صنّف العلامة المغفور له الشيخ عبد الحسين الأميني طاب ثراه (مؤلف موسوعة الغدير الكبرى) ما ورد من أحاديث في السجود إلى ثلاثة أقسام:
(1) السجود على الأرض
(2) السجود على النبات كالحصير والفحل (حصير كبير مصنوع من سعف النخل) والخمرة (حصير صغير من سعف النخل يتخذ للصلاة)
(3) السجود على الثياب القطنية أو الصوفية.
وسلط الأضواء على هذا القسم الثالث وكانت روايات هذا القسم يفسرها ظرفها حيث كانت جميعها الاّ ما شذ صريحاً في أن السجود على الثوب كان اما في صيف قائظ شديد الحر أو في برد قارس يتعذر أو يتعسر مباشرة المصلين فيه للأرض اللاهبة أو القارسة وقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام لها الحكومة على سائر الأدلة كما يقول الفقهاء وما ينجم عنه الضرر يحرم فعله ومن هذا نعلم أن السجود على الصوف أو القطن اختياراً يوقع المسلم في حيرة من أمره لأن ذلك لا يجوز على اساس أن العبادات توقيفية فالتعدي عنها الى غيرها ادخال ما ليس من الدين في الدين وهو بدعة محرمة وأمر محدث وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم شر الأمور محدثاتها وسوف يأتي تفصيل ذلك. وهناك فيض من روايات جاءت في كراهة نفخ موضع السجود غصت بها كتب الحديث تفيدنا أن المسلمين ما كانوا يسجدون على غير الارض وغير الحصر النباتية واليك قارئي الكريم بعضاً منها … فقد أورد الإمام مالك بن أنس في الموطأ قال (موطأ الإمام مالك: 1/157 صححه وأخرج أحاديثه محمد فؤاد عبدالباقي. ) (حدثني يحيى عن مالك عن أبي جعفر القاريء أنه قال رأيت عبد الله ابن عمر اذا هوى ليسجد مسح الحصباء لموضع جبهته مسحاً خفيفاً). وأورد أيضاً قال (حدثني مالك عن يحيى بن سعيد انه بلغه أن أبا ذر كان يقول مسح الحصباء مسحة واحدة وتركها خير من حمر النعم) (الأبل). والملاحظ في هذين الحديثين الالتزام بالسجود على الارض.
وأورد أيضاً الحافظ عبد العظيم المنذري في كتابه الترغيب والترهيب من الحديث الشريف في السجود على الحصى وكراهة نفخ موضع السجود نورد بعضاً منها.
1 ـ قال (عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم اذا قام احدكم في الصلاة فان الرحمة تواجهه فلا تحركوا الحصى رووه كلهم من رواية ابي الأحوص عنه).
2ـ وعن معيقب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تمسح الحصى وانت تصلي فان كنت لابد فاعلا فواحدة (تسوية الحصى) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابو داود وابن ماجة).
3 ـ وعن جابر رضي الله عنه قال سألت النبي عن مسح الحصى في الصلاة فقال: واحدة ولئن تمسك خير لك من مئة ناقة كلها سود الحدق رواه ابن خزيمة في صحيحه).
4 ـ وعن ابي صالح مولى طلحة رضي الله عنه قال كنت عند ام سلمة زوج النبي فأتى ذو قرابتها شاب ذو حجة فقام يصلي فلما اراد أن يسجد نفخ فقالت لا تفعل فان رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يقول لغلام لنا أسود يا رباح ترب وجهك رواه ابن حيان في صحيحه (الترغيب والترهيب 1/581 حققه محمد محيي الدين عبدالحميد.
).
ومن مجموعة روايات كراهة النفخ وما اكثرها جاء ذكر السجود على الأرض فيها في حين كان السجود بأماكن خاصة وأماكن عامة فمثلاً هذا الشاب قرابة أم سلمة الذي جاء ضيفاً إلى بيت رسول الله وعادة كما قيل ولكل قادم كرامة فلم لم تفرش له أم سلمة أجود بساط عندها ؟ ولا اعتقد ان أم سلمة تفتقد وجود بساط في بيتها ولو كانت صلاته بالمسجد لقلنا إن المسجد فرش بالحصى وكل المسلمين يسجدون عليه أما والشاب يصلي في بيت أم سلمة فلا يمكن أن يأتي هذا الافتراض ومع هذا تنهاه أم سلمة عن نفخ موضع سجوده وتريده أن يضع جبهته على الحصى ومع غباره والذي يقال في المقام ان الذين وفقهم الله لاستقصاء أحاديث السجود الواردة في مظانها وسبر المسانيد والموسوعات الفقهية لم يوافونا ولا بحديث واحد صريح في ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد أصحابه المكرمين سجد على بساط من القطن أو الصوف.. إذن والحالة هذه يتبين لنا أنه لا يجوز السجود على الصوف ولا على القطن ولا على أي شيء سوى الأرض وما انبتت ما لم يؤكل أو يلبس وعلى القرطاس دون غيرها والعبادات (قارئي الكريم) توقيفية يقتصر على فيها مورد النص وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله هو سنة بمثابة نص قرآني نعم قد يستفاد من بعض الاحاديث أن بعض الصحابة سجد على ثياب وقد تقدم انه يجوز ذلك عند الضرورة والضرورات تبيح المحظورات، كما وقد أورد عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للشيخ بدر الدين العيني تعليقاً على حديث الخمرة قال (الرابع جواز الصلاة على الحمرة من غير كراهة) وعن ابن المسيب (الصلاة على الخمرة سنة) وقد فعل ذلك جابر وأبو ذر وزيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم (عمدة القاري شرح صحيح البخاري: 4/108.
) …
وكانت سيرة الشيعة الإمامية العمل بالأفضل لذا يسجدون على تربة تصنع من أرض طابت وطهرت والأرض تشقى وتسعد يأخذونها من أرض كربلاء لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم (حسين مني وأنا من حسين) و(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) (الخصائص الكبرى لمؤلفه جلال الدين السيوطي: 3 /362 تحقيق الدكتور محمد خليل هراس. ) وقد قضى الحسين مجاهداً عندما رأى أن الرذيلة استولت على الفضيلة والمادية على الروحية والعدالة ذبيحة والحق صريع وقد طغى على العالم الاسلامي استبداد أموي فنهض هو وأهل بيته وصحبه الغر الميامين لتصحيح المسار والعودة بالإسلام الى منابعه الأصيلة حتى تساقطوا صرعى في هذه البقعة الشريفة التي منها يأخذ الشيعة التربة فهي اذن توحي للمسلم الجهاد في سبيل الله والدفاع عن حياض العقيدة والجهاد باب من ابواب الجنة والجنة تحت ظلال الأسنة.
وورد في تفسير الآية الكريمة (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)(الشيعة في عقائدهم وأحكامهم لمؤلفه السيد أمير محمد القزويني: 7.) (آية 26 من سورة النور) عن الجلال السيوطي في الدر المنثور في تفسير هذه الآية قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بيت النبي وبيوت أهل بيته من أفاضلها واعلاها) فاكتسبت الأرض شرافة بالاجسام الطاهرة الثاوية في رحابها والمكان بالمكين كما قيل وقد ورد في الذخائر القدسية في زيارة خير البرية أن المسلمين كانوا يستشفون بتربة حمزة بن عبد المطلب وتربة صهيب الرومي قال ما نصه (الذخائر القدسية في زيارة خير البرية لمؤلفه عبدالحميد بن محمد اقدس بن الخطيب المدرس بالجامع الحرام بمكة: 112.) (من ذلك الاستشقاء بتربة حمزة وتربة صهيب اللذين استثنيا من حرمة نقل تراب الحرم المدني إلى غيره فيجوز نقلها كما سننبه على ذلك … أما الأول فهو مجرب للصداع وأما الثاني فقد جربه العلماء للشفاء من الحمى شرباً وغسلاً لكن الشرب هو الوارد في حديث ابن النجار وغيره لما أصابت بني الحرث قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أين انتم من تراب صهيب قالوا وما نصنع به قال تجعلونه في الماء إلى آخر الحديث) ومن المعلوم أن مقام الحسين عليه السلام أجل واسمى من مقام الحمزة وصهيب رضوان الله عليهما عند الله وعند رسوله للاحاديث الواردة فيه من الرسول العظيم والتي تشيد بذكره وعلو مكانته. ولقائل أن يقول لماذا لم يحمل معهم الصحابة والسلف الصالح تربة من أرض الحرمين الشريفين في سفرهم و حضرهم نقول في جواب ذلك بما ذكره صاحب الذخائر القدسية من حرمة نقل تراب الحرم المدني وطبعاً الحرم المكي بطريق أولى فقد أورد رضوان الله عليه (نفس المصدر: 18. ) (أن لا ينقل معه شيئاً من حجارة حرم المدينة وترابها فان ذلك حرام عند أئمتنا ولو الى مكة وان نوى رده اليه كما في التحفة نعم استثنوا من ذلك نقل تراب احتيج اليه للدواء كتراب مصرع حمزة رضي الله عنه للصداع وتربة صهيب رضي الله عنه كما مر التنبية عليه لاطباق السلف والخلف على نقل ذلك ومنه يعلم حرمة نقل الآجر والاكر والأواني المعمولة من تراب المدينة الا إن اضطر الى آنية لنحو ماء بأن لا يجد غيرها حساً وشرعاً والا وجب عليه ردها وان انكسرت الآنية كما استظهره في التحفة والا كان آثماً ولا ينقطع دوام عصيانه الا بردها مادام قادراً عليه) واجماع الفقهاء على المنع كما ذكره صاحب الذخائر القدسية عاق سكان الحرمين عن حمل تربة من هذه الديار المقدسة.
ولو رجعنا الى مذهب أهل البيت ورد فيهم ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (يقول السيد محمد تقي الحكيم في كتابه الاصول العامة للفقه المقارن 164. (وهذا الحديث يكاد يكون متواتراً بل هو متواتر فعلاً اذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنة في مختلف الطبقات) الى أن يقول وحسب الحديث لان يكون موضع اعتماد الباحثين ان يكون من رواته كل من صحيح مسلم وسنن الدارمي وخصائص النسائي، وسنن أبي داود وابن ماجة ومسند احمد ومستدرك الحاكم، وذخائر الطبري وحلية الاولياء وكنز العمال وغيرها، وان تعنى بروايته كتب المفسرين امثال الرازي والثعلبي والنيسابوري والخازن وابن كثير وغيرهم، بالإضافة الى الكثير من كتب التاريخ واللغة والسير والتراجم.) لرأينا فيضاً من نصوص حديثية وردت عنهم عليهم السلام صريحة في ان ما يسجد عليه هو الارض او نباتها او القرطاس (الورق) وغير ذلك لا يجوز السجود عليه كصحيح هشام بن الحكم انه قال للامام جعفر الصادق عليه السلام اخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز؟ قال عليه السلام لا يجوز السجود إلا على الارض او على ما انبت الارض إلا ما أكل او لبس فقال له عليه السلام جعلت فداك ما العلة في ذلك؟ قال عليه السلام لان السجود خضوع لله عز وجل فلا ينبغي ان يكون على ما يؤكل ويلبس لان ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون والساجد في سجوده في عبادة الله عز وجل فلا ينبغي ان يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها ( مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الحكيم قدس سره: 5/338). والحقيقة ان الصلاة مظهر عبودي لله، علينا لان نكون مخلصين له الدين ولا نشرك بعبادة ربنا احداً ولذا قال الفقهاء ببطلان الصلاة مع الرياء لان نية القربة بدأت تتأرجح والمردد لا يقع فكذلك السجود على الملبوس والمأكول له انعكاسات على نية التقرب يمكن ان تأتي بمردود غير مستحسن تتساقط أمامه نية التقرب الى الله.
والخلاصة يصح للمسلم ان يسجد على ما يطلق عليه ارضاً سواء أكان تراباً او صخراً او رملاً او طيناً او على الرخام (الحجر الطبيعي) لان كل ذلك يسمى ارضاً وعلى كل نبات بشرط ان لا يكون مأكولاً كسائر الفواكه والبقول التي اعتاد الناس أكلها كالتمر والتفاح والبصل والبطاطا، اما النوى والقشور وورق الاشجار واخشابها وسعف النخل فلا مانع من السجود عليها كما لا يجوز السجود على ما يلبس كالقطن والكتان والقنب والمنسوج منهما، كما ويجوز السجود على القرطاس (الورق) فقد سأل داود ابن فرقد ابا الحسن عليه السلام عن القراطيس والكواغد المكتوب عليها هل يجوز السجود عليها ام لا؟ فكتب عليه السلام يجوز (نفس المصدر السابق).
وقد يقال لماذا لم يكن رسول الله يحمل تربة معه؟
نترك الجواب للمرة القادمة