القلوب مع الحسين (ع) والسيوف قتلته:
مثلما كان الحسين (ع) في حال من وضوح الرؤيا بحال الأمة وحاجتها لهزة عنيفة توقظها من سبات وهمي تحت غطاء الخوف والخنوع، فقد تعامل الحسين (ع) مع واقع الأمة هذا برباطة جأش وبصبر جميل في تجاوز بلاءات الوجود، وكان ذلك بمثابة البذرة للتحول نحو الحسين المنهج في بيئة القلوب المحبة، ثم يأتي ما قدمه الحسين (ع) من دمه ودم أصحابه بسخاء وقوة رداً على بلاء الحياة واستهانة بها في جنب الله سبحانه، وكان ذلك بمثابة ترعة تروي البذرة المزروعة في القلوب المحبة، فقد سقى الدم الحسيني تلك البذرة لتنمو إلى بادرة.. أما ما حدث بعد ذلك من أعمال هابطة جسدت الخسة والغدر والنهب والسلب لبنات الرسالة وبيت الوحي، ثم السبي وقطع الرؤوس المقدسة وترك الجثث الطاهرة دون دفن، وسبي عيال رسول الله وأخذهن سبايا نساءً وأطفالاً هدايا مع رأس الحسين المقدس، ورؤوس أصحابه وآله ليقدموا إلى أبناء العاهرات المعروفات.. وهذا كان بمثابة الصاعق الذي فجر الرين عن تلك القلوب والذي يمنع نمو تلك البادرة للخير، فأخذت تكبر وتتسع ثم أزهرت، وأثمرت، في نقمة عامة على الأمويين وندم يأكل النفوس ويقطع الأصابع.
إن استجابة الحسين (ع) الرائعة لراتب البلاء، الذي تجسد في موقفه الشامخ في الثقة بالنفس والعزة واليقين بحب الله تعالى بما لا يفوقه حب آخر.. إن هذه الاستجابة الحسينية الربانية، إنما أبرزت كمال حسن الحسين (ع) في كل معاني الإنسانية بما أسقط النقاب عن الوجه القبيح لحقيقة الأمويين، فقد بدوا متجردين من كل دين أو قيمة إنسانية، ولقد روى المؤرخون: (لما وصل رأس الحسين (ع) إلى يزيد حسنت حال بن زياد عنده وزاد في صلته، ثم ما لبث إلا يسيراً حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم إياه وسبهم له، فندم على قتل الحسين) (7).
وقد كان لبنات الوحي وزينبu بنت أمير المؤمنين دورٌ أعلامي متميز في صنع تلك الهزة العنيفة في الأمة، فهذه زينب بنت أمير المؤمنين(ع) تخطب في أهل الكوفة، وقد احتشدوا لرؤية السبايا وهم يبكون في أولى بوادر نمو بذرة حب الحسين في قلوبهم فتقول(ع):
(أتبكون؟! فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا ساء ما تزرون.. أي والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها بغسل أبداً، وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة، ومعدن الرسالة ومدار حجتكم، ومنار محجتكم، وهو سيد شباب أهل الجنة؟.. لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء، أتعجبون لو مطرت السماء دماً، ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم إن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون.. أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي دم سفكتم؟ وأي كريمة أبرزتم؟ لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا) (8).
وقد بثت ثورة الحسين (ع) قيماً جديدة في الأمة على أعقاب الخنوع والملق للظلمة والدعاة الأدعياء، وانبعثت في أوصالها روح الثورة، وظهر التوابون في العراق، وثارت مدينة رسول الله تعالى، وثار المختار بن عبيد الله الثقفي وأخذ بثأر الحسين (ع) من جميع قتلته ثم ثار مطرف وثار زيد بن علي بن الحسين (ع) ، ثم ثورة أبي السرايا.. وكل ينادي يا لثارات الحسين وذلك من لطف الله تعالى..
نور