أحسنت أخي العزيز ..
جعل الله ذلك في ميزان الأعمال ووفقنا واياك لشرف خدمة هذه البضعة الطاهرة وابنائها البررة.
أعظم الله لنا ولكم الأجر ايها المؤمنون بهذه الفاجعة الأليمة.. وهذا المصاب الجلل .. يوم رحيل أمنا الزهراء البتول .. رحيلٌ وأي رحيل! رحلت بعد ما جرى عليها من مصائب وظلامات.. ماذا نعد وماذا نحصي من تلك النوائب!
فقدُ أبيها!
أم كسر ضلعها!
أم سقوط جنينها!
أم غصب حقّها!
أم التعدي على بعلها!
أم تركهم لوصية أبيها!
راحت الأحزان تترى على الصديقة الكبرى الطاهرة البتول بعد رحيل ابيها..
والهموم تنبري إليها والدموع لما تجف والجرح لما يندمل وهي بين هذا وذاك تفيق مرّةً ويخشى عليها مرة أخرى من شدّة المرض وتحيل بصرها في أولادها.
وماتت بضعة النبي(ص) شهيدةً مظلومة مهضومة..
فواغوثاه من هضمها...
من آلامها ..
من تصدّع قلبها واغوثاه..
من كسر ضلعها واسوداد عضدها.. وإسقاط جنينها..
يقول السيد الحميري رحمة الله عليه( ت 173 ه . ) وهو معاصر للإمامين الصادق والكاظم ( ع ) :
ضربت واهتضمت من حقها * وأذيقت بعده طعم السلع*
قطع الله يدي ضاربها * ويد الراضي بذاك المتبع
لا عفا الله له عنه ، ولا * كف عنه هول يوم المطلع
* السلع : الشق والجرح
وقد استرجعت الوديعة
لما انتهى الإمام أمير المؤمنين(ع) من مراسم الدفن ونفض يده من تراب القبر هاج به الحزن لفقد بقية رسول الله(ص) التي عاشت معه الطهارة والتضحية وتحمّلت من أجله الأهوال والصعاب فقال نادباً.
لكل اجتماع من خليلين فرقةٌ
وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقاد فاطمة بعد أحمد
دليل على أن لا يدوم خليل
فأرسل دموعه على خدّه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله(ص) فقال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرّة عينك وزائرتك والبائة في الثرى ببقعتك المختار الله لها سرعة اللحاق بك، قُل يا رسول الله عن صفيّتك صبري وضعف عن سيّدة النساء تجلّدي إلى أن يقول قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة واختلست الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد لا يبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت مقيم وإلى الله أشكو وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك عليَّ وعلى هضمها حقّها فاستخبرها الحال فكم من عليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلاً.
هذا وقد استشهدت فاطمة الزهراء(ع) في السنة 11 من الهجرة بعد أربعين يوماً على بعض الروايات كما رواه صاحب الاحتجاج نقلاً عن كتاب سليم فتكون تاريخ وفاتها الثامن من ربيع الثاني سنة إحدى عشر للهجرة فإنا لله وإنا إليه راجعون وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون .
نختم بأبيات للعالم الجليل والشاعر الكبير السيد باقر الهندي ( ت 1329 ه ) :
لست تدري لم أحرقوا الباب بالنار أرادوا إطفاء ذاك النور
لست تدري ما صدر فاطم ما المسمار ما حال ضلعها المكسور
ما سقوط الجنين ما حمرة العين وما بال قرطها المنثور
دخلوا الدار وهي حسرى بمرأى من علي ذاك الأبي الغيور
واستداروا بغيا على أسد الله فأضحى يقاد قود البعير
والبتول الزهراء في إثرهم تعثر في ذيل بردها المجرور
بأنين أورى القلوب ضراما وحنين أذاب صم الصخور
ودعتهم : خلوا ابن عمي عليا أو لأشكو إلى السميع البصير
ما رعوها بل روعوها ومروا بعلي ملببا كالأسير
إلى أن قال :
وعلي يرى ويسمع والسيف رهيف والباع غير قصير
قيدته وصية من أخيه حملته ما ليس بالمقدور أفصبرا
يا صاحب الأمر والخطب جليل يذيب قلب الصبور
كم مصاب يطول فيه بياني قد عرى الطهر في الزمان القصير
كيف من بعد حمرة العين منها يا ابن طه تهنى بطرف قرير
فابك وازفر لها فإن عداها منعوها من البكا والزفير
وكأني به يقول ويبكي بسلو نزر ودمع غزير لا تراني
اتخذت لا وعلاها بعد بيت الأحزان بيت السرور
فمتى يا ابن فاطم تنشر الطاغوت والجبت قبل يوم النشور