما كل هذا؟ كدت اختنق في تلك اللحظة من الغبار الكثيف الذي كان يغطي الارض ويتساقط فوق رؤوسنا من الأسقف، الجدران تمتلئ بالهواء الذي نهم باستنشاقه، وحتى ساعات الكهرباء لم اكن لأعرفها جيدا، كل هذا لاحظته، الظلام يغطي كل شيء وكأنه قبو قديم جدا، مد المدير يده ليهم بإشعال أحد الانوار المعتمة، واذا به يمزق الظلمة، المنظر، فقد كانت، الساعات منسوجة مع بعضها بواسطة خيوط العنكبوت وذرات الغبار متراكمة عليها..
…أضيئ نور خافت جدا واذا بممر ضيق طويل يبلغ طوله قرابة ستة امتار ونصف، وبعد ان تقدمنا للأمام بمسافة مترين واذا بممر آخر يقع على الجانب الايمن يبلغ طوله حوالي ثلاثة امتار، وكانت الحشرات تتطاير بين هذا الممر وذاك، والصراصير تزرع الأرض جيئة وذهاباً، الصراصير بكثرة اضافة الى وجود قاعدة سكنية خاصة بالنمل الكبير الذي أخذ يتكوم في كل ناحية، فكلما تقدمنا الى الإمام كلما ازداد كل واحد منا في السعال، وصلنا نهاية الممر واذا بقضبان من الحديد قد احكمت على هيئة باب محكم اغلاقه وبعد محاولة المدير لفتحه، امسكتني تلك المرأة التي كانت معنا منذ الدخول، امرتني برفع يدي الى الأعلى، سألتها لماذا. زجرتني بنظرات حادة (اسكتي.. ايش اتريدي اتقولي) بلهجتها الصحراوية، لهجة قاسية عنقية، لزمت الصمت، أخذت بتفتيش ملابسي فلم تر شيء، انتقلت الى شعري وأخذت تضغط بيدها فوق جسدي لربما اخفي شيئا ولكنها باءت بالفشل ولم تحصل على شيء، أمرتني بنزع حذائي وأخذت تبحث داخله، لكنها وجدته فارغا، قامت بنزع الجوارب من رجلي وبحثت داخلها، ايضا لم تجد شيئا، أخذت تنظر الي نظرات مليئة بالشك والحقد وهي تقول (متأكدة ما بتحملي شيء) أجبتها بكل تأكيد، ثم فتحت الكلبشة من يدي وبلمحة خاطفة أطلت على عقارب الساعة واذا بها تشير إلى الخامسة صباحا، فانتزعت الساعة من يدي ومدت يدها الى رأسي فانتزعت جميع المسّاكات الموجودة فيه، واذا بها تدفعني بقوة باتجاه باب حديدي نحو غرفة قد لفها الظلام، مخيفة جدا واغلقت البوابة وذهبت مع مدير السجن والجنود المرافقين، انتابني الخوف الشديد ليس من السجن والجنود المرافقين، انتابني الخوف الشديد ليس من السجن وانما من هذه الغرفة الموحشة حيث كانت عالية الجدران تحوي شقوق عريضة بجوانبها كأنها وهمية الشكل من شدة الغبار والحشرات المتعلقة بها، وكانت أرضها شديدة الانحدار وزواياها منفصلة عن بعضها البعض وكان بين الشقوق قطرات متخمرة من المياه ومتحولة للون الاخضر وبعضها للون الاسود تبث رائحة كريهة في الغرفة، كانت أسراب النمل والحشرات الصغيرة تمثل جمعات جماعات مترسبة وكانت الغرفة فارغة من أي حصير أرضي حيث بدت ساحتها تمثل محطة اتصال لإلتقاء الحشرات فيما بينها وخط اتصال طويل لحلقات النمل المتراصة والتي تمتد من خارج الممر الى داخل الشقوق.
هممت بالجلوس فوق عباءتي بعد ان افترشتها كحصير أخذت أفكر طويلا محتارة في امري ماذا أفعل.. ولكن رغم كل ذلك فأني لا استطيع جمع شتات فكري ولو بفكرة واحدة، كان رأسي يكاد يتفجر من شدة الالم وكانت عيناي تميلان الى الذبول من الاحمرار وشدة النعاس بسبب قلة النوم، كان القلق يأخذ مني مأخذا عظيما والخوف يراودني بين فترة وأخرى من تلك الغرفة... ولكن آه لو تتاح لي فرصة كي أنام ولو لمدة خمس دقائق..
بعد مضي ما يقارب ساعتين سمعت الضجيج يتعالى في الخارج وكأنه صوت المدير يتقدم ولكن الخطوات توحي بأنهم اكثر من شخص واذا بصدى عال تثيره حركة المفاتيح واذا بالأبواب تفتح وبالمدير قد أقبل ومعه تلك المرأة وأربعة من الجنود، فتحوا باب الغرفة نهضت فزعة ماذا يريدون هذه المرة.. لعلي سأعود إلى المنزل وكل ما حصل مجرد خطأ، فليس من المعقول ان تعتقل السلطة امرأة وبطريقة بشعة لربما هناك خطأ، لم يصب تفكيري في هذه اللحظة، فلقد امسكت بي المرأة واخرجتني من الزنزانة متجهة بي عبر الممر، واذا بصوت امرأة يصدر من الداخل حاولت أن ادير وجهي الى الخلف لمعرفة من هناك، رفضت وبشدة صارخة في وجهي ممنوع، بعد ذلك علمت بأن هناك امرأة اخرى في احدى الزنزانات، حيث كان السجن عبارة عن بناية متوسطة الحجم (يطلق عليه عنبر النساء او السجن الخاص بالنساء) يتكون من أربع زنزانات وغرفة واسعة اضافة الى مطبخ وقد تحول الى زنزانة هو الآخر، اضافة إلى ثلاثة حمامات في جهة منعزلة مقابل ثلاث مصبات من المياه لمجموعة من الحنفيات ويحتوي على ممرين أحدهما طويل والآخر قصير.. ما زلنا نواصل السير باتجاه زنزانة صغيرة دفعتني فيها تلك المرأة فرغم صغر حجمها الا انها أفضل من الغرفة الأولى، فالارض مستوية تحوي فراشا واحدا، واذا بالمرأة تخرج ويغلق الجنود باب الزنزانة في وجهي بقوة بعد ان قال أحدهم وهو يتثائب وقد بدا عليه النعاس الشديد بنبرة حادة وصوت ويكفي ما سببتيه لنا من ازعاج في هذه الليلة) قال منصور القحطاني (اذ احتجت ان تذهبي الى الحكام او اردت ان تشربي ماء فهذه هي السجانة سوف تكون في هذه الغرفة مشيرا بيده إلى غرفة واسعة تقع في الجانب الأيسر خلف البوابة الخارجية بمجرد نداء سوف تأتي وتفتح لك الباب واحذري ان تصدر منك أية حركة، خرجوا جميعا ولم تبق الا تلك المرأة، كانت طويلة القامة، حنطية اللون، قوية البنية تتميز بوجود علامة سوداء اسفل عينها اليمنة، سريعة اللهجة الصحراوية المبهمة، أخذت تقذفني بنظراتها الساخرة رافعة رأسها بكل اشمئزاز واستهزاء وهي تضحك وكأنني فريسة ثمينة قد وقعت بيدها، لكني لم اعرها أي اهتمام، حمدت الله كثيرا لنقلي الى هذا المكان… بعدها لجأت الى النوم لكني لم استطع، فهاجس القلق وشبح الخوف ما زال يراودني ما العمل اذن؟ لجأت الى الله سبحانه وتعالى بالدعاء وتلاوة بعض الآيات القرآنية التي أحفظها، فهدات نفسي واستقرت سريرتي بعد ان بزغ الفجر وحان وقت الصلاة وفور الانتهاء من الصلاة احسست بالنعاس فغفوت على أمل انتظار ما سيحدث في الغد.
















(5)

(اليوم الأول)

…استيقظت سريعاً صباح ذلك اليوم، فأخذت أمعن النظر في هيئة الغرفة وتشكيلتها، ظننت ان الليل لم ينته بعد وأن النهار قد تأخر، ولكن ليس من المعقول فلقد عفوت ما يقارب ثلاث ساعات بعد اداء فريضة الصلاة، لجأت مسرعة نحو الباب كي أتأكد اكثر حيث لم تكن هناك أية نافذة أستيطع أن اطل منها لمعرفة ما اذا كان الوقت نهاراً أم ما زال ليلاً… أصبحت ابحث عن ثقب صغير من الثقوب الموجودة، واذا بثقب يوازي خرم الابرة قد نفذ منه نور بسيط، تيقنت أن النهار قد أقبل لأن النور ينبعث من البوابة المجاورة المواجهة لزنزانتي باشراق أشعة الشمس المنعكسة..
كان باب الزنزانة مغلقاً بإحكام بقفل حديدي كبير لونه أسود مع سلسلة حديدية طويلة.. تذكرت آخر الكلمات التي نطقها المدير (اذا احتجت الى شيء فاطلبي السجانة).. ولكن بأي اسم.. فقلت يا امرأة.. هي.. يا سجانة واذا بها قد أقبلت أخذت تتكلم معي بخشونة سألتها لماذا تعامليني بهذا الشكل وبهذه القسوة، أجابتني (هل نسيت إش سويت البارح،.. تذكرت موقفاً حدث بيني وبينها في ليلة الأمس، حيث بداية دخولي الى السجن وبعد مرور ما يقارب نصف ساعة وأنا في تلك الغرفة المخيفة واذا بها تأتي وترمي بمكنسة كبيرة في وجهي قائلة (هيا قومي عليش شيء إتسوية بلحال بها المكنسة) امرتني بتنظيف الغرفة إضافة إلى تنظيف جميع حواشي السجن والزنزانات ما عدا الزنزانة المجاورة حذرتني من الاقترب منها لوجود امرأة اخرى هناك. مضيفة الى ذلك إعادة التنظيف مرة أخرى بالماء.. هنا صرخت في وجهها أنا لست شغالة لديكم ومهما عملت فلن ألبيّ لك هذا الأمر.. قالت.. (بتشوفي الويل ان رفضت واتصل بالمدير وأقله) وكذا مرة تعيد جملتها كي يتسنى لي فهم ما تقول (فأخذت تتصل عبر جهاز اتصال كان معلقاً خلف الباب مقابل ساعات الكهرباء، فكانت وظيفته اذا كانت هناك مخالفات من قبل المعتقلات تنقل فوراً عن طريق السجانة عبر هذا الجهاز، اضافة إلى تبادل الأوامر بين مسؤولي السجن والسجانة) فبعد انتهائها من الاتصال حضر المدير إلى السجن مكفهر الوجه، حاد، النبرات خشن الصوت، يتبختر في مشيته، ويستعلي كالطاووس في غروره وغطرسته، عادة ما يصيبه التوتر وسرعة الغضب، فها هو يصب جام غضبه على اولئك الجنود حتى وان كانوا في سن والده فيعاملهم اسوأ المعاملة ويفرض عليهم اشد العقاب ويوجه لهم اشد الاهانات واقذرها، فهاهم يترائون للناظر وسط ساحة السجن الملتهبة بحرارة الشمس أحدهم يزحف على بطنه بدون لباس على ذلك الاسفلت المنصهر وقد اصبح جسمه كالجمر من شدة الحرارة، وآخر قد تستعصي حالته لوقوفه على رجل بدون حراك، وذاك قد منع من شرب الماء طوال أربع وعشرين ساعة في ذلك النهار الحار المشبع بالرطوبة، والكثير الكثير من مساوئ هذه الشخصية، شخصية منصور مرعي القحطاني ومن لا يعرفها، حتى الاطفال الصغار يتمثل لهم شبح ورعب مخيف أثناء رؤيتهم له، فها هم لا يسلمون من زجره وسخريته لهم أثناء زيارتهم لآبائهم داخل السجن، وتراه في أكثر الاحيان قد أسدل يداه خلفه وهو يلوح بالخيزران يمنة ويسرى ضارباً هذا ومبعثراً ذاك وكأنه سعى لاستعباد آخرين في تلبية اوامره بالضرب والشتم والتهديد ونادراً ما يتكلم بأدب واحترام وعادة ما يطلق كلمات قذرة تليق بمستواه كمدير…
ها هو قد أقبل والفاظه تسبقه بالسب والشتم والزجر سألني لماذا لا تطيعي وتنفذي أوامر السجانة.. أجبته.. لو تأتي لي بأكبر رئيس للمباحث في المنطقة لما نفذت لكم هذه الأوامر.. وهل هذا من حسن الضيافة هل تكرمون الضيف في اول زيارة هكذا؟ هنا ازداد غضبه وأخذ يهدد ويتوعد وهو يعدو من الباب خارجاً (نحن نعرف كيف نجعلك مستعدة لتنفيذ الأوامر) صفق الباب خلفه وخرج. ومرت تلك الليلة بخير. ما يقارب الساعة التاسعة صباحاً اذا بالأبواب تطرق من جديد وإذا باثنين من الجنود وامرأة أخرى معهم أتت كي تستبدل الدوام مع السجانة الموجودة وعبر حوار بينهما علمت بوجود سبع سجانّات أخريات يتناوبن الدوام الرسمي خلال أربع وعشرين ساعة يومياً.. بعدها ولّت السجانة (نورا) تاركة وصيتها لرفيقتها عليك بهذه وكانت تشير لي، انتبهي لها جيداً، وخرجت على أن تعود في الأسبوع القادم…


البقية تأتي أن شاء الله
__________________

البتول العذراء غير متصل