الأخت الفاضلة عنابة
لانشك أن كل كلمة - واردة في أدعية أهل البيت عليهم السلام - وضعت في مكانها الصحيح وأنهم لا يضعون الكلمة عبثا ولغوا وحشوا وفي غير مكانها المناسب ، فكل كلمة صدرت مقصودة بهيئتها ومكانها المناسبين .
فكل كلمة من هذه الكلمات (ربي وإلهي وسيدي و مولاي) توضع أو لا توضع مجتمعة أو متفرقة في الدعاء حسب المناسبة .
ولا يفوتنا أن نشير في هذا الموضوع إلى بعض الأمور المتعلقة بالدعاء من روايات الإمام الصادق عليه السلام لعموم الفائدة وإن أطلنا عليكم .
أدلى الامام الصادق عليه السلام ، بكوكبة من الاحاديث ، أعرب فيها ، عن الاسباب الموجبة لاستجابة الدعاء ، وهذه بعضها :
أ - الاقبال على الله : من أهم الاسباب في استجابة الدعاء ، أن يقبل الداعي على الله تعالى بقلبه ، وأن لا يكون دعاؤه بلسانه ، وقلبه مشغولا بشؤون الدنيا ، وقد أعلن الامام الصادق عليه السلام ذلك بقوله : " إن الله عزوجل لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه .
فإذا دعوت فاقبل بقلبك ، ثم استيقن الاجابة . " .
وقال عليه السلام لبعض اصحابه : " إذا دعوت فاقبل بقلبك ، وظن حاجتك بالباب . " . إن اتجاه الانسان بقلبه وعواطفه ، في حال دعائه ، شرط أساسي ، في نجاح دعائه .
ب - التضرع إلى الله من الشروط في إجابة الدعاء : إبتهال الداعي ، وتضرعه أمام الله تعالى ، وقد ذم الله الذين لا يتضرعون إليه ، قال تعالى : ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) .
وقد سئل الامام الصادق عليه السلام ، عن كيفية الابتهال إلى الله في أثناء الدعاء ، فقال : الابتهال رفع اليدين ، ومدهما وذلك عند الدمعة ، ثم أدع . .
ج - الثناء على الله : وينبغي للداعي ، قبل أن يشرع في دعائه ، أن يمجد الله ، ويذكر الطافه ، ونعمه عليه ، ثم بعد ذلك يدعو ، وقد أثرت عن الامام الصادق عليه السلام ، في ذلك ، مجموعة من الاحاديث منها :
1 - قال عليه السلام : إذا طلب أحدكم الحاجة ، فليثن على ربه ، وليمدحه ، فان الرجل ، إذا طلب الحاجة من السلطان ، هيأ له من الكلام أحسن ما يقدر عليه ، فإذا طلبتم الحاجة ، فمجدوا الله العزيز الجبار ، وامدحوه ، وأثنوا عليه تقول : " يا أجود من أعطى ، وياخير من سئل ، يا أرحم من استرحم ، يا أحد ، يا صمد ، يامن لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، يامن لم يتخد صاحبة ولا ولدا ، يامن يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ويقضي ما أحب ، يامن يحول ببن المرء وقلبه ، يامن هو بالمنظر الاعلى ، يامن ليس كمثله شئ ، يا سميع يا بصير . ثم أوصى الامام ، بالاكثار من ذكر أسماء الله تعالى ، والصلاة على النبي وآله ، وبعد ذلك أمر بالقول : اللهم ، أوسع علي من رزقة الحلال ، ما أكف به وجهي ، وأؤدي به أمانتي ، وأصل به رحمي ، ويكون عونا لي في الحج والعمرة . " .
2 - قال عليه السلام : " اياكم ، إذا أراد أحدكم ، أن يسأل ربه شيئا من حوائج الدنيا والآخرة ، حتى يبدأ بالثناء على الله عزوجل ، والمدح له ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ، ثم يسأل الله حوائجه . " .
3 - روى الفقيه الكبير محمد بن مسلم قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : إن في كتاب الامام أمير المؤمنين عليه السلام : ان المدحة قبل المسألة ، فإذا دعوت الله عزوجل فمجده ، قلت : كيف أمجده ؟ قال : تقول : يامن هو أقرب إلي من حبل الوريد ، يا فعالا لما يريد ، يامن يحول بين المرء وقلبه ، ويامن هو بالمنظر الاعلى ، يامن ليس كمثله شئ . " .
4 - قال عليه السلام : " إذا إردت أن تدعو فمجد الله عزوجل ، وأحمده ، وسبحه ، وهلله ، وأثن عليه ، وصلى على محمد صلى الله عليه وآله ، ثم سل تعط . " .
د - الالحاح في الدعاء : من الامور ، التي لها الاثر في إجابة الدعاء ، الالحاح في الدعاء ، وكثرة السؤال من الله وقد أعلن ذلك الامام الصادق عليه السلام بقوله : " إن الله عزوجل ، كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة ، وأحب ذلك لنفسه ، إن الله عزوجل يحب أن يسأل ، ويطلب ما عنده . " .
ه - اجتماع المسلمين : من الاسباب المؤدية لاستجابة الدعاء ، إجتماع المسلمين في دعائهم ، وتضرعهم إلى الله تعالى ، وقد أعلن ذلك الامام الصادق عليه السلام بقوله : " ما من رهط أربعين رجلا ، إجتمعوا فدعوا الله عزوجل في أمر ، إلا إستجاب لهم ، فان لم يكونوا أربعين فأربعة ، يدعون الله عزوجل ، عشر مرات ، إلا استجاب لهم ، فإن لم يكونوا أربعة فواحد يدعو الله أربعين مرة ، فيستجيب الله العزيز الجبار له . " إن إجتماع المسلمين له موضوعية في نجاح الدعاء واستجابته ، وقد أكد الامام الصادق عليه السلام ذلك ، في كثير من أحاديثه ، وقد قال : كان أبي ، إذا أحزنه أمر ، جمع النساء والصبيان ، ثم دعا ، وأمنوا .
و - الصلاة على النبي وآله : وأعلن الامام الصادق عليه السلام ، أن من موجبات إستجابة الدعاء ، ونجاحه ، الصلاة على النبي وآله ، قال عليه السلام : " لا يزال الدعاء محجوبا ، حتى يصلي على محمد وآل محمد . " .
وقال عليه السلام : من دعا ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله ، رفرف الدعاء على رأسه ، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله ، رفع الدعاء لقد جعل الله تعالى الصلاة على نبيه العظيم ، من الوسائل الفعالة ، في استجابة الدعاء .
ز - تسمية الحاجة : وينبغي للداعي ، أن يذكر حاجته ، في إطار دعائه ، قال الامام الصادق عليه السلام : " إن الله تبارك وتعالى ، يعلم ما يريد العبد إذا دعاه ، ولكنه يحب أن تبث إليه الحوائج ، فإذا دعوت فسم حاجتك . " .
ح - أوقات الدعاء : وأدلى الامام الصادق عليه السلام ، بمجموعة من الاحاديث ، عن الاوقات التي يرجى فيها إجابة الدعاء ، وهي :
1 - قال عليه السلام : " أطلبوا الدعاء ، في أربع ساعات : عند هبوب الرياح ، وزوال الافياء ، ونزول القطر ، وأول قطرة من دم القتيل المؤمن ، فان أبواب السماء تفتح ، عند هذه الاشياء .
2 - قال عليه السلام : يستجاب الدعاء في أربعة مواطن : في الوتر ، وبعد الفجر ، وبعد الظهر ، وبعد المغرب .
3 - قال عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام : إغتنموا الدعاء عند أربع : عند قراءة القرآن ، وعند الاذان ، وعند نزول الغيث ، وعند إلتقاء الصفين للشهادة .
4 - قال عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خير وقت دعوتم الله عزوجل فيه الاسحار ، وتلا هذه الآية في قول يعقوب : ( سوف أستغفر لكم ربي . ) قال : ( أخرهم إلى السحر ) .
5 - قال عليه السلام : كان أبي ، أذا طلب الحاجة ، طلبها عند زوال الشمس ، فإذا أراد ذلك ، قدم شيئا فتصدق به ، وشم شيئا من طيب ، وراح إلى المسجد ، ودعا في حاجته بما شاء الله .
6 - قال عليه السلام : " إن في الليل لساعة ، ما يوافقها عبد مسلم ، ثم يصلي ، ويدعو الله عزوجل فيها ، إلا استجاب له في كل ليلة ، فقال عمر بن أذينة : أصلحك الله ، وأي ساعة هي من الليل ؟ قال عليه السلام : إذا مضى نصف الليل ، وهي السدس الاول من أول النصف .
7 - روى عبدالله بن سنان ، قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام ، عن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة . قال : ما بين فراغ الامام من الخطبة ، إلى أن تستوي الصفوف بالناس ، وساعة أخرى من آخر النهار ، إلى غروب الشمس . هذه هي الاوقات ، التي يؤمل فيها استجابة الدعاء ، فينبغي للداعي مراعاتها .
ط- الدعاء للاخوان : وحث الامام الصادق عليه السلام على الدعاء للاخوان ، بظهر الغيب ، لان في ذلك إيجادا للتضامن الاسلامي ، ونشرا للمودة والمحبة بين المسلمين ، قال عليه السلام : " دعاء المرء لاخيه ، بظهر الغيب ، يدر الرزق ، ويدفع المكروه . " .
وحكى الامام عليه السلام لاصحابه ، ما قاله جده الرسول صلى الله عليه وآله ، في فضل دعاء المسلم ، لاخوانه المسلمين . قال عليه السلام : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، ما من مؤمن دعا للمؤمنين والمؤمنات ، إلا رد الله عزوجل عليه ، مثل الذي دعا لهم به ، من كل مؤمن ومؤمنة ، مضى من أول الدهر ، أو هو آت إلى يوم القيامة ، إن العبد ليؤمر به إلى النار يوم القيامة فيسحب ، فيقول المؤمنون والمؤمنات : يا رب ، هذا الذي كان يدعو لنا ، فشفعنا فيه ، فيشفعهم الله عزوجل فيه ، فينجو " .
دعوات مستجابة
وأدلى الامام الصادق عليه السلام ، في بعض أحاديثه ، عن الدعوات المستجابة وفي ما يلي ذلك :
1 - قال عليه السلام : كان أبي يقول : " خمس دعوات ، لا يحجبن عن الرب تبارك وتعالى : دعوة الامام المقسط ، ودعوة المظلوم ، يقول الله عز وجل : " لانتقمن لك ، ولو بعد حين " ودعوة الولد الصالح لوالديه ، ودعوة الوالد الصالح لولده ، ودعوة المؤمن لاخيه بظهر الغيب ، فيقول : ولك مثله . " .
2 - قال عليه السلام : كان أبي يقول : إتقوا الظلم ، فان دعوة المظلوم تصعد إلى السماء .
3 - قال عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أربعة لا ترد لهم دعوة ، حتى تفتح لهم أبواب السماء ، أو يصير إلى العرش : الوالد لولده ، والمظلوم على من ظلمه ، والمعتمر حتى يرجع ، والصائم حتى يفطر .
4 - قال عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ليس شئ أسرع إجابة من دعوة غائب لغائب .
5 - قال عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إياكم ، ودعوة المظلوم ، فانها ترفع فوق السحاب ، حتى ينظر الله عزوجل إليها ، فيقول : إدفعوها حتى استجيب له ، وإياكم ودعوة الوالد فإنها أحد من السيف .
6 - قال عليه السلام : ثلاثة دعوتهم مستجابة : الحاج ، فانظروا كيف تخلفونه ، والغازي في سبيل الله ، فانظروا كيف تخلفونه ، والمريض ، فلا تغيظوه ولا يضجروه . هؤلاء هم الاصناف الذين يستجيب الله دعاءهم ، وقد أكد الامام عليه السلام ، بصورة خاصة ، على دعوة المظلوم الذي لا يجد ناصرا إلا الله ، فإنها لا ترد ، وإن الله تعالى لابد أن ينتقم من ظالمه ولو بعد حين .
دعوات لا تستجاب
وأعلن الامام الصادق عليه السلام ، في بعض أحاديثه ، عن الاشخاص الذين لا يستجاب دعاؤهم ، وهم :
أ - : قال عليه السلام : أربعة لا تستجاب لهم دعوة : رجل جالس في بيته . يقول : اللهم ارزقني ، فيقال له : ألم آمرك بالطلب ؟ ورجل كانت له امرأة فدعا عليها ، فيقال له : ألم أجعل أمرها إليك ؟ ورجل كان له مال فأفسده ، فيقول : اللهم ارزقني ، فيقال له : ألم آمرك بالاقتصاد ؟ ألم آمرك بالاصلاح ؟ ثم تلا قوله تعالى : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولن يقتروا وكان بين ذلك قواما )
ورجل كان له مال ، أدانه بغير بينة ، فيقال له ألم آمرك بالشهادة ؟ .
ب - قال عليه السلام : ثلاثة ترد عليهم دعوتهم : رجل رزقه الله مالا فأنفقه في غير وجهه ، ثم قال : يا رب ارزقني . فيقال له : ألم أرزقك ؟ ورجل دعا على امرأته ، وهو لها ظالم ، فيقال له : ألم أجعل أمرها بيدك ؟ ورجل جالس في بيته ، وقال : يا رب ارزقني ، فيقال له : الم أجعل لك السبيل إلى طلب الرزق ؟ .
نأمل أن لا نكون قد أطلنا عليكم وحرسكم الله ورعاكم وسدد خطاكم ولا حرمنا من دعاكم