رحيمه زوجة النبی ايوب عليه السلام اسوة للصبر «الصابرات»
السيدة رحيمه هي بنت افرايم بن يوسف و زوجه نبينا ايوب عليه السلام و ذکر معظم المورخين ايوب بانه من سلالة سيدنا ابراهيم عليه السلام و قد ذکر القرآن الکريم سيدنا ايوب عليه السلام باعتباره احد الانبياء النموذجيين الالهيين في الصبر و الصمود و الشکر لله عز و جل في اربع سور من سوره.
لقد کان الله عز و جل قد انعم علی ايوب عليه السلام انواع النعم الی الحد الذي لم يوازيه اي شخص في مقدار امواله و کان له سبعة بنين و ثلاث بنات کانوا في منتهی الصحة و السلامة و السرور. و کان ايوب عليه السلام يمنح الفقراء و المحرومين من النعم و الثروات الکثيرة التی انعمها الله عليه و يطعم الجياع. و کان اضافة الی ذلک يمنع ممارسة الظلم بين الناس و يقوم بمهمة نشر العلم و المعرفة بينهم ، و يمضی معظم اوقاته في عبادة الله عزوجل و يشکره علی النعم الکثيره التی انعمها عليه الأمر الذی جعل الملائکة في السماء تذکر اسم ايوب بالخير و تتحدث عن فضائله.
و کان الشيطان قد سمع حوار الملائکة حول اوصاف ايوب و کان منزعجاً من عبادته و ابتهالاته و دعائه بالشکر لله عز و جل و قد حسده ، و قرر وسوسته و تضليله. لأن الشيطان يسعو دائماً تضليل عباد الله الصالحين و لذلک توجه نحو ايوب کی يتمکن من تضليله و اخراجه عن الطريق السوی و طريق الصلاح و الهداية.
و لم تسفر محاولات الشيطان للتوغل في قلب ايوب و صرفه عن عبادة الله عن آية نتيجة و علم بأن هذا الرجل هو عبد مخلص لله عزو جل و الهيمنة عليه تکون صعبة جداً.
و قال الشيطان لله عز و جل بما معناه : إن عبدک ايوب يعبدک بسبب النعم و الثروات الکثيرة التی اغدقتها عليه ، فاذا ما سلبت هذه النعم و الثروات منه فانه لن يشکرک ابداً . و قال الله عز و جل بما معناه: إن ايوب عبد مؤمن و يکون ايمانه بعيداً و خالصاً عن کل الشوائب و لکن ساجعل ثروته و امواله و مناله في اختيارک من اجل ازدياد تجلی نور ايمانه و صبره و يقينه . فاجمع جنودک و اعوانک و ادعوهم اليک و تصرف بما تشتهی في امواله و مناله لتری النتيجة التي سنتوصل اليها.
و جاء الشيطان الی الارض و قضی علی جميع اموال ايوب. لکن ايوب زاد من شکره و حمده لله عز و جل.
و قال الشيطان ثانية بما معناه يا رب امنحنی السيطرة علی زراعته و مزارعه و قد سلطه الله عز و جل علی مزارع ايوب و قد اضرم الشيطان النار في جميعها قاضياً عليها. غير أن هذه المرة کذلک لم يقل من شکر ايوب لله المتعال شيئاً و کان يواصل شکره لله الخالق. و کان الشيطان يظن باهتزاز و تزعزع ايمان ايوب نتيجة القضاء علی امواله و مزارعه ، لکن ايمان ايوب قد ازداد جراء ذلک و ازداد نور التقوی و الايمان في قلبه. فقال للشيطان بما معناه : کانت تلکم النعم امانة مودعة من الله عز و جل لدينا و قد استعيدت مني ، و قد تنعمنا بتلک النعم الوفيرة في حقبة من الزمن و الآن عندما استعيدت منا فتصبر علی بلائها و نتحمل ذلک ؛ و نحمده علی اية حالل فانه هو المالک و يمنحها لمن يريد و يستعيدها ممن يشاء ؛ و يعز من يشاء و يذل من يشاء بيده الخير و هو علی کل شئ قدير.
قال ذلک و قد وقع علی الارض ليسجد لله عز و جل. و قد اندهش الشيطان علی صبر ايوب و بات في حيرة من امره . و مرة اخری توجه الشيطان نحو الله عز و جل و قال له بما معناه : سلطنی علی ارواح ابناء ايوب لأن اية مصيبة لا تکون اصعب من مصيبة فقدان الاولاد . فقال الله عز و جل بما معناه لقد سلطتک علی ابناء ايوب و لکن کن واثق سوف لاتنقص اية ذرة من ايمان ايوب.
فدعی الشيطان اعوانه و قام بهدم القصر الذي کان يعيش فيه ابناء ايوب علی رؤوسهم قاضياً بذلک علی جميعهم ثم توجه الشيطان الی ايوب علی هيئة رجل و قال له هل شاهدت عدم اهتمام ربک بکافة عباداتک و قضی علی جميع ابنائک . لقد تأثر ايوب من سماع هذا الکلام و ادمعت عيناه و اجاب الشيطان قائلاً : ان ابنائی کان الله عز و جل قد وهبهم اياي و هو الذی استعادهم منی و انی لاشکره علی ما وهبنی و علی ما استعاده مني . ثم سجد الله علی الارض و ازداد بذلک غضب الشيطان علی هذا الموقف من ايوب.
و قال الشيطان مرة اخری لله: لقد تم القضاء علی اموال ايوب و علی اولاده لکنه ما زال ينعم بالصحة و السلامة فلو سلطتنی علی جسمه « سأبلی جسمه بالمرض» فعندها لا اشک بانه سوف يعکف عن عبادتک و سيغفل عن ذکرک . فقال الله عز و جل للشيطان بما معناه لقد سلطتک علی کافة اعضاء ايوب باستثناء لسانه و عقله و نظره.
فجاء الشيطان و نفخ نفخة سامة علی جسم ايوب مما اجتاحت الجروح کافة اجزاء جسمه. لکن المرض لم يزد ايوب شيئاً سوی الايمان و الشکر لله عز و جل.
لقد مر زمناً طويلاً علی هذه الوتيرة و بات جسم ايوب نحيفاً و معذباً اثر هذا المرض و قد ترکه اصدقاء و معارفه کافة و بقيت رحيمه زوجته الرؤوفة و الوفية وحدها الی جانبه و کانت تبعث الأمل و الدفئ في قلب ايوب بحبها و توددها اليه و تتعاطف معه بهذه المصيبة و البلاء کما کانت تشارکه و تسايره في الشکر لله عز و جل و کانت واقفة في خدمته و تمريضه بکل شفقة و محبة و حنان. و طال مرض ايوب و تفاقم وضعه الصحی الامر الذی دفع الناس الی مطالبته بمغادرة المکان . و عملت رحيمه الزوجة الحنونة لأيوب مع اثنين من اصحاب ايوب علی نقله الی خارج القرية و وضعته الی جانب خربه. و کان ايوب في ذلک المکان يعانی من المرض و هو صابر علی هذا البلاء و يتحمله شاکراً الله عز و جل .و قد اضطرت رحيمه الی العمل في القرية المجاورة کی تتمکن من اعداد الغذاء لزوجها المریض و کانت بذلک تقدم الی ایوب غذاءً مختصراً . و ذات یوم عندما کانت متوجهة الی القریة لاعداد الغذاء لزوجها لم تعثر علی عمل للحصول علی اجور لشراء الغذاء لأيوب فاضطرت ببيع شعرها الی امراة ثرية و اعدت بثمن ذلک غذاءً لزوجها و قبل أن تعود الی ايوب جاء الشيطان علی هيئة رجل عابر الی ايوب قائلاً له : لقد ارتکبت زوجتک عملاً قبيحاً مما دفع ذلک اهل القرية أن يقصوا شعرها و اخراجها من القرية. لقد تألم ايوب بشدة من سماع هذا البنأ و اقسم اليمين علی ضربها مائة جلدة علی ذلک. و في تلک الحالة توجه الی الله مبتهلاً من منطق التضرع و البکاء و ليس من منطلق عدم الصبر رافعاً يديه الی السماء مناجياً ربه قائلاً بما معناه لقد اوقعنی الشيطان بالآلام و العذاب:
« و اُذکُر عَبَدنا اذ نادی رَبَهُ إنی مَسَنی الشيطان بُنصَبٍ و عذابٍ».(ص41)
و في تلک اللحظات التي کان فيها ايوب قد انهی دورة اختباره بالصبر و الصمود بوجه وساوس الشيطان و تحمله للبلايا و المصائب استجاب الله عز و جل لدعائه و اوحی اليه ان يضرب برجله الارض کی يجری نبع من الماء منها و امره أن يشرب منها و يغسل جسمه بمائها لتعود اليه سلامته و قوته :
«اُرکَُض بِرِجلِکَ هذا مُغتسل بارد و شراب » . (ص42)
و نفذ ايوب امر ربه و استعاد بذلک صحته و شفی من مرضه و لم يبق ای اثر من ذلک المرض و الاوجاع فيه.
اما رحيمه التی کانت قادمة نحو ايوب لم تلاحظ اثراً من تلک الخربة التي کان فيها ايوب و شاهدت شاباً جميلاً هناک. و لن تعرف ايوب في البدايه ولکن لم يمض وقت طويل و اذا بايوب نبهها بالموقوف . و قد فرحت رحيمه کثيراً و شکرت الله عز و جل علی هذه الرحمة و هذا اللطف.
ثم ذکر ايوب عهده و يمينه و في تلک اللحظات اوحي اليه أن يمسک بيده اغصاناً دقيقة يبلغ عددها مائة غصن و أمسس بها بکل رفق و عطوفه جسم زوجتک کی لا تنزعج هذه المراة المؤمنة و المضحية :
« و خُذ بيدک ضِغثا فاضرب به و لا تحنث انا وجدناه صابراً نعم العبد انه اوّاب»(ص44)
و بعدها اضافة الی النعم الکبيرة و الخالدة في الاخرة التي انعمها الله علی ايوب اعاد الله عزوجل امواله و امرأته و جعل حياته حيات نموذجية من قوة الايمان و الصبر و الشکر ليکون حتی يومنا هذا مثلاً يضرب به في صبره علی البلايا الصعبة.
و کانت رحيمة الحنونة و المضحية تشارک زوجها ايوب في تحمل کافة المصائب و البلايا و تتعاطف معه و تتحمل مصاعب الحياة بکل صبر و تحمل و لم تشتک قط امام مصائب الحياة و لم تکفر بالنعم و کانت عواطفها الودية تشکل بلسماً شافياً لاوجاع ايوب و آلامه. و في الظروف التي لم يستعد فيها ای شخص مساعدة ايوب و تمريضه فکانت رحيمة تتولی تمريضه و العناية به بکل رغبة و کانت رفيقته و المؤنسة له في کافة الاختبارات الالهية و لم تترکه لحظة واحدة و لذلک لقد من الله عليها بلطفه ثانية و اعاد اليها ابناءها و اضفی عليها بنعمة و رحمته.