العنكبـــــــوت..

قال تعالى: {مَثَلُ الَّذين اتَخَذُوا مِنْ دُوْنِ الله أَوْلِيَاءَ كَمَثلِ العَنْكَبُوتِ اتْخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيوتِ لبَيتُ العَنْكَبُوتِ لَو كَانُوا يَعْلَمُون }سورة العنكبوت..
ومضات:
*لا تنتمي العنكبوت إلى أسرة الحشرات، ولكنَّها كثيراً ما تذكر معها لتشابهها معها في كثير من الصفات الَّتي تحار لها القلوب والأبصار..
في رحاب الآيات:
العناية في قوله: «مَثَلُ الَّذين اتَخَذُوا مِنْ دُوْنِ الله أَوْلِيَاءَ »، باتخاذ الأولياء من دون الله و لذا جيء بالموصول و الصلة كما أن العناية في قوله: «كَمَثلِ العَنْكَبُوتِ اتْخَذَتْ بَيْتاً » إلى اتخاذها البيت فيئول المعنى إلى أن صفة المشركين في اتخاذهم من دون الله أولياء كصفة العنكبوت في اتخاذها بيتا له نبأ، و هو الوصف الذي يدل عليه تنكير «بَيْتاً»..
و يكون قوله: «وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيوتِ لبَيتُ العَنْكَبُوتِ لَو كَانُوا يَعْلَمُون» بيانا لصفة البيت الذي أخذته العنكبوت و لم يقل: إن أوهن البيوت لبيتها كما هو مقتضى الظاهر أخذا للجملة بمنزلة المثل السائر الذي لا يتغير..
من الدلالات العلمية للنص الكريم..
أولا: الإشارة إلي العنكبوت بالإفراد..
والغالب أن لفظة( العنكبوت) اسم للواحدة المؤنثة المفردة, والجمع( العناكب)..
وتسمية السورة الكريمة بصياغة الإفراد( العنكبوت) يشير إلي الحياة الفردية لهذه الدويبة فيما عدا لحظات التزاوج, وأوقات فقس البيض, وذلك في مقابلة كل من سورتي النحل والنمل والتي جاءت التسمية فيها بالجمع للحياة الجماعية لتلك الحشرات..
ثانيا: في قوله تعالى: ( اتْخَذَتْ بَيْتاً )..
في هذا النص القرآني الكريم إشارة واضحة إلي أن الذي يقوم ببناء البيت أساساً هي أنثي العنكبوت, وعلى ذلك فإن مهمة بناء بيت العنكبوت هي مهمة تضطلع بها إناث العناكب التي تحمل في جسدها غدد إفراز المادة الحريرية التي ينسج منها بيت العنكبوت. وإن اشترك الذكر في بعض الأوقات بالمساعدة في عمليات التشييد, أو الترميم, أو التوسعة, فإن العملية تبقي عملية أنثوية محضة, ومن هنا كان الإعجاز العلمي في قول الحق تبارك وتعالى:{ اتْخَذَتْ بَيْتاً}..
ثالثا: في قوله تعالى: (إِنَّ أَوْهَنَ البُيوتِ لبَيتُ العَنْكَبُوتِ )..
هذا النص القرآني المعجز يشير إلي عدد من الحقائق المهمة التي منها:
*(1)الوهن المادي:
أن بيت العنكبوت هو من الناحية المادية البحتة أضعف بيت على الإطلاق, لأنه مكون من مجموعة خيوط حريرية غاية في الدقة تتشابك, مع بعضها البعض تاركة مسافات بينية كبيرة في أغلب الأحيان, ولذلك فهي لا تقي حرارة شمس, ولا زمهرير برد, ولا تحدث ظلاً كافياً, ولا تقي من مطر هاطل, ولا من رياح عاصفة, ولا من أخطار المهاجمين, وذلك على الرغم من الإعجاز في بنائها..
*(2)
الوهن في بيت العنكبوت وليس في الخيوط:قوله تعالى ( إِنَّ أَوْهَنَ البُيوتِ) وهنا إشارة صريحة إلى أن الوهن والضعف في بيت العنكبوت وليس في خيوط العنكبوت وهي إشارة دقيقة جداً فخيوط بيت العنكبوت حريرية دقيقة جداً, يبلغ سمك الواحدة منها في المتوسط واحداً من المليون من البوصة المربعة, أو جزءاً من أربعة آلاف جزء من سمك الشعرة العادية في رأس الإنسان, وهي على الرغم من دقتها الشديدة فهي أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان حتى الآن، وتعتبر الخصلات الحريرية التي تكون نسيج العنكبوت أقوى من الفولاذ، ولا يفوقها قوة سوى الكوارتز المصهور، ويتمدد الخيط الرفيع منه إلى خمسة أضعاف طوله قبل أن ينقطع، ولذلك أطلق العلماء عليه اسم "الفولاذ الحيوي"وهو أقوى من الفولاذ المعدني العادي بعشرين مرة..
*(3)
أن بيت العنكبوت من الناحية المعنوية هو أوهن بيت على الإطلاق لأنه بيت محروم من معاني المودة والرحمة التي يقوم على أساسها كل بيت سعيد, وذلك لأن الأنثي في بعض أنواع العنكبوت تقضي على ذكرها بمجرد إتمام عملية الإخصاب وذلك بقتله وافتراس جسده لأنها أكبر حجما وأكثر شراسة منه, وفي بعض الحالات تلتهم الأنثي صغارها دون أدني رحمة, وفي بعض الأنواع تموت الأنثي بعد إتمام إخصاب بيضها الذي عادة ما تحتضنه في كيس من الحرير, وعندما يفقس البيض تخرجSpiderlings)) فتجد نفسها في مكان شديد الازدحام بالأفراد داخل كيس البيض, فيبدأ الإخوة الأشقاء في الاقتتال من أجل الطعام أو من أجل المكان أو من أجلهما معا فيقتل الأخ أخاه وأخته, وتقتل الأخت أختها وأخاها حتي تنتهي المعركة ببقاء عدد قليل من العنيكبات التي تنسلخ من جلدها, وتمزق جدار كيس البيض لتخرج الواحدة تلو الأخرى, والواحد تلو الآخر بذكريات تعيسه, لينتشر الجميع في البيئة المحيطة وتبدأ كل أنثي في بناء بيتها, ويهلك في الطريق إلي ذلك من يهلك من هذه العنيكبات. ويكرر من ينجو منها نفس المأساة التي تجعل من بيت العنكبوت أكثر البيوت شراسة ووحشية, وانعداما لأواصر القربى, ومن هنا ضرب الله تعالى به المثل في الوهن والضعف لافتقاره إلي أبسط معاني التراحم بين الزوج وزوجه, والأم وصغارها, والأخ وشقيقه وشقيقته, والأخت وأختها وأخيها!!..
*(4) قولة تعالى: (لَو كَانُوا يَعْلَمُون)..
هذه الحقائق لم تكن معروفة لأحد من الخلق في زمن الوحي, ولا لقرون متطاولة من بعده, حيث لم تكتشف إلا بعد دراسات مكثفة في علم سلوك حيوان العنكبوت استغرقت مئات من العلماء لعشرات من السنين حتى تبلورت في العقود المتأخرة من القرن العشرين, ولذلك ختم ربنا تبارك وتعالى الآية الكريمة بقوله(لَو كَانُوا يَعْلَمُون)..
أختـكم..
زهرة