قديم 21-10-13, 09:00 AM   #31

أميري حسين
عضو نشيط  






رايق

انتظار العوام، انتظار العلماء، انتظار العرفاء 25


ما هو تفسير بكاء الأئمة في فراق الإمام المهدي (عج) الذي لم يولد بعد، مع ملاحظة أنهم يتمتعون بمقام الإمامة أيضاً؟ أليس كذلك بأن الإمام سيطبّق بالكامل ذلك الدين الذي قام بتبليغه جميع الأنبياء والأوصياء وكانت بغيتهم تطبيقه وإذاقة الناس طعمه؟ أليس كذلك بأن الأنبياء كانوا يريدون أن يعرف الناس بأنّ هذا النهج الإلهي هو النهج الأمثل للحياة، والإمام سيُبيّن ذلك للناس عملياً والكلّ سيصدقّ به؟

ومن جانب آخر، فإنّ من الطرق الموصلة للاعتقاد بالدين هو الاعتقاد بالموعود والمجتمع المنشود. سيّما في هذا الزمان الذي عمدت المظاهر المادية المغرية في الحضارة الغربية بتهويل إلى أن تعرّف نفسها بأنها هي نفس ذلك المجتمع الموعود. ففي مثل هذه الظروف، يجب التصديّ لإظهار عيوب هذه الحضارة الغربية عبر بيان خصائص المجتمع المهدوي الذي يمثل حالتنا المنشودة، وذلك لإنقاذ الأفكار من الوقوع في فخ هذه الحضارة الزائفة ولهدايتهم إلى الحضارة الإسلامية الأصيلة.

فلو تُبيّنُ الحضارة المهدوية وخصائصها لأولئك المولعين والوالهين والخائبين في الوقت ذاته بالحضارة الغربية (الذي ولعوا بالمبادئ الإنسانية السارية في شعارات الحضارة الغربية وذاقوا كذلك الطعم المرّ لكذبها وزيفها)، سيُدركون محاسنها قبل الآخرين لا محالة، ويؤمنون بدين الإسلام بسبب هذه النهاية الحسنة أفضل وأسرع من غيرهم.



أثر توجه الطبقة المتوسطة في المجتمع الغربي إلى الموعود



إنّ الذين يؤمنون بدين الإسلام قد يتخذون هذا الدين لأسباب بسيطة. كما قيل أن معظم الزنوج في سجون أمريكا قد اعتقنوا الإسلام. فإنّ النزوع نحو دين الإسلام في أوج الشدة واليأس ومن أجل تسكين الروح لا قيمة له بذلك المعنى. في حين أننا لو استطعنا أن نهدي الطبقة المتوسطة في المجتمع الغربي إلى الموعود، تلك التي كانت قد علّقت آمالها على الشعارات ووصلت عملياً إلى بطلانها وهي مستعدّة لاستبدال الحضارة الغربية بفكر جديد، فقد زعزعنا أسس الحضارة الغربية في الرأي العام.

وفي هذا الطريق لا ينبغي أن ننتظر اقتناع بعض المثقفين المغتربين في الداخل ثم التصدي لتنوير الرأي العام في العالم؛ لأنّ من هو في معرض النور، وتجده قابعاً في الظلمة، فإنه قد لا يصل إلى النور إطلاقاً.



إشکالات في طريق الاعتقاد بالموعود (تحقق الوضع المنشود)

لابد من الاعتراف بأن الاعتقاد بتحقق الوضع المنشود مقرون بالصعوبات. فبغضّ النظر عن رفض غير المعتقدين الذين يستهزؤون بكل النداءات الإلهية الغيبية، هناك أناس متذرّعون مرتابون يتسبّبون دوماً إطالة الحوارات والنقاشات. فإنهم وإن يوجبون تنمية علمية كاذبة ويُنعشون سوق البحوث العلمية إنعاشاً ليس بالمفيد كما ينبغي، ولكنهم يبعّدون طريق الوصول إلى المقصد؛ ولو كان الرأي العام في متناول أيديهم لعمدوا وبكل وقاحة إلى زرع الشك والريب في قلوب الناس.

وبالإمكان الاستماع إلى آخر الاحتجاجات الصادرة عن أمثال هؤلاء الناس وصدّ آخر مقاومتهم من خلال استعراض الأدلة الكافية، ولكن لا عجب إن استمروا في رفضهم (لأنه لا يُتوقّع من المتذرّعين سوى ذلك) ولابد من الاكتفاء بإنقاذ الناس من إشاعتهم للشبهات. فإنّ التذرّع لعدم الإيمان بالوعود الإلهية، سنة سيئة في القلوب المريضة التي قد لا تستيقظ بتاتاً.



دراسة إشكالين اعتقاديين



ومن أجل إزالة الإشكالات الاعتقادية، لابد في البدء من تحجيم أرضيات التذرع؛ ولا يتيسّر ذلك إلا بتنمية المعرفة وبسطها. وفيما يلي نستعرض معاً بعض هذه الإشكالات ليمكننا اجتيازها بشكل أمثل:

الإشکال الأول: لو كان ذلك المجتمع الموعود ممكن التحقيق، فهل سيتحقق عبر الالتزام بكل المبادئ التي كان قد التزم بها الرسول الأكرم (ص) وأوصياؤه (ع)؟ المبادئ التي توصل استخدام القوة إلى الحد الأدنى والمرونة إلى الحد الأعلى؛ المبادئ التي تستلزم مراعاة الكرامة الإنسانية والتي يؤدي الالتزام بها إلى إتاحة الفرصة لاستغلال المنافقين وتأثير عناد الكافرين. (وبالطبع كلنا يعلم أن الالتزام بنفس هذه المبادئ هو الذي سبب أن يتعرض المعصومون (ع) للظلم، ولكنه آل في نهاية المطاف إلى اتضاح أحقيتهم؛ ومعلوم أيضاً أن الالتزام بنفس هذا المبادئ قد وهب للمجتمع المهدوي أهمية بالغة ولانتظاره قيمة متزايدة.)

ولو كان من المقرر أن يتحقق المجتمع المهدي عبر الالتزام بتلك المبادئ، ألا يكون الحق مظلوماً للمرة الثانية؟ ولو أننا نسمع بأن الإمام سيستخدم السيف لاستئصال شأفة أعداء الدين،[1] ألا يعتبر ذلك نقضاً لتلك المبادئ؟

قد لا يبدو هذا الإشكال وجوابه مهماً في الوهلة الأولى، غير أنّ أهمية هذه المسألة تظهر عندما نعرف أن البعض – كما جاء في الروايات – ينحرف ويتهم الإمام بالخشونة والقساوة لأنه لا يحمل تحليلاً صحيحاً عن سبب شدة الإمام في تعامله مع المنافقين.[2]

تكمن أهمية مثل هذه الأسئلة والأجوبة في أننا لو أدركنا زمن حضور الإمام وسمعنا بشدة الإمام في تعامله مع المنافقين، سنحمل تحليلا صحيحاً عن ذلك لئلا نقع في تلك الانحرافات ولا نتهم الإمام بالخشونة والعياذ بالله.

الإجابة على هذا السؤال، تميط اللثام عن إمكانية تحقق ثورة الإمام وحكومته ومراحل تشكيلها وإرساء قواعدها (وتُنمّي المعتقدات في هذا المجال)، وتكشف السر أيضاً عن مظلومية أولياء الله؛ السرّ الذي يلعب دوراً هاماً في فهم الدين بشكل صحيح، ومعرفته تحول دون تكرار هذه الظلامات.



يتبع إن شاء الله...



[1]. يقول الإمام الباقر (ع) حول الإمام الثاني عشر: «إِذَا قَامَ سَارَ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) إِلَّا أَنَّهُ يُبَيِّنُ آثَارَ مُحَمَّدٍ وَيَضَعُ السَّيْفَ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ هَرْجاً هَرْجاً حَتَّى رَضِيَ اللَّهُ.» الغیبة للنعماني، ص164. وقال في رواية أخرى: «سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (ص) ... وَأَمَّا مِنْ مُحَمَّدٍ (ص) فَالْقِيَامُ بِسِيرَتِهِ وَتَبْيِينُ آثَارِهِ ثُمَّ يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ فَلَا يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ اللَّهِ حَتَّى يَرْضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» کمال الدین وتمام النعمة، ج1، ص329.

وفي طريق العودة من حرب الجمل، أخذ أمير المؤمنين (ع) يتحدث عن الفتن في ضمن الإجابة على أسئلة الناس، حتى قال رجل آخر فقال: ثُمَّ مَا يَكُونُ بَعْدَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: «ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ الْفِتَنَ بِرَجُلٍ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ بِأَبِي ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ فَلَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ هَرْجاً هَرْجاً يَضَعُ السَّيْفَ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَدَّتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنِي مَقَاماً وَاحِداً قَدْرَ حَلْبِ شَاةٍ أَوْ جَزْرِ جَزُورٍ لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ بَعْضَ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَقُولُ قُرَيْشٌ لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا فَيُغْرِيهِ اللَّهُ بِبَنِي أُمَيَّةَ فَيَجْعَلُهُمْ مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.» الغارات، ج1، ص3. وكذلك نهج البلاغه، الخطبة 93؛ والغیبة للنعماني، ص229، ح11، مع اختلاف يسير.

[2]. راجع الروایات الواردة في الهامش ص ؟؟؟.

أميري حسين غير متصل  

قديم 20-11-13, 09:52 AM   #32

أميري حسين
عضو نشيط  






رايق

انتظار العوام، انتظار العلماء، انتظار العرفاء 26


وعلى سبيل المقدمة ولاتضاح السؤال أكثر، نقول بأن من الأسس المهمة في دين الإسلام هي مراعاة كرامة الإنسان، إلى درجة يمكن أولاً أن يترعرع المنافقون في المجتمع الديني، (وهم الذين يُبطنون الكفر ويُظهرون الإيمان والإسلام.) وأولياء الله بكرمهم يُغلقون أبواب التجسّس والإفشاء من خلال علم الغيب أو بعض المعلومات الطبيعية ويسترون عيوبهم عبر التعامل معهم إنسانياً. وثانياً تُتاح للمنافقين الفرصة بأن يصولون في المجتمع الديني ويُحبطون بعض تدابير أولياء الله. ويكتفي أولياء الله أيضاً في الأغلب بالإفشاء العام وتنمية البصيرة ولا يشيرون بأصابع الكلام إليهم مباشرة إلّا إذا كشف المنافقون الستار عن وجوههم الحقيقية أو تسببوا لأن تُهدِّد المجتمع الديني أخطارٌ جسيمة.
ومن الطبيعي في ظلّ هذا المنهج، أن ينحرف الضعاف من المؤمنين بواسطة المنافقين بسهولة، وأن يستولي اليأس واللبس على عامة الناس أيضاً متأثرين بهذه الأجواء السائدة.
وهناك أيضاً وجه آخر للاهتمام بكرامة الإنسان وهو المهلة التي يُمهلها الله لعامة الناس من أجل أن يميزوا الحق عن الباطل بفكرهم وطينتهم الطاهرة. فإن فرصة التفكير والتحليل التي يوفّرها الله للناس هي ضرب من ضروب تكريم الإنسان، وإن كان أولياء الله يحتملون أنواع المظلومية في هذا الطريق.

منهج القرآن: ذكر علامات المنافق

واحدة من مصاديق هذا الإمهال في مسألة مراعاة كرامة الإنسان في صدر الإسلام، هو عدم إفشاء أسماء المنافقين. فقد أشار القرآن الكريم إلى علامات المنافقين[1] ولم يذكر أسماءهم في مجتمع المدينة الصغير. إلّا أنّ المنافقين كانوا قلقين من أن يفضحهم الله عبر الوحي.[2]

اتباع النبي (ص) المنهج القرآني

وقد اتبع النبي الأكرم نفس هذا المنهج، فكان يشير إلى المصاديق بالتلميح على وجه العموم وبالتصريح على وجه الخصوص. ومن الأمثلة البارزة لهذا الأسلوب في التعامل هو قضية اغتيال النبي (ص) الفاشل عند عودته من غزوة تبوك:
في طريق العودة من غزوة تبوك، تآمر جمع من المنافقين على اغتيال النبي (ص) وذلك بإسقاطه من أعلى الجبل. فأخبر جبرئيل الأمين النبي (ص) بهذه المؤامرة. فوضع رجلين من أصحابه حماية له، وأحبطوا مؤامرة المنافقين وعرفوا المتآمرين بأجمعهم حيث كانوا من وجوه المدينة، وأرادوا مجازاتهم على صنيعهم هذا فمنعم النبي من ذلك ولم يسمح لهم بذكر أسمائهم.[3]
فواصل هؤلاء المنافقون مسيرتهم وبقيت لهم مكانتهم المرموقة في المجتمع الإسلامي المدني، ودبّروا خططاً أخرى وطبقوا بعض مؤامراتهم واكتسبوا نجاحاً ملحوظاً في النيل من الحق. وهذا ما هو مشهود في عهد أمير المؤمنين (ع) أيضاً ولابد من التعرض لذلك في البحث عن سيرته السياسية.
والسؤال المهم هنا هو أنّ من يريد أن يحكم بهذه الطريقة، وأن يراعي كرامة الناس إلى هذا المستوى، فهل ستستمر حكومته؟ ولو أن الإمام المهدي (عج) سينتهج نهج النبي (ص) في حكومته، فهل هو أمر ممكن التحقق؟ وهل ستدوم حكومته؟

النفاق أحد العوارض الطبیعیة لسيادة القيم في المجتمع

والمسألة المهمة التي يجدر الاهتمام بها إضافة إلى ما ذُكر، هي أنّ النفاق يعتبر من بدايات العوارض الطبيعية لسيادة القِيم في المجتمع. فإنّ المبادئ والقيم إذا سادت في مجتمع ما، سواء كانت سيادة ثقافية (شيوع القيم في المجتمع) أو حكوميه، ستؤول بالتالي إلى ظهور النفاق.
لأنّ من لا يؤمن بقيم المجتمع، ينساق إلى التظاهر والنفاق من أجل الحفاظ على موقعه ومكانته الاجتماعية. ورغم أنه يرفض المبادئ، يظهر بمظهر إنسان مبدئي مدافع عن القيم والمبادئ. أو أنه يساير المبادئ ظاهرياً على أقل تقدير، ولكن من الواضح أنه لا يستطيع مواصلة الطريق. فيبدأ بالتذرّع وتوجيه الضربات الخفية. علماً بأن للنفاق أقسام وحدّ أدنى وأعلى ولابد من التعرض لذلك في محله، ولكن على أيّ حال فإن النفاق ظاهرة مشؤومة يبتلي بها كل مجتمع مبدئي بصورة طبيعية.

في المجتمع المبدئي المهدوي، كيف تُقتلع جذور النفاق؟

والإمام المهدي (عج) الذي سيؤسّس مجتمعاً مبدئياً دينياً على صعيد العالم، من الطبيعي أن يكون العارض الأول لهذا المجتمع هو النفاق. ومن جانب آخر فإن الإمام سيقوم باجتثاث النفاق في نفس هذه الحكومة الدينية، كما نقرأ في دعاء الندبة: «أَیْنَ هَادِمُ أَبْنِیَةِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاق؟»[4]، ونقرأ أيضاً في ليالي شهر رمضان: «اَللّهُمَّ اِنَّا نَرْغَبُ إِلَیك في‏ دَوْلَةٍ کریمَةٍ تُعِزُّ بِهَا الْأِسْلامَ وَأَهْلَهُ وَتُذِلُّ بِهَا النِّفاقَ وَأَهْلَهُ.»[5]
فإن كان نهج وسيرة أولياء الله في التعامل مع النفاق، هو عدم إفشاء سرّ المنافق وفضحه، ففي هذا الحالة كيف سيتم «اجتثاث» أساس النفاق؟ كيف يُذَلّ النفاق؟ كيف يمكن تحقيق هذه المسألة إلى جانب الحفاظ على كرامة الإنسان؟

صفات المؤمنين، سبب لعدم افتضاح المنافقين

بالإضافة إلى أنّ المؤمنين الحقيقيين في المجتمع الديني، يتحلّون بصفات يؤدي بعضها إلى خفاء وعدم اكتشاف ضروب من النفاق. وعلى سبيل المثال، إذا كان المؤمن لا يبحث عن مقام وجاه وشهرة وسمعة إلّا إذا اضطّر لتقبل المسؤولية أداءً للتكليف، سيقوى احتمال وقوع المناصب بيد الشخص الحريص. وإن كان المؤمن يغضّ الطرف عن أخطاء الآخرين أو حتى يتبنّى أخطاءهم، سيتوفّر احتمال تأخّر افتضاح أهل النفاق المحيطين به. وإذا كان المؤمن مخلصاً يعمل لوجه الله ولا يريد أن تُكتب باسمه إنجازاته الحسنة، فلربّما تُسجّل خدماته باسم غيره. وإن كان المؤمن حَيِيّاً ولا يتصيّد أخطاء الآخرين، فمن الواضح في ظلّ مكارم أخلاقه أن تُتاح الفرصة لظهور مكائد المنافقين.

يتبع إن شاء الله...

[1]. تعرض القرآن الکریم في سورة المنافقون والآية 49 - 74 من سورة التوبة، لبیان علامات المنافقين.
[2]. ﴿یَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَیْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فی‏ قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ.﴾سورة التوبة، الآیة 64.
[3]. المیزان، ج9، ص325 - 349، في ذیل الآية 64 - 74 من التوبة. تعرض العلامة الطباطبائي في ذیل هذه الآيات إلى بحث تفسيري وروائي مبسوط. وفيما يلي نشير إلى ما استخلصه العلامة من هذه الآيات قائلاً: «فيتلخص من الآيات أن جماعة ممن خرج مع النبي (ص) تواطؤوا على أن يمكروا بالنبي (ص)، وأسروا عند ذلك فيما بينهم بكلمات كفروا بها بعد إسلامهم ثم هموا أن يفعلوا ما اتفقوا عليه بفتك أو نحوه فأبطل الله كيدهم وفضحهم وكشف عنه...»
[4]. مفاتیح الجنان، دعاء الندبة. وأيضاً إقبال الأعمال للسید بن طاووس، ص297.
[5]. مقطع من دعاء الافتتاح الوارد عن الإمام الكاظم (ع) الذي يُقرؤ في ليالي شهر رمضان المبارك، تهذیب الأحکام، ج3، ص110. وكذلك جزء من خطبة الجمعة الواردة عن الإمام الباقر (ع)، الکافي، ج3، ص424.

أميري حسين غير متصل  

قديم 21-11-13, 10:13 AM   #33

أميري حسين
عضو نشيط  






رايق

انتظار العوام، انتظار العلماء، انتظار العرفاء 27


في مثل هذه الظروف، كيف ستدوم حكومة الإمام المهدي (عج)؟ وإن كانت الفرصة مؤاتية لصولة المنافقين، ومن الممكن أن يجتمع عدد من المنافقين الانتهازيين لهدم كل الجهود. فهل يمكن تحقق المجتمع المهدوي رغم هذه المشاكل؟ وكيف يمكن أن لا ينمو النفاق في عهد الإمام بل يُذلّ أيضاً مع حفظ كرامة الإنسان؟
الجواب هو أن «الالتزام برعاية الكرامة الإنسانية» كان وسيكون واحداً من خصائص الأئمة المعصومين (ع). غير أن افتضاح النفاق وذلته سيتحقق إثر أدلة أخرى. فبصيرة الناس من جانب، وكثرة الخواص الصالحين من جانب آخر، بالإضافة إلى شدة الإمام في التعامل مع الخواص الصالحين المحيطين به والذين هم من ولاته، توجب ذلة المنافقين وافتضاحهم.
إذا تم التعامل مع الولاة بشدة، لا يلجأ أحد للنفاق طمعاً للوصول إلى المقام. وإذا كثُر عدد الخواص الصالحين، لا يستطيع الخواص الطالحون أن يضغطوا على وليّ الأمر للوصول إلى مآربهم. وإذا كان الناس من أهل البصائر، سيفتضح أدنى ما يقوم به شخص من تصرّف نفاقيّ، ولا حاجة عندئذ لاكتشاف النفاق إلى إفشاء أسمائهم من قبل الإمام. وعند ذلك لا يسوغ الترحّم على المنافقين؛ لأنهم من جانب كانت لديهم الفرصة الكافية لاختيار الطريق الصحيح، ومن جانب آخر، يحق للناس الذين تحلّوا بالبصيرة وعرفوا المنافقين أن يعيشوا بسلام واستقرار عبر القضاء عليهم. فقد حُفظت كرامة المنافقين لأن الفرصة كانت متوفرة لديهم وهم الذين فضحوا أنفسهم، ولوحظت كرامة عامة الناس أيضاً لأنهم هم الذين اتّصفوا بالبصيرة وفضحوا المنافقين.

في زمن الظهور، تتهيأ الأرضية لمواجهة المنافقين

فلو شاهدنا أن الإمام يعمل في الظاهر على خلاف سيرة آبائه الطاهرين، فليس دليله بأن تلك الأسس قد ارتفعت، بل لأن الأرضية قد تهيأت لتطبيق أسس أخرى؛[1] ومن أهم تلك الأسس، هي تطبيق حكم الله بشأن المنافقين حيث قال: ﴿یا أَیُّهَا النَّبِیُّ جاهِدِ الْکُفَّارَ وَالْمُنافِقینَ وَاغْلُظْ عَلَیْهِمْ!﴾[2] ، ولو أن الجهاد مع المنافقين والغلظة عليهم قلّما نشهدها في صدر الإسلام، فإن ذلك ناجم من قلبة البصيرة عند الناس وقلة الخواص العارفين.[3] وهذان العاملان يمثلان جزءاً من أسرار وأسباب مظلومية أولياء الله.
الإشکال الثاني: أساساً لا يتحقق الوضع المنشود بالكامل في ظل حكومة الموعود إلّا إذا انتهج الناس كلهم النهج الإلهي. بيد أنّ التجربة التاريخية لحياة البشر تكشف بأن أكثر الناس لا يخضعون للأوامر الإلهية. فيكيف أنهم سيتبعون الحق بعد ظهور الإمام بصورة شاملة وثابتة، ويعبّدون الطريق لاستقرار الحكومة الموعودة واستدامتها؟ هل ستتغير ذائقة الناس تغييراً غريزياً خاصاً، أم أنّ الخوف من حاكمية الدين تسلب منهم التجرؤ على المعصية؟ وبعبارة أخرى، هل ستسلب قدرة التفكير ضد الحق، أم سترتفع أرضية الحديث عن الآراء الباطلة من الأساس؟
يكمن الجواب عن هذه الأسئلة في سرّ حاكمية الحق. ولعل أهم سرّ لحاكمية الولاية الإلهية المطلقة هو أن المكر والجور سينقضي أمدهما في ظلّ هذه الحكومة سيما إذا وصلت إلى ذروة اقتدارها، وانقضاء فترة الطغيان وتحرّر الناس من أسر الطواغيب يوجب تعبيد الطريق لهدايتهم. وفي مثل هذه الأوضاع، سيتقبّل أكثر الناس الحق عقلاً وقلباً وبصورة طبيعية جداً وسيتخذون تلقائياً موقفاً صحيحاً تجاه الدين؛ ذلك الموقف الذي تقتضيه الفطرة ويؤكّد عليه الأنبياء.

حاکمیة الطاغوت، سبب أکثر الانحرافات

على أساس هذا التحليل، فإنّ سبب أكثر الانحرافات والمزلات في الوقت الحاضر، هو عدم حاكمية الحق وبتعبير أدق، حاكمية الطاغوات. وقد صرّح القرآن بذلك معتبراً بأن الطاغوت أشدّ وقعاً على الناس من الكفر حيث قال: ﴿وَالَّذینَ کَفَرُوا أَوْلِیاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ یُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَی الظُّلُماتِ.﴾[4]
وإذا ما نظرنا اليوم إلى ساحة الفكر والعلم، لوجدنا بوضوح أنّ العلم لم يسلك طريقه الطبيعي، وأنّ هذه الأفكار الباطلة لم تتبلور إثر التفكير البشري. ولو أمعنّا النظر، لوجدنا أنّ الأفكار اللاإنسانية واللادينية هي إما وليدة هيمنة الطواغيت الفاسدين والمفسدين أو نتيجة غير مباشرة للفساد والظلم الذي أحلّوه بالمجتمعات البشرية. وغالباً ما نجد العلم والفكر على مرّ التاريخ رازحاً تحت سيطرة الجائرين وعبّاد الأموال، وكلّما اقتضت الظروف، استخدموا العلم وسيلة لتحقيق مطامعهم والوصول إلى مآربهم.

الحرية الكاملة تحت ظل حاكمية الولاية

وعندما يصل الناس إلى الحرية الكاملة على أثر حاكمية الولاية، وتوضع عن أفكارهم الأغلال والسلاسل،[5] يتفكرون ويتحدثون بشكل صحيح. وفي هذه الصورة تقترب المسافة من شمس الحقيقة ويغطّي النور الخافقين. ولا تبقى إلّا الخفافيش الميّالة إلى الظلمة التي انتهجت سوء التفكير لمرض في قلبها. فهم حينما لا يجدون موقعاً لهم في أوساط أهل البصائر، سيختمون على أفواههم الثرثارة ولا يبقى مجال لمهاتراتهم التي لا طائل من ورائها في المجتمع.
ولابد أن يعنى بهذه المسألة كل من ينزع إلى الأدب والثقافة طلباً للراحة؛ وهي أنه لا يمكن هداية الخلق من دون السعي لإقامة حكومة الحق؛ ولا يمكن بسط المعرفة والمعنوية من دون إمساك زمام الحكم. فإن دائرة تأثير أي جهد لهداية الناس في عهد حكومة الطاغوت محدودة للغاية.

يتبع إن شاء الله...

[1].عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: «قُلْتُ لَهُ: صَالِحٌ مِنَ الصَّالِحِينَ سَمِّهِ لِي - أُرِيدُ الْقَائِمَ (ع) - فَقَالَ: اسْمُهُ اسْمِي. قُلْتُ: أَيَسِيرُ بِسِيرَةِ مُحَمَّدٍ (ص)؟ قَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا زُرَارَةُ. مَا يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ. قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لِمَ؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) سَارَ فِي أُمَّتِهِ بِاللِّينِ [بِالمِنًّةِ]، كَانَ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ، وَالْقَائِمُ (ع) يَسِيرُ بِالْقَتْلِ، بِذَلِكَ أُمِرَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي مَعَهُ، أَنْ يَسِيرَ بِالْقَتْلِ وَلَا يَسْتَتِيبَ أَحَداً، وَيْلٌ لِمَنْ نَاوَاهُ.» الغیبة النعماني، ص231.
وعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ: «لَسِيرَةُ عَلِيٍّ (ع) فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَانَتْ خَيْراً لِشِيعَتِهِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. إِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ لِلْقَوْمِ دَوْلَةً فَلَوْ سَبَاهُمْ لَسُبِيَتْ شِيعَتُهُ. قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْقَائِمِ (ع) يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ عَلِيّاً (ع) سَارَ فِيهِمْ بِالْمَنِّ لِلْعِلْمِ مِنْ دَوْلَتِهِمْ، وَإِنَّ الْقَائِمَ عَجَّلَ اللَّهُ فَرَجَهُ يَسِيرُ فِيهِمْ بِخِلَافِ تِلْكَ السِّيرَةِ، لِأَنَّهُ لَا دَوْلَةَ لَهُمْ.» الکافي، ج5، ص33.
وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُون‏ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) جَالِساً فَسَأَلَهُ مُعَلَّى بْنُ خُنَيْسٍ: أَ يَسِيرُ الْقَائِمُ (ع) بِخِلَافِ سِيرَةِ عَلِيٍّ (ع)؟ قَالَ: «نَعَمْ وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيّاً سَارَ بِالْمَنِّ وَالْكَفِّ، لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ شِيعَتَهُ سَيُظْهَرُ عَلَيْهِمْ [مِنْ بَعْدِهِ] وَإِنَّ الْقَائِمَ إِذَا قَامَ، سَارَ فِيهِمْ بِالسَّيْفِ وَالسَّبْيِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ شِيعَتَهُ لَمْ يُظْهَرْ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً.» تهذیب الأحکام، ج6، ص154؛ الغیبة للنعماني، ص232.
علماً بأن بعض الروايات تشير إلى أن الإمام يعمل على سيرة رسول الله (ص) أو أمير المؤمنين (ع) في موضوع معين. (كالأحاديث الواردة في الهامش ص ؟؟؟) وبأدنى تأمّل يتضح أن لا تعارض بين هاتين الطائفتين من الروايات ويمكن الجمع بينهما. فإن الإمام (ع) يسير في بعض المسائل على سيرة النبي (ص) ويخالفه في البعض الآخر لتوافر أرضية تطبيق بعض الأحكام والأسس التي لم تكن متوافرة آنذاك. والروايات الواردة في الهامش ص ؟؟؟، قد تؤيّد هذا الرأي.
[2].سورة التوبة، الآیة 73.
[3].فعلى سبيل المثال، قال رسول الله (ص) في سبب عدم مجازاة المتآمرين على قتله: «أَکْرَهُ أَنْ یَتَحَدَّثَ النَّاسُ وَیَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ وَضَعَ یَدَهُ فِي أَصْحَابِهِ.» وذلك لفقدان البصيرة عند الناس. إعلام الوری، ص123. وأمير المؤمنين أيضاً لم يتعامل بشدة مع المنافقين حفظاً لشيعته، وأما في زمن ظهور الإمام الحجة (عج)، فسيتم التعامل مع المنافقين كالفكار، فعن الإمام الباقر (ع): «ثُمَّ یَدْخُلُ الْکُوفَةَ فَیَقْتُلُ بِهَا کُلَّ مُنَافِقٍ مُرْتَاب.» الإرشاد للمفید،ج2،ص384. وعن الإمام الصادق (ع): «لَا یَقْتُلُ أَحَداً مِنْهُمْ إِلَّا کَافِرٌ أَوْ مُنَافِقٌ.» بحار الأنوار، ج52، ص386.
[4].سورة البقره، الآیة 257.
في خصوص معنى الآية، أشكل البعض بأن الكافر كيف يكون له نور أو أنه في نور حتى يُخرجه الطاغوت من النور إلى الظلمة. يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، في ذيل هذه الآية: «... لكن يمكن أن يقال: إن الإنسان بحسب خلقته على نور الفطرة، هو نور إجمالي يقبل التفصيل، وأما بالنسبة إلى المعارف الحقة والأعمال الصالحة تفصيلاً فهو في ظلمة بعد لعدم تبين أمره، والنور والظلمة بهذا المعنى لا يتنافيان ولا يمتنع اجتماعهما، والمؤمن بإيمانه يخرج من هذه الظلمة إلى نور المعارف والطاعات تفصيلاً، والكافر بكفره يخرج من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والمعاصي التفصيلية.» الميزان، ج‏2، ص364.
ويقول آية الله الشيخ مكارم الشيرازي: «يمكن أن يقال أنّ الكفّار ليس لهم نور فيخرجوا منه، ولكن مع الالتفات إلى أنّ نور الإيمان موجود في فطرتهم دائما فينطبق عليه هذا التعبير انطباقاً كاملاً.» الأمثل، ج2، ص266.
ويقول آية الله الشيخ جوادي الآملي في تفسير هذه الآية: «ثمرة التمسّك بالعروة الوثقى، هي الإيمان الأمثل والنور، ونتيجة تقبل ولاية الطاغوت، هي ازدياد الكفر والظلمة. فإنّ الله يتولّى المؤمنين ويدفع أو يرفع عنهم الظلمة؛ أما الطاغوت الذي هو عدوّ للمؤمن والكافر، فهو يُلقي درس الطغيان ويرفع بذلك نور الفطرة ويدسّ الكافر في الظلمة.» تفسیر تسنیم، ج12، ص194.
[5].﴿يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتي‏ كانَتْ عَلَيْهِمْ.﴾ سورة الأعراف، الآیة 157.

أميري حسين غير متصل  

 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
المنتدى يستخدم برنامج الفريق الأمني للحماية
مدونة نضال التقنية نسخ أحتياطي يومي للمنتدى TESTED DAILY فحص يومي ضد الإختراق المنتدى الرسمي لسيارة Cx-9
.:: جميع الحقوق محفوظة 2013م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 04:18 PM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.7 PL2
Copyright © 2013-1434 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited