قديم 20-02-07, 08:42 PM   #1

همس المشاعر
شوق طفله

 
الصورة الرمزية همس المشاعر  







مبسوطه

صلاة الليل فلسفتها ومعطياتها


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.*
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاءً بماكانوا يعملون﴾[1] صدق الله العلي العظيم.
حديثنا عن صلاة الليل يدور حول محورين:
المحور الأول:الفلسفة الرئيسية لصلاة الليل.
المحور الثاني:معطيات صلاة الليل.

۞فلسفة صلاة الليل
أما بالنسبة للمحور الأول؛ فربما يبدو لنا –والله أعلم بحقائق الأمور - أن الفلسفة الرئيسية لصلاة الليل ترتبط- بنوع من الارتباط- بالفلسفة الرئيسية لخلقة الإنسان.
فياترى لماذا خلقنا الله سبحانه وتعالى؟ ثمة آية قرآنية كريمة تجيب على هذا السؤال بوضوح، وهي قوله تعالى: ﴿وماخلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون﴾[2]
إن هذه الجملة القرآنية؛ ووفقاً للاصطلاح الأدبي يقال لها: جملة حصر، وجملة الحصر في اللغة تنحلّ إلى عقدين: عقد إيجابي، وعقد سلبي، فالعقد الإيجابي لهذه الجملة أن الله خلق الجن والإنس للعبادة، أما العقد السلبي فهو أن خلق الجن والإنس لم يكن لأي هدف آخر غير العبادة.
وبناء على ذلك؛ فإن أي تصرّف يصدر عنا - نحن البشر – خارج إطار العبادة، فهو خارج عن إطار الهدف من خلقتنا، تماماً كذاك الطالب الذي يدخل قاعة الامتحان ليمتحن، فما يصدر عنه من التصرفات لايمكن عدّها جزءاً من فلسفة وجوده في القاعة، إلاّ أن تكون متعلّقة بشكل من الأشكال بالهدف من دخوله القاعة، وهو الامتحان.
فتناولنا الطعام نحن البشر لا يصحّ عدّه هدفاً لوجودنا في الحياة، إلا إذا ربطناه بحقيقة الهدف من خلقتنا، وهي العبادة، وإن لم نجعله كذلك فهو لا يعدو كونه تضييعاً للحكمة من وجودنا، تماماً كمن يهاجر إلى بلاد الغربة للدراسة فيضيع وقته في الاكل والشرب والنوم واللعب، وحينما يعود إلى وطنه يعتريه الندم على ما فرّط في تلك البلاد...وهكذا بالنسبة الى سائر الأمور
إذن؛ فالهدف من الخلقة هو العبادة، وليس الهدف أي شيء آخر.
هنالك من يقول إن العبادة ممارسة تختصّ بالشيوخ والعجائز، ولكن: اذا كان الأمر كذلك فلماذا وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على أطراف أصابعه يعبد ربه حتى تورّمت قدماه؟[3]
ولماذا اقتدت الصديقة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها بأبيها في ذلك؟[4]
ولماذا حجّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ماشياً خمساً وعشرين مرة؟[5]
وما هو السر وراء قول الإمام الحسين عليه السلام لأخيه أبي الفضل العباس عليه السلام في ليلة عاشوراء: اذهب إلى هؤلاء القوم – الجيش الأموي - واستمهلهم؛ لعلنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه والدعاء والاستغفار[6]، وقد بات أصحاب الإمام الحسين عليه السلام في ليلة عاشوراء ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد؟ [7]
أما الإمام موسى الكاظم عليه السلام فقد كان يقول في سجن هارون العباسي: «اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك اللهم وقد فعلتَ، فلك الحمد»[8] وكانت له عليه السلام سجدة من بعد طلوع الشمس حتى الظهر[9]، الى غير ذلك مما نقلته النصوص التاريخية عن عبادة الأنبياء والأئمة والصالحين صلوات الله عليهم أجمعين.
نعم! هناك عبادة بالمعنى الأعم، فكل شيء ينتهي إلى الله تعالى، فهو عبادة ، ولكن ما سردناه من عبادة الأئمة عليهم السلام وجدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله يدلّ على أن هناك أيضاً عبادة بالمعنى الأخص، وقد كان لها موقع مهمّ في حياتهم (صلوات الله عليهم).
فلا يصحّ؛ والحال هذه أن يفكّر أحدٌ منا أن العبادة بالمعنى الأعمّ تغني عن العبادة بالمعنى الأخصّ، فان ذلك يتناقض وسيرة أهل البيت عليهم السلام، كما تقدم.

۞صلاة الليل عبادة متميّزة
لاشك أن صلاة الليل تمثّل مظهراً متميزاً من مظاهر العبادة بالمعنى الأخص وهذا – فيما يبدو – هو الفلسفة الرئيسية لصلاة الليل؛ ولذلك نجد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما يُسأل عن العبودية يقول: العبودية خمسة أشياء؛ وعدّ منها قيام الليل[10].
۞معطيات صلاة الليل
قبل أن نبيّن بعض معطيات صلاة الليل نشير إلى قضية الارتباط والعلاقة بين الأشياء، إذ قد ذكرت في الروايات الشريفة، ارتباطات بين الاشياء ربما تبدو غير مفهومة للكثيرين[11] فكيف نوجّه هذه الارتباطات؟
يمكن ذكر توجيهين في هذا الصدد:
التوجيه الأول: أن هذه الروايات تعبّر عن وجود علاقات حقيقية تكوينية عقلية بين الأشياء، ولكنها علاقات خفيّة لم يكشف الغطاء عنها حتى الآن، ولعل العلم سيتوصّل إليها بعد حين، لاسيما وأننا نعرف بأن آفاق العلم في توسّع مستمر، وقد ورد في الأثر أن عهد الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سيشهد تكاملاً علمياً هو الأسمى على مرّ التاريخ.
التوجيه الثاني: أننا – كبشر - مقيّدون بنظام الارتباطات، فإذا أردنا تدفئة الغرفة مثلاً، لزمنا إشعال الموقد، تبعاً لنظام العلية والمعلولية، غير أن خالق هذا النظام ليس مقيّداً أو محكوماً به؛ فهو فوق هذا النظام، وإرادته هي الحاكمة عليه، ويشهد لما ذكرناه ما يصدر من بعض الأشخاص من الخوارق كما عرف عن الشيخ النخودكي – في مدينة مشهد –في قضايا كثيرة ومضمون أحدها: أن أحدهم قصده ليسأله علاجاً لزوجته المريضة في طهران، فأعطاه شيئاً من الطعام وأمره بتناوله، مما أثار تعجبه لكونه زوج المريضة وليس هو المريض، فأمره الشيخ بتناوله، وحينما عاد إلى زوجته وجدها قد شفيت.
من هذه القضية وأمثالها قد نفهم عدم لزوم وجود ارتباط تكويني بين الأشياء، اذ من الممكن أن يخلق الله تعالى النتائج بعد حصول بعض المقدمات وإن لم يكن بينها علاقة تكوينية أصلاً، وهذا بحث طويل نتركه الى محلّه.
وعلى كل حال فليس من الصحيح إنكار الارتباطات المذكورة في الروايات الشريفة بين بعض الأمور وبعضها الآخر لمجرد الجهل بحقيقة الارتباط القائم فيما بينها.
أما معطيات صلاة الليل فهي:[12]
أولاً: إن صلاة الليل تثبت النور في قلب العبد النور، وقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال: «إن العبد إذا تخلّى بسيّده في جوف الليل المظلم وناجاه، أثبت الله النور في قلبه»[13]
ثانياً: إن صلاة الليل تورث الشرف. ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: «شرف المؤمن صلاته بالليل»[14].
ثالثاً: إن صلاة الليل تستوجب رضوان الله سبحانه وتعالى، وهو أكبر ما يمكن أن يناله المؤمن، وقد قرن الإمام الرضا عليه السلام بين صلاة الليل ورضا الله تعالى، فقال: «قيام الليل رضا الرب»[15].
رابعاً: إن صلاة الليل تورث صحة البدن، ففي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: «قيام الليل مصحّة للبدن»[16].
خامساً: حسن الوجه، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «من كثرت صلاته في الليل، حسُن وجهه بالنهار»[17].
وقال صلى الله عليه وآله: «ألا ترون أن المصلّين بالليل هم أحسن الناس وجوهاً؟ لأنهم خَلَوا بالليل لله فكساهم الله من نوره»[18].
سادساً: إن من يصلي صلاة الليل يُكتب من الذاكرين، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا أيقظ الرجل أهله من الليل وتوضآ وصلّيا، كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات»[19].
سابعاً: غفران الذنوب، حيث جاء في الحديث النبوي الشريف: «يقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي قد تخلّى بي في جوف الليل المظلم والباطلون لاهون والغافلون نيام، اشهدوا أني غفرت له»[20].
ثامناً: مباهاة الله، وبهذا الصدد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا قام العبد من لذيذ مضجعه والنعاس في عينيه ليرضي ربّه جلّ وعزّ بصلاة ليله، باهى الله تعالى به ملائكته فقال: أما ترون عبدي هذا قد قام من لذيذ مضجعه إلى صلاة لم أفرضها عليه، اشهدوا أني قد غفرت له»[21].
تاسعاً: أنها تورث بياض الوجه، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «صلاة الليل تبيّض الوجه»[22].
عاشراً: إن صلاة الليل تطيّب الريح، فقد قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «صلاة الليل تطيب الريح»[23]، الظاهر أن المقصود الرائحة المادية، أما العلاقة فيما بين الأمرين فقد يكشفها التطوّر العلمي بعد حين.
الحادي عشر: أنها تجلب الرزق، فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام قوله: «إن الرجل ليكذب الكذب فيحرم بها رزقه، قيل: وكيف يحرم رزقه؟ قال: يحرم بها صلاة الليل فإذا حرم صلاة الليل حرم الرزق»[24].
وعنه عليه السلام أيضاً أنه قال في ضمن حديث: «.. ووُسّع عليه في معيشته»[25].
كما روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال إنها «بركة في الرزق»[26].
الثاني عشر: حسن الخلق، وهذا ما ذكره الإمام الصادق عليه السلام، فقال: «صلاة الليل تحسن الوجه وتحسن الخلق...»[27].
ولعل من أسباب ذلك أن صلاة الليل تدفع المصلي إلى الخروج من العالم الضيق الذي نعيش فيه لينطلق ويعيش معادلات اخرى واسعة، فيكون كذاك الشاب الذي نقل عنه أنه خطب إبنة الملك، فاشترطت عليه أن يصلّي صلاة الليل أربعين ليلة، وبعد تمام الأربعين بعثت إليه تسأله عن السرّ وراء عدم تقدّمه لخطبتها، فأجاب أنه عشق ابنة الملك حينما كان قلبه فارغاً، ولكنه الآن – بعد صلاة الليل - قد امتلأ قلبه بحبّ آخر.
فحينما يحلّق الإنسان في تلك العوالم، فإن نمط تفكيره وأسلوب كلامه وطريقة عيشه وتعامله مع الآخرين تتغير دون شك.
إن من يفكّر في رضوان الله تعالى وفي الآخرة وفي الجنة والنار سوف لا يظلم أحداً ولا يتكبّر على أحد، بل سيتحوّل إلى وليّ من أولياء الله الذين هم أكثر الناس تواضعاً، وسوف يترفع على المعادلات المادية الحقيرة.
الثالث عشر: قضاء الدين، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال عن صلاة الليل بأنها تقضي الدين[28].
الرابع عشر: إزالة الهم، فعن الصادق عليه السلام: «وتذهب بالهم»[29].
فإذا تعالى المرء عن تفاهات الدنيا وعاش ضمن معادلات الآخرة، زالت همومه الدنيوية.
الخامس عشر: جلاء البصر، كما ذكر ذلك الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: «تجلو البصر»[30].
السادس عشر: إن صلاة الليل تجعل البيت بيتاً نورانياً، فقد روي عن الصادق عليه السلام «أن البيوت التي يصلَّى فيها بالليل بتلاوة القرآن – ولعل الباء (في قوله عليه السلام بتلاوة القرآن) هي باء المعية- تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض»[31].
السابع عشر: أنها سبب حبّ الملائكة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «صلاة الليل مرضاة الرب وحب الملائكة»[32].
الثامن عشر: انها سبب «نور المعرفة»[33].
التاسع عشر: انها سبب «راحة الأبدان»[34].
العشرون: انها عبادة يكرهها الشيطان ففي الحديث الشريف «..وكراهية الشيطان»[35].
الحادي والعشرون: أنها «سلاح على الأعداء»[36].
الثاني والعشرون: أنها سبب «إجابة الدعاء»[37].
الثالث والعشرون: أنها سبب «قبول الأعمال»[38].
الرابع والعشرون: انها سبب إطالة العمر، إذ قال الإمام الرضا عليه السلام في حديث ذي تفاصيل: «ومدّ له في عمره»[39].
الخامس والعشرون: أنها تعطي الهيبة لمن يؤدّيها، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وضع الله تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع... والهيبة في قيام الليل»[40].
وهناك حوالي خمس وعشرين فائدة أخرى لصلاة الليل مذكورة في الكتب المفصلة .

المصدر:
http://www.alshirazi.com/roaa/signs/r_shirazi/17.htm
__________________

همس المشاعر غير متصل  

 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سبب جمعنا للصلوات نور الحوراء ركن سين جيم العقائدي 3 20-05-02 08:55 PM
فضائل صلاة الليل العنيد منتدى الثقافة الإسلامية 4 04-05-02 07:32 PM

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
المنتدى يستخدم برنامج الفريق الأمني للحماية
مدونة نضال التقنية نسخ أحتياطي يومي للمنتدى TESTED DAILY فحص يومي ضد الإختراق المنتدى الرسمي لسيارة Cx-9
.:: جميع الحقوق محفوظة 2019م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 04:09 AM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.11
Copyright © 2013-2019 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited