عرض مشاركة واحدة
قديم 10-02-04, 10:12 AM   #19

برلنتي
عضو نشيط  







رايق

الحلقة الحادية عشرة :

في الحلقة الماضية سألت سلمى عن مجموعة من ذكرياتها مع عدي صدام حسين ، وعن طباعه التي كان العراقيون جميعا يتحدثون عنها ، في مجالسهم الخاصة حسبما سمعت من الكثير من العراقيين الذين عرفتهم خلال سنوات حكم صدام حسين وولديه . وقد حكت لنا سلمى عن ايمان عدي الغريب بالشعوذة والسحر الى درجة انه سمع كلام ساحر افريقي فابتعد عن النساء وعن سلمى تحديدا عشرة ايام ، وبعد أن رضيعدي عن سلمى تماما سمح لها أن تحتفظ بولدها الذي دفعتها عودته اليها للتفكير من جديد في الهروب من الجحيم ، وهاهي اليوم تواصل سرد قصتها التي أصرت هي على أن تسميها مأساة . - مدام تقولين إنك بدأت تفكرين بالهرب من جديد ، هل تقصدين الهرب من عدي أم الهرب من العراق؟ - يعني أستاذ الهرب من عدي إذا لم يكن الى خارج العراق فكيف يكون هروباً ؟ طبعا فكرت بالهروب من العراق وبشكل نهائي ، يعني صارت حياتي مستحيلة ، اصلا انا لن اقدر على العيش بين الناس بعد كل ماحدث لي ، وفعلا بدأت التخطيط ، قبل سنوات حين فكرت بالهروب استعني بتماضر ، وأنا صراحة لم أكن راغبة في لقائها بعد هذا الغياب وما سببتُه لها وللمحيطين بها من مشاكل ولذلك فقد قررت الاعتماد على نفسي ، ولكن كيف ؟ هذا ما كان يحيرني ، يعني كيف ممكن اعتمد على نفسي في مثل هذه القصة التي يفشل الرجال في تحقيقها ، فكرت بالسفر الى الموصل ، والفرار منها الى الجبال ، يعني الى المناطق الكردية ، ومن هناك يمكن أن أخرج ، لكن اذا علم عدي بسفري الى الموصل فسوف يقوم بمنعي ، أصلا انا لن اقدر على السفر اطلاقا دون ان يعلم عدي بالأمر .في تلك الفترة كان عدي مرتبكا كثيرا ومشغولا بعد ماحدث مع حسين كامل وشقيقه صدام ، حين فرا الى الأردن وعادا وبعد ذلك قتلا بطريقة قاسية ، صار الناس يتحدثون عن علاقته هو شخصيا بما حدث ، ولذلك فقد كان طيلة الوقت وحتى في الحفلات التي كان يقيمها في قصره أو في واحدة من المزارع الكثيرة لتي كان يمتلكها ، كان كل الوقت يبدو متضايقا ، ومنزعجا ،وأصغر كلمة ممكن أن تجعله يثور ويبدأ يشتم الحاضرين بطريقة سيئة ، وإذا حاول أحد التخفيف عنه فسيدفع الثمن بإرساله الى الرضوانية ، كان يصيح مهتاجا : روحوا ، ابتعدوا ، لاأريد أن أرى هذه الوجوه العفنة ، كلكم متآمرون ، كلكم منافقون ، وكان يشرب كثيرا في تلك الفترة ، يشرب وينام على الكرسي الذي ينام عليه ، حدث هذا في الكثير من المرات ، ورغم وجود الصوت والضجيج إلا أنه كان ينام بعمق، فيبدأ الجميع بمغادرة المكان ، ولا يبقى إلا من طلبهم هو شخصيا للحضور ، أذكر أنه وفي إحدى المرات استيقظ ولم يجد مهند وهو مغن كان يحب صوته كثيرا أقام الدنيا ولم يقعدها لأن مهند لم يكن موجودا ، وأرسل سيارة أحضرت المغني المسكين الذي أمضى الليلة كلها يغني في الحديقة على الرغم من الطقس البارد والمطر ، ربما هذا الوضع الذي كان يمر به عدي شجعني أكثر على التفكير بالبحث عن طريقة للهرب ، فهو وكما قلت لك كان منشغلا وكان يمر أسبوع وأحيانا أكثر دون أن يسأل عني ، لكن كيف يمكن أن أفر من عيونه التي أحس بها في كل مكان . - تقصدين أن المراقبة التي كان يفرضها عليك من قبل مازالت موجودة ؟ - لا لم يعد هناك مراقبة مثل قبل ، لكن كنت أحس بأن عدي يعرف كل شيء أقوم به ، حتى أني شككت بزينب أن تكون هي من يوصل اخباري اليه ، لكن زينب مستحيل ، فكرت في الكثير من الناس الذين يمكن أن استعين بهم في الموضوع ، لكن صدقني ، خوية ، ومن خوفي عليهم ابعدتهم عن تفكيري تماما ،يعني الأمر يعنيني أنا فلماذا أورط فيه غيري ، في إحدى الليالي كنا أنا وزينب نتفرج على التلفزيون ، الوقت متأخر ، ولا أدري كيف خطرت لي فكرة سؤالها : زينب اسمعي ، أنا أريد أن أحصل على جواز سفر مزورا ، هل تعرفين أحدا يمكن أن يساعدني ؟ سكتت قليلا ، والغريب أني لم ألمح على وجهها أية علامة تدل على أنها فوجئت بطلبي بل على العكس قالت ، وبلكنتها المحببة الى قلبي والتي لايمكن أنساها : كنت متوقعة تطلبين هذا الطلب ، يعني ليس هذا الطلب تماما لكن توقعت أنك ستفكرين بالسفر ، قلت لها مستغربة :ولكن كيف عرفت ؟ قالت بهدوء : إنسانة تتعرض للظروف التي تعرضت لها لازم تفكر تسافر خارج البلد ، تدرين مدام ابن خالتي لديه صديق أستاذ كبير في التزوير ، لكن هو يطلب الكثير ، ابن خالتي يقول عنه : رحيم ، مثل الختم الأصلي ماممكن أن يكتشف أحد تزويره ، بلهفة قلت لها : أريد أن أراه ،هزت زينب رأسها وردت : صار مدام غدا أروح الى بيت خالتي وأطلب من ستار ابن خالتي يدلنا على الطريقة التي يمكن أن نلتقي بها صديقه وكم يطلب من المال ، و(مايصير خاطرج إلا طيب مدام) لايمكن أن أصف لك مدى الارتياح الذي أحسسته بعدما قالته زينب ، تصور وقبل أن يتم الموضوع أحسست بأني حرة ،أقصد بأني تخلصت من عدي . في اليوم التالي ، ذهبت زينب الى بيت خالتها وعادت بعد حوالي الساعة ومعها ابن خالتها ، وكان يبدو عليه الشر ، يعني تدري بعض الناس تحس من وجوههم بأنهم مجرمون ، لكن ما يهمني ، هكذا قلت في نفسي ، يكون شريرا أو لايكون ، المهم أن أحصل منه على ما أريد ، طلب مني ستار أن أعطيه مهلة أسبوع حتى يسافر الى الحلة ويلتقي بصديقه ويتفق معه على تفاصيل الجواز ، وطلب مني مقدم أتعابه هو مئة دولار تكاليف سفره وعودته من الحلة ، طبعا المبلغ كان كبيرا جدا لكني كنت أبحث عن خلاصي من الجحيم وأظن أي مبلغ هو قليل تجاه خلاصي مما أعانيه . - عفوا للمقاطعة مدام ، ولكن هل أعطيته ؟ أقصد من أين حصلت على النقود ؟ تضحك بهدوء وتقول : - معقولة أستاذ أنا كنت قريبة من عدي ، يعني كل ماأريده كان يصلني قبل أن أقول ، تصدق كان كل يوم تقريبا يرسل لي نقودا ، هو وللحقيقة لم يكن يبخل عليّ بشيء ،هدايا ومجوهرات ونقود فوق حاجتي ، كل شيء عنده أكثر من الحاجة ، تصدق كان عندي سيارتان وكان كل فترة يبدل لي سيارتي ، يرسل لي سيارة جديدة ويعطي القديمة لأحد مرافقيه ، كان يغدق على الجميع بدون حساب ، ولكن حين كان يغضب من أحدهم كان يدمره ، أكثر كلمتين كان يرددهما هي اعطوه ، أو خذوه . - إذا أعطيت للمدعو ستار المئة دولار التي طلبها ؟ - بكل تأكيد ، وسافر الى الحلة لأن صديقه رحيم المزور كان يقيم هناك بعد خروجه من السجن ، يعني لاأدري الرجل كان من الحلة أو من سكانها ، لكن هكذا قال لي ستار . - ولكن أسبوع فترة طويلة ليتفاوض معه من أجل جواز السفر ، أليس كذلك مدام ؟ - نعم هذا ماقلته له أنا أيضا ، وحين ألححت عليه أخذ صورتي الشخصية ، ومعلومات عني ، ولكني لم أعطه اسمي الحقيقي ، أسميت نفسي سعاد ، قبل أن يخرج سألني ستار : ست سعاد هل أنت أيضا كنت في السجن وتريدين الهرب ، يعني شغل سياسة ، قلت له : لا ، أنا عملت مشكلة مع أهلي ، وهم يريدون قتلي ، لم أكن أريده أن يعلم أي شيء قريب من قصتي ، يعني كنت أسمع أن أغلب المجرمين هم مخبرين للدولة ، يعني لو قلت له بأني شغل سياسة كما قال ، فربما أخبر الأمن وساعتها سيفتحون لي تحقيقا ، وربما وصل الأمر الى عدي ، ولن أستطيع بعدها الافلات ، بل ربما دفعت حياتي ثمنا لمحاولتي ، المهم سافر ستار ، وكانت زينب تسأل عنه يوميا في بيت خالتها ، إذا كان عاد أم لا ، وكنت أنا على أحر من الجمر أنتظر بفارغ الصبر عودته ، مر أسبوع ، ثم مرت عشرة أيام دون أن يعود ، فعلمت بأني تعرضت لعملية نصب ، وفقدت الأمل ، وكانت زينب تشعر بالخجل وتعتبر نفسها مسؤولة عما حدث ، طبعا أنا حاولت التخفيف عنها لأنها امتنعت تماما عن النظر في وجهي ، وصارت تتكلم معي بطريقة فيها اعتذار دائما ، يعني تتصور البنت كانت تعتبر نفسها مسؤولة على الرغم من أني قلت لها مئة مرة أنت لا علاقة لك بابن خالتك إذا كان هو نصابا فما ذنبك أنت ، بعد مرور ست عشرة يوما ، اتصل بي عدي وطلب مني الحضور الى مزرعته ركبت سيارتي وذهبت ، وبقيت في المزرعة يومين دون أن ياتي عدي ، بقيت وحيدة ، صحيح أنه كان هناك خادمة تقوم بخدمتي لكنها كانت لاتفتح فمهابكلمة واحدة ، تعرف أتصور أن تلك المرأة كانت خرساء . في اليوم الثالث جاء عدي ظهرا ، وكان يركب سيارته البورش الذهبية ، أمضى فترة بعد الظهر معي ثم خرج مندفعا بسيارته ، عدت الى البيت وقبل أن أدخل الى الحمام للاستحمام جاءت زينب وكان يبدو عليها الذهول اقتربت مني وقالت : مات ، قتلوه ، ثم انفجرت باكية ، طبعا أنا لم أفهم شيئا ، لكن تفكيري قادني الى ستار ، قلت أكيد أن الذي مات هو ستار ابن خالتها ، بعد قليل عادت الى الوعي ، يعني هي لم تكن فاقدة الوعي لكن كانت تبكي بحزن ، قالت وهي تجهش والبكاء يخنقها : قتلوا الاستاذ عدي ، قتلوه . طبعا هنا توقفت الأرض عن الدوران بالنسبة لي، وتجمدت في مكاني ، ولم أعد قادرة على الحراك ، مات ، قتلوه ، عدي ، كيف من متى ؟؟ صرت أهز زينب كي تتكلم لكنها لم تكن تملك إجابات لأسئلتي ، كلماكانت تردده هو مات أطلقوا عليه الرصاص وقتلوه ، مسكين قتله المجرمون ، السفلة ، قتلوا الأستاذ ، هل تتخيل ، أستاذ، بأني عاجزة تماما عن وصف حالتي في ذلك اليوم ، لا أصدق وكأن ذاكرتي توقفت تماما ، لاأريد أن أقول بأن الخبر زلزل كياني ونزل مثل الصاعقة على رأسي ، طبعا أنا لم أكن حزينة ، لكن كنت أكثر من مذهولة ، يعني شيء لا يمكن وصفه ، ولكن كيف قتلوا عدي لقد كنا معا قبل أقل من ساعتين ، أين ؟ من هم ؟ ظللت مدهوشة ومذهولة طيلة اليوم ، وأما زينب فهي لم تفتح فمها لتقول كلمة واحدة كانت صامتة ويبدو الحزن والألم على وجهها ، في الليل لم أستطع أن أنام كان هناك قلق يجعلني أتحرك ، لست حزينة ولست فرحة ، لاأدري ماذا تسمى تلك الحالة التي أصابتني ، حالة غريبة حقاً ، ذهبت الى غرفة زينب ، عانقتها ، وسألتها :هل كنت تحبينه يازينب ؟ نظرت الى وجهي باستغراب وقالت بصوت مبحوح : طبعاً هذا عدي ابن صدام ، كيف لاأحبه ، هو ابن السيد الرئيس ولازم أحبه مدام ، كل العراقيين لازم يحبون عدي لأنه ابن صدام ، ابن الرئيس .في تلك اللحظة عرفت كم هي طيبة زينب ، يعني هي ورغم ماعرفته عن عدي من خلال ما كنت تراه وتعرفه ، يعني أقصد أثناء عملها إلا أنها لا تستطيع أن تكرهه لأنه ابن الرئيس ، تخيل هل هناك طيبة في العالم أكثر من هذه ، في الصباح كنت أشعر بشعور غريب لقد تخلصت من ذلك الكابوس دون أن أكون مضطرة للسفر والذهاب بعيدا عن العراق ،يعني أنت لا تتخيل كم أحب العراق ، وكم أنا مشتاقة له الآن ، فكرت في حمل ولدي والذهاب مباشرة الى بيتي القديم أو حتى السفر الى الرمادي ،المهم أني صرت أشعر بأني حرة ولا شيء يمكن يمنعني من فعل ما أريد ، لكن التلفزيون بدد كل ما فكرت فيه طيلة الليل وفي الصباح ، لقد قالوا بأنه نجا من محاولة الغدر الحاقد وهو بخير وصحته جيدة ، هذا ما قالوه على التلفزيون ، وهذا ما جعلني أعود للانهيار مرة أخرى ، قدري أن يبقى هذا الرجل جاثما على صدري ، في تمام الساعة الواحدة ظهرا ، وكنت أحبس نفسي في غرفتي ، جاءت زينب لتقول وبشيء من الفرح : ست ، تدرين من جاء ، إنه ستار وهو يحمل الجواز بيده . سرعة زينب في قول ماقالته جعلتني أقفز بدون وعي وأنقض عليها ، صرت أقبلها ، وصرت أبكي ، اعذرني أستاذ ، لاأدري يمكن أنا لاأقدر أن أعبر عن كل ماعشته خلال ذلك اليوم واليوم الذي سبقه ، يعني أول شيء خبر اغتيال عدي ، وثم جواز السفر ، وبعدما فقدت الأمل حين أذاعوا أن عدي نجا من محاولة اغتياله شعرت ، لكن وجود جواز السفر جعل حزني وخيبة أملي يتبددان ، إذن فإن فرصتي بالفرار من هذا الجحيم مازالت قائمة ، قابلت ستار وسلمني جواز السفر ، وقبض مني ألفاً وخمسمئة دولار، وبعد أن انصرف الرجل ، أخرجت المجوهرات كلها التي أعطاني إياها عدي ، وقررت بيعها لأجل تأمين لوازم السفر ، ولكن هناك مشكلة لم أفكر بها من قبل ، وهي كيف سيمكنني إخراج الصغير معي من العراق ، فأنا بحاجة الى موافقة أهله ، أقصد أهل زوجي الله يرحمه ، وكان الوقت يمر وأن يعطوني موافقتهم فهذا كان صعبا للغاية ، استطعت عن طريق أم ثريا وهي امرأة تعمل في تجارة الآثار والأشياء الثمينة أن أبيع مجوهراتي بحوالي الستة آلاف دولار ، ثم بدأت التفكير بطريقة لإخراج الصغير ، وفعلا تقدمت بطلب للسفر ، وكانت الأخبار ترد كل يوم عن علاج عدي وعن شفائه السريع ، حصلت على موافقة السفر ، بسرعة غريبة عرفت بعدها أن رمضان قريب زينب هو الذي ساعد في سرعة منحي الإذن بالسفر عن طريق بعض معارفه ، وهكذا بدأت الدقائق التي تفصلني عن الرحيل والخلاص تمر بطيئة ، لكن ماذا كنت سأفعل بخصوص الصغير ؟ هذا ماكان يعطل فرحتي ، ولهفتي للخلاص .

في الحلقة الأخيرة : وهكذا انطلقت السيارة ، وتركت كل شيء ورائي.

__________________
برلنتي أغلى أنواع الألماس

برلنتي غير متصل