ولم يعد..
انتهى بعد ذلك كرم القدر البخيل. فقد استشهد (سي طاهر) بعد بضعة أشهر دون أن يتمكن من رؤية ابنه مرّة ثانية.
كان ناصر آنذاك ينهي شهره الثامن، وأنت تدخلين عامك الخامس.
وكان الوطن في صيف 1960 بركاناً يموت ويولد كلّ يوم. وتتقاطع مع موته وميلاده، أكثر من قصة، بعضها مؤلم وبعضها مدهش..
وبعضها يأتي متأخراً كما جاءت قصتي التي تقاطعت يومها معك.
قصة فرعية، كتبت مسبقاً وحولت مسار حياتي بعد عمر بأكمله، بحكم شيء قد يكون اسمه القدر، وقد يكون العشق الجنوني..
ذاك الذي يفاجئنا من حيث لا نتوقع، متجاهلاً كلّ مبادئنا وقيمنا السابقة.
والذي يأتي متأخراً.. في تلك اللحظة التي لا نعود ننتظر فيها شيئاً؛ وإذا به يقلب فينا كلّ شيء.
فهل يمكن لي اليوم، بعدما قطعت بيننا الأيام جسور الكلام، أن أقاوم هذه الرغبة الجنونية لكتابة هاتين القصتين معاً، كما عشتهما معك ودونك، بعد ذلك بسنوات..
رغبةً.. وعشقاً.. وحلماً.. وحقداً.. وغيرةً.. وخيبةً.. وفجائع حدّ الموت.
أنت التي كنت تحبّين الاستماع إليّ..
وتقلبينني كدفتر قديم للدهشة.
كان لا بد أن أكتب من أجلك هذا الكتاب، لأقول لك ما لم أجد متَّسعاً من العمر لأقوله.
سأحدثك عن الذين أحبّوك لأسباب مختلفة، وخنتهم لأسباب مختلفة أخرى.
سأحدثك حتى عن زياد، أما كنت تحبِّين الحديث عنه وتراوغين؟
لم يعد من ضرورة الآن للمراوغة.. لقد اختار كلّ منا قدره.
سأحدثك عن تلك المدينة التي كانت طرفاً في حبّنا، والتي أصبحت بعد ذلك سبباً في فراقنا، وانتهي فيها مشهد خرابنا الجميل.
فعمّ تراك ستتحدثين؟
عن أيّ رجل منَّا تراك كتبت؟ مَنْ منَّا أحببت؟
ومن.. منّا ستقتلين؟
ولمن تراك أخلصت، أنت التي تستبدلين حبّاً بحبّ، وذاكرة بأخرى، ومستحيلاً بمستحيل؟
وأين أنا في قائمة عشقك وضحاياك؟
تراني أشغل المكانة الأولى، لأنني أقرب إلى النسخة الأولى؟
تراني النسخة المزورة لـ (سي طاهر) تلك التي لم يحوّلها الاستشهاد إلى نسخة طبق الأصل؟
تراني الأبوة المزورة.. أم الحب المزوّر؟
أنت التي _كهذا الوطن_ تحترفين تزوير الأوراق وقلبها.. دون جهد.
كان "مونتيرلان" يقول:
"إذا كنت عاجزاً عن قتل من تدّعي كراهيته، فلا تقل إنَّك تكرهه: أنت تعهّر هذه الكلمة!".
دعيني أعترف لك أنني في هذه اللحظة أكرهك، وأنّه كان لا بدّ أن أكتب هذا الكتاب لأقتلك به أيضاً. دعيني أجرّب أسلحتك..
فربما كنت على حق.. ماذا لو كانت الروايات مسدّسات محشوّة بالكلمات القاتلة لا غير؟.
ولو كانت الكلمات رصاصاً أيضاً؟
ولكنَّني لن أستعمل معك مسدساً بكاتم صوت، على طريقتك.
لا يمكن لرجل يحمل السلاح بعد هذا العمر، أن يأخذ كلّ هذه الاحتياطات.
أريد لموتك وقعاً مدوياً قدر الإمكان..
فأنا أقتل معك أكثر من شخص، كان لا بد أن يجرؤ أحد على إطلاق النار عليهم يوماً.
فاقرأي هذا الكتاب حتى النهاية، بعدها قد تكفّين عن كتابة الروايات الوهمية.
وطالعي قصتنا من جديد..
دهشة بعد أخرى، وجرحاً بعد آخر، فلم يحدث لأدبنا التعيس هذا، أن عرف قصة أروع منها..
ولا شهد خراباً أجمل.
يتبع ..