قديم 06-02-03, 08:16 PM   #1

الصقرالأشقر
عضو نشيط

 
الصورة الرمزية الصقرالأشقر  






رايق

الامام محمد الجواد عليه السلام


الله اكبر شعاري .

من أروع صور الفكر والعلم في الإسلام الإمام أبو جعفر الثاني محمد الجواد (عليه السلام) الذي حوى فضائل الدنيا ومكارمها، وفجر ينابيع الحكمة والعلم في الأرض، فكان المعلّم والرائد للنهضة العلمية، والثقافية في عصره، وقد أقبل عليه العلماء والفقهاء، ورواة الحديث، وطلبة الحكمة والمعارف، وهم ينتهلون من نمير علومه وآدابه.

لقد كان هذا الإمام العظيم أحد المؤسسين لفقه أهل البيت (عليهم السلام) الذي يمثل الإبداع والأصالة وتطور الفكر.

ودلّل الإمام أبو جعفر الجواد (عليه السلام) بمواهبه وعبقرياته، وملكاته العلمية الهائلة التي لا تُحدّ على الواقع المشرق الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية من أن الإمام لابد أن يكون أعلم أهل زمانه وأفضلهم من دون فرق بين أن يكون صغيراً أو كبيراً، فإن الله أمدّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالعلم والحكمة وفصل الخطاب كما أمدَّ أُولي العزم من أنبيائه ورسله.

لقد برهن الإمام الجواد (عليه السلام) على ذلك فقد تقلّد الإمامة والزعامة الدينية بعد وفاة أبيه الإمام الرضا (عليه السلام) وكان عمره الشريف لا يتجاوز السبع سنين، إلا أن الإمام الجواد (عليه السلام) وهو بهذا السنّ قد خرق العادة.

وعاش الإمام محمد الجواد (عليه السلام) في تلك الفترة من حياته متجهاً صوب العلم فرفع مناره، وأرسى أصوله وقواعده، فأستغل مدّة حياته في التدريس ونشر المعارف والآداب الإسلامية وقد احتفّ به جمهور كبير من العلماء والرواة وهم يأخذون منه العلوم الإسلامية من علم الكلام والفلسفة، وعلم الفقه، والتفسير.

وأحيط الإمام محمد الجواد (عليه السلام) بهالة من الحفاوة والتكريم، وقابلته جميع الأوساط بمزيد من الإكبار والتعظيم، فكانت ترى في شخصّيته امتداداً ذاتياً لآبائه العظام الذين حملوا مشعل الهداية والخير إلى الناس، إلا أنه لم يحفل بتلك المظاهر التي أحيط بها، وإنما آثر الزهد في الدنيا والتجرد عن جميع مباهجها، على الرغم من أن الإمام الجواد (عليه السلام) لم يلق أي ضغط اقتصادي طيلة حياته وإنما عاش مرفّهاً عليه غاية الترفيه.

ولكن سمو شخص الإمام الجواد (عليه السلام) وعلو مقامه الشريف مما جعل الخليفة العباسي المعتصم يضيّق على الإمام وأرغمه على مغادرة يثرب والإقامة الجبرية في بغداد، ومن ثم دسّ إليه السم، وكان الإمام في غضارة العمر وريعان الشباب.


نسبه عليه السلام .

جده: الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).

• أبوه: الإمام علي الرضا (عليه السلام).

• أمه: سبيكة من أهل بيت مارية أم إبراهيم بن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

• ولادته: ولد بالمدينة في ليلة الجمعة 19 شهر رمضان سنة 195.

• صفته: أبيض معتدل.

• كنيته: أبو جعفر، ويقال: أبو جعفر الثاني تمييزاً له عن الإمام الباقر (عليه السلام).

• ألقابه: الجواد، القانع، المرتضى، النجيب، التقي، المنتجب، المختار، المتوكل، المتقي، الزكي، العالم.

• نقش خاتمه: نعم القادر الله.

• زوجاته: سمانة المغربية، أم الفضل بنت المأمون.

• أولاده: الإمام علي الهادي (عليه السلام)، موسى.

• بناته: فاطمة، إمامة.

• شعراؤه: حماد، داود بن القاسم الجعفري.

• بوابه: عمر بن الفرات، عثمان بن سعيد السمان.

• ملوك عصره: المأمون، المعتصم.

أشخصه المعتصم العباسي من المدينة فورد بغداد لليلتين بقيتا من المحرم سنة 220.

• وفاته: توفي يوم السبت، آخر ذي القعدة سنة 220 ببغداد، متأثراً بسم دسه إليه المعتصم العباسي على يد زوجته أم الفضل.

• قبره: دفن مع جده الإمام الكاظم (عليه السلام)، وقبره اليوم ينافس السماء علواً وازدهاراً، على اعتابه يتكدس الذهب، ويتنافس المسلمون من جميع المعمورة على زيارته، والتبرك بقبره الشريف، والصلاة والدعاء عنده.

• مدة إمامته: سبع عشرة سنة.


ولادته عليه السلام .

ولد بالمدينة المنوّرة ليلة الجمعة(1) وقيل: يوم الجمعة(2) في التاسع عشر من رمضان، ويقال: للنّصف منه(3) وقيل: لعشر خلون من رجب(4) وقيل غير ذلك سنة خمس وتسعين ومائة للهجرة(5).


ونتابع في الحلقه القادمه .

سلام .

الصقرالأشقر غير متصل  

قديم 06-02-03, 08:28 PM   #2

الصقرالأشقر
عضو نشيط

 
الصورة الرمزية الصقرالأشقر  






رايق

يتبع


الله اكبر شعاري .

اتابع معكم الموضوع .

وصلت الى اسماؤه وكناه عليه السلام .

اسمه: محمد

• كنيته: أبو جعفر، وهي ككنية جده الإمام محمد الباقر (عليه السلام) ويفرق بينهما فيقال: للإمام الباقر أبو جعفر الأول، وللإمام الجواد أبو جعفر الثاني.

وله كنية غير مشهورة وهي (أبو علي) نسبة لولده الإمام علي الهادي (عليه السلام).

• ألقابه: أما ألقابه الكريمة فهي تدل على معالم شخصيته العظيمة، وسمو ذاته وهي:

- الجواد: لُقِّب بذلك لكثرة ما أسداه من الخير والبر والإحسان إلى الناس.

- التقي: لقب بذلك لأنه اتقى الله وأناب إليه، فلم يستجب لأي داع من دواعي الهوى، فقد امتحنه المأمون بشتّى ألوان المغريات فلم ينخدع، فأناب إلى والله وآثر طاعته على كل شيء.

- القانع: وكان قانعاً بما قدَّر الله تعالى له.

- المرتضى(1).

- الرضي.

- المختار.

- المتوكل.

- الزكي(2).

- المنتجب

- باب المراد: وقد عُرف بهذا اللقب عند عامة المسلمين التي آمنت بأنه باب من أبواب الرحمة الإلهية التي يلجأ إليها الملهوفون وذوو الحاجة لدفع ما ألم بهم من مكاره الدهر وفجائع الأيام.

هذه بعض ألقابه الكريمة، وكلّ لقب منها يشير إلى إحدى صفاته الرفيعة، ونزعاته الشريفة التي هي من مواضع الاعتزاز والفخر لهذه الأمة


زوجاته وابناؤه عليه السلام .

•• اختلف المؤرخون والرواة في اسمها الشريف، وهذه بعض الأقوال:

1 ـ سمانة المغربية(1) وتعرف بالسيدة (أم الفضل)(2).

2 ـ مارية القبطية(3).

3 ـ يدش(4).

4 ـ حويت(5).

إن السيدة الزكية أم الإمام علي الهادي (عليه السلام) يكفيها فخراً أنها ولدت سيداً من سادات المسلمين، وإماماً من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين جعلهم الله أمن العباد وسفن النجاة.

وتولى الإمام الجواد (عليه السلام) تربيتها وتهذيبها، وقد استقرت في بيت الإمامة، والذي كان يضم العلويات من بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اللائي يمثلن الشرف والعفة والطهارة، وقد تأثرت بهديهن وسلوكهن، فأقبلت على طاعة الله وعبادته، فكانت من القانتات المتهجدات، والتاليات لكتاب الله.

وكان الإمام الجواد عليه السلام قد تزوج منها بعد أن اشتراها له محمد بن الفرج، بسبعين ديناراً، وولدت له الإمام علي الهادي عليه السلام.

وقد ولد في (بصريا) من يثرب، وكان بحكم ميراثه جامعاً لجميع خصال الخير والشرف والنبل.

واتفق المؤرخون أنه ولد في سنة (212هـ) وقيل أنه ولد في سنة (214هـ).


• وذكر الشيخ عباس القمي في كتابه (الأنوار البهية) أن أم الإمام العاشر علي بن محمد الهادي (عليه السلام) هي المعظمة الجليلة سمانة المغربية.


• وفي (الدر النظيم): هي تعرف بالسيدة وتكنى أم الفضل: دعاني أبو جعفر الجواد (عليه السلام) فأعلمني أن قافلة قد قدمت فيها نخاس معه جواري، ودفع إلي ستين ديناراً، وأمرني بابتياع جارية وصفها فمضيت فعملت ما أمرني به، فكانت تلك الجارية أم أبي الحسن الهادي (عليه السلام).


• وروى محمد بن الفرج وعلي بن مهزيار عن السيد (أي أبو الحسن) (عليه السلام) أنه قال: أمي العارفة بحقي وهي من أهل الجنة، ولا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي مكلؤة (أي محفوظة ومحروسة) بعين الله التي لا تنام، ولا تختلف عن أمهات الصديقين والصالحين. انتهى.


• وذكر المحدث الكبير الشيخ المازندراني في كتابه (نور الأبصار) عن أم الإمام الهادي (عليه السلام) هي أم ولد يقال لها: (سمانة المغربية) ويقال أن أمه معروفة بالسيدة أم الفضل.


• ونقل العلامة الشيخ محمد حسين الأعلمي في كتابه (تراجم أعلام النساء) عنها: هي أم الإمام الهادي (عليه السلام) وهي أم ولد المعروفة بأم الفضل.

وفي (أعيان الشيعة) هي: أم ولد أسمها سمانة المغربية، وفي (المناقب) يقال أن أمه المعروفة بالسيدة أم افضل.


• وفي (عيون المعجزات): أمه على ما رواه أصحاب الحديث: سمانة، وكانت من القانتات.

أولاد الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام)


• قال الشيخ المفيد: (وخلّف الإمام الجواد بعده من الولد عليّاً ابنه الإمام بن بعده، وموسى، وفاطمة، وإمامة ابنتيه ولم يخلّف ذكراً غير من سمّيناه)(6).


• قال ابن شهر آشوب: (قال ابن بابويه: وأولاده: عليّ الإمام، وموسى، وحكيمة، وخديجة، وأمّ كلثوم)(7).


• أقول: الإمام بعد أبيه، عليّ بن محمد الهادي (سلام الله عليه) توفّي سنة 254 ودفن في سامرّاء، وأمّا موسى الملقّب بالمبرقع فقد توفّي سنة 296 ودفن بقم.

وأمّا حكيمة: فإنها أدركت أربعةٌ من الأئمة الأطهار: محمد بن عليّ، وعليّ بن محمد، والحسن بن علي، وإمامنا الحجّة (صلوات الله وسلامه عليهم). توفّيت بسامراء، ودفنت بجوار أخيها عليّ بن محمد، وابن أخيها الحسن بن علي (عليهم السلام).


النصوص الداله على امامته عليه السلام .

النصوص الدالة على إمامته متواترة، كما تثبت في إمامة آبائه (عليهم السلام)، وإشارة جدّه موسى بن جعفر (عليه السلام) وأبيه إليه بالإمامة.

وإليك بعضها:


• روى الشيخ الطوسي بإسناده عن ابن سنان، قال: (دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) من قبل أن يقدم العراق بسنة وعليّ ابنه جالس بين يديه، فنظر إليّ وقال: يا محمد سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع لذلك، قال: قلت: وما يكون جعلني الله فداك فقد أقلقتني قال: أسير إلى هذا الطاغية(1) أما أنه لا يبدأني منه سوء ومن الذي يكون بعده(2) قال: قلت: وما يكون جعلني الله فداك، قال: يضلّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء، قال: قلت: وما ذلك جعلني الله فداك قال: من ظلم ابني هذا حقّه، وجحده إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب إمامته وجحده حقّه بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: قلت: والله لئن مدّ الله لي في العمر لأسلمن له حقه ولأقرّنّ بإمامته، قال: صدقت يا محمد، يمدّ الله في عمرك وتسلّم له حقّه وتقرّ له بإمامته وإمامة من يكون بعده، قال: قلت: ومن ذاك؟ قال: ابنه محمد، قال: قلت له: الرضا والتسليم)(3).


• روى الكليني بإسناده عن يزيد بن سليط قال: (لقيت أبا إبراهيم (عليه السلام) ونحن نريد العمرة في بعض الطريق... قال لي أبو إبراهيم (عليه السلام): إنّي أُؤخذ في هذه السنة والأمر هو إلى ابني علي سميّ عليّ وعليّ، فأمها علي الأول فعلي بن أبي طالب، وأمّا الآخر فعلي بن الحسين(عليه السلام) أعطى فهم الأول وحلمه ونصره وودّه ودينه ومحنته، ومحنة الآخر وصبره على ما يكره وليس له أن يتكلّم إلاّ بعد موت هارون بأربع سنين، ثمّ قال لي: يا يزيد وإذا مررت بهذا الموضع ولقيته وستلقاه فبشّره أنه سيولد له غلام أمين مأمون مبارك وسيعلمك أنّك قد لقيتني فأخبره عند ذلك أن الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية جارية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمّ إبراهيم، فإن قدرت أن تبلّغها منّي السلام فافعل، قال يزيد: فلقيت بعد مضيّ أبي إبراهيم عليّاً فبدأني فقال لي: يا يزيد، ما تقول في العمرة؟ فقلت: بأبي أنت وأمي ذلك إليك وما عندي نفقة، فقال: سبحان الله ما كُنّا نكلّفك ولا نكفيك، فخرجنا حتى انتهينا إلى ذلك الموضع فابتدأني، فقال: يا يزيد، إنّ هذا الموضع كثيراً ما لقيت فيه جيرتك وعمومتك، قلت: نعم ثمّ قصصتُ عليه الخبر فقال لي: أمّا الجارية فلم تجيء بعد فإذا جاءت بلّغتها منه السلام فانطلقنا إلى مكّة فاشتراها في تلك السنة فلم تلبث إلاّ قليلاً حتى حملت فولدت ذلك الغلام)(4).


• روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أحمد بن أبي نصر، قال ابن النجاشي: (من الإمام بعد صاحبكم؟ فدخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فأخبرته، فقال: الإمام بعدي ابني ثمّ قال: هل يجتري أحد أن يقول: ابني، وليس له ولد)(5).

روى الشيخ المفيد بإسناده عن الحسين بن بشّار، قال: (كتب ابن قياما الواسطي إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتاباً يقول فيه: كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن (عليه السلام): وما علمك أنه لا يكون لي ولد والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني الله ولداً ذكراً يفرّق بين الحقّ والباطل)(6).


• روى الكليني بإسناده عن الخيراني، عن أبيه قال: (كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن (عليه السلام) بخراسان، فقال: يا سيدي إن كان كون فإلى من؟ قال: إلى أبي جعفر ابني، فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر (عليه السلام) فقال أبو الحسن (عليه السلام): إنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولاً نبيّاً، صاحب شريعةٍ مبتدأةٍ في أصغر من السنّ الذي فيه أبو جعفر (عليه السلام) )(7).


• روى ابن الصبّاغ بإسناده عن صفوان بن يحيى، قال: قلت للرضا قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر من القائم بعدك؟ فتقول: يهب الله لي غلاماً وقد وهبك الله وأقرّ عيوننا به فإن كان كون ولا أرانا الله لك يوماً فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر وهو قائمٌ بين يديه وعمره إذ ذاك ثلاث سنين، فقلت: وهو ابن ثلاث قال: وما يضرّ من ذلك فقد قام عيسى بالحجّة وهو ابن أقلّ من ثلاث سنين).


• وعن معمر بن خلاّد قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: وذكر شيئاً فقال: ما حاجتكم إلى ذلك؟ هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني، وقال: إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة)(8).


• روى الشيخ المفيد بإسناده عن أبي يحيى الصّنعاني، قال: (كنت عند أبي الحسن(عليه السلام) فجيء بابنه أبي جعفر (عليه السلام) وهو صغيرٌ فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولودٌ أعظم على شيعتنا بركةً منه)(9).


• روى الصفّار بإسناده عن ابن قياما قال: دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وقد ولد أبو جعفر (عليه السلام) فقال: إن الله قد وهب لي من يرثني ويرث آل داود(عليه السلام) )(10).


يتبع . في الحلقه القادمه .

والسلام .

الصقرالأشقر غير متصل  

قديم 06-02-03, 08:38 PM   #3

الصقرالأشقر
عضو نشيط

 
الصورة الرمزية الصقرالأشقر  






رايق

يتبع


الله اكبر شعاري .

اتابع معكم الموضوع .

وصلت الى مسيرته عليه السلام .

سيرته وسنته

مناقب محمد بن علي الجواد (عليهما السلام)


• قال ابن الصبّاغ المالكي: (وأمّا مناقبه فما اتّسعت حلبات مجالها، ولا امتدت أوقات آجالها، بل قضت الأقدار الإلهيّة بقلّة بقائه في الدنيا بحكمها وأسجالها، فقلّ في الدنيا مقامه، وعجّل القدوم عليه لزيارته حمامه، فلم تطل بها مدّته ولا امتدت فيها أيامه، غير أنّ الله تعالى خصّه بمنقبة متألّقة في مطالع التعظيم، بارقة أنوارها، مرتفعة في معارج التفصيل قيمة أقدارها، بادية لأبصار ذوي البصائر، بيّنة منارها، هادية لعقول أهل المعرفة آية آثارها وهي وإن ك انت صورتها واحدة فمعانيها كثيرة، وصيغتها وإن كانت صغيرة فدلالتها كبيرة وهي أنّ هذا أبو جعفر محمد بن علي، عليه وعلى آبائه السلام)(1).


• روى الكليني بإسناده عن أحمد بن زكريا الصيدلاني عن رجل من بني حنيفة من أهل بست(2) وسجستان(3), قال: (رافقت أبا جعفر (عليه السلام) في السنة التي حجّ فيها في أول خلافة المعتصم فقلت له ـ وأنا معه على المائدة وهناك جماعة من أولياء السلطان ـ: إنّ والينا جعلت فداك رجلٌ يتولاّكم أهل البيت ويحبّكم وعليّ في ديوانه خراج، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إليه كتاباً بالإحسان إليّ فقال لي: لا أعرفه، فقلت: جعلت فداك إنّه على ما قلت من محبّيكم أهل البيت وكتابك ينفعني عنده فأخذ القرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد: فإنّ موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً، وإن ما لك من عملك ما أحسنت فيه فأحسن إلى إخوانك، واعلم أنّ الله عز وجل سائلك عن مثاقيل الذرّ والخردل، قال: فلما وردت سجستان سبق الخبر إلى الحسين بن عبد الله النيسابوري، وهو الوالي فاستقبلني على فرسخين من المدينة فدفعت إليه الكتاب فقبّله ووضعه على عينيه ثم قال لي: ما حاجتك؟ فقلت: خراج عليّ في ديوانك قال: فأمر بطرحه عنّي وقال لي: لا تؤدّ خراجاً ما دام لي عمل، ثم سألني عن عيالي فأخبرته بمبلغهم فأمر لي ولهم بما يقوتنا وفضلاً فما أدّيت في عمله خراجاً ما دام حيّاً ولا قطع عنّي صلة حتى مات)(4).

كرامات الإمام محمد بن عليّ الجواد (عليهما السلام)


• قال الشبلنجي: (نقل غير واحد أن والده علياً الرضا لما توفّي وقدم بغداد المأمون بعد وفاته بسنة اتفق أن المأمون خرج يوماً يتصيّد فاجتاز بطريق البلد، وثمّ صبيان يلعبون ومحمد الجواد واقف عندهم، فلما أقبل المأمون فرّ الصبيان ووقف محمد، وعمره إذ ذاك تسع سنين فلمّا قرب منه الخليفة نظر إليه فألقى الله في قلبه حبّه فقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف كأصحابك؟ فقال له محمد مسرعاً: يا أمير المؤمنين، لم يكن بالطريق ضيق فأوسعه لك، وليس لي جرم فأخشاك، والظن بك حسن أنك لا تضرّ من لا ذنب له، فأعجبه كلامه وحسن صورته، فقال له: ما اسمك واسم أبيك؟ فقال: محمد بن علي الرضا فترحّم على أبيه وساق جواده إلى مقصده وكان معه بزاة الصيد فلما بعد عن العمران أرسل بازاً على دراجة فغاب عنه ثم عاد من الجواد وفي منقاره سمكة صغيرة فيها بقايا الحياة فتعجّب من ذلك غاية العجب ورجع فرأى الصبيان على حالهم ومحمد عندهم ففرّوا إلا محمداً فدنا منه، وقال له: يا محمد ما في يدي؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكاً صغاراً تصيده بازات الملوك والخلفاء كي يختبر بها سلالة بني المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كرامة فقال له: أنت ابن الرضا حقاً وأخذه معه وأحسن إليه وقرّبه وبالغ في إكرامه ولم يزل مشغوفاً به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عقله وظهور برهانه مع صغر سنّه) (5).


• روى ابن الصبّاغ عن أبي خالد قال: (كنت بالعسكر فبلغني أن هناك رجلاً محبوساً أتي به من الشام مكبّلاً بالحديد، وقالوا إنه تنبّأ، فأتيت باب السجن ودفعت شيئاً للسجّان، حتى دخلت عليه فإذا برجل ذا فهم وعقل ولبّ، فقلت: يا هذا ما قصتك؟ قال: إني كنت رجلاً بالشام أعبد الله تعالى في الموضع الذي يقال أنه نصب فيه راس الحسين (عليه السلام)، فبينما أنا ذات يوم في موضعي مقبل على المحراب أذكر الله إذ رأيت شخصاً بين يدي فنظرت إليه فقال: قم، فقمت معه فمشى قليلاً فإذا أنا في مسجد الكوفة فقال لي: تعرف هذا المسجد؟ قلت: نعم هذا مسجد الكوفة، قال: فصلّى، فصلّيت معه، ثم خرج، فخرجت معه، فمشى قليلاً فإذا نحن بمكة المشرفة فطاف بالبيت فطفت معه، ثم خرج فخرجت معه فمشى قليلاً فإذا أنا بموضعي الذي كنت في بالشام، ثم غاب عنّي فبقيت متعجّباً ممّا رأيت فلما كان في العام المقبل وإذا بذلك الشخص قد أقبل عليّ فاستبشرت به فدعاني فأجبته ففعل بي كما فعل بي بالعام الماضي فلما أراد مفارقتي قلت له: سألتك بحثّ الذي أقدرك على ما رأيت منك إلاّ ما أخبرتني من أنت؟ فقال: أنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فحدثت بعض من كان يجتمع لي بذلك فرفع ذلك إلى محمد بن عبد الملك الزيّات فبعث إليّ من أخذني من موضعي وكبّلني بالحديد، وحملني إلى العرق وحبسني كما ترى وادّعى عليّ بالمحال قلت له: فأرفع عنك قصّة إلى محمد بن عبد الملك الزيّات، قال: افعل فكتبت عنه قصة وشرحت فيها أمره ورفعتها إلى محمد بن عبد الملك، فوقّع على طهرها: قل للذي أخرجك من الشام إلى هذه المواضع التي ذكرتها يخرجك من السجن الذي أنت فيه، فقال ابن خالد: فاغتممت لذلك وسقط في يدي، وقلت: إلى غد آتيه وآمره بالصبر وأعده من الله بالفرج وأخبره بمقالة هذا الرجل المتجبّر، قال: فلما كان من الغد باكرت السجن فإذا أنا بالحرس والجند وأصحاب لاسجن وناس كثير في همرجة فسألت: ما الخبر؟ فقيل لي: إن الرجل المتنبئ المحمول من الشام فقد البارحة من السجن وحده بمفرده وأصبحت قيوده والأغلال التي كانت في عنقه مرميّ بها في السجن لا ندري كيف خلص منها، وطلب فلم يوجد له أثر ولا خبر، ولا يدرون أغمس في الماء أم عرج به إلى السماء، فتعجّبت من ذلك، وقلت: استخفاف ابن الزيّات بأمره واستهزاؤه بما وقع به على قصته، خلّصه من السجن)(6).


• قال ابن الصبّاغ: (وحكي أنه لما توجّه أبو جعفر منصرفاً من بغداد إلى المدينة الشريفة خرج معه الناس يشيّعونه للوداع فسار إلى أن وصل إلى باب الكوفة عند دار المسيّب فنزل هناك مع غروب الشمس ودخل إلى مسجد قديم مؤسس بذلك الموضع ليصلّي فيه المغرب وكان في صحن المسجد شجرة نبق لم تحمل قط فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل الشجرة وقام يصلّي فصلّى معه الناس المغرب فقرأ في الأولى الحمد وإذا جاء نصر الله والفتح، وقرأ في الثانية بالحمد وقل هو الله أحد، ثم بعد فرغه جلس هيئة يذكر الله تعالى وقام فتنفّل بأربع ركعات وسجد بعدهنّ سجدتي الشكر، ثمّ قام فوادع الناس وانصرف فأصبحت النبقة وقد جحملت من ليلتها حملاً حسناً فرآها الناس وقد تعدّبوا من ذلك غاية العجب ثم ما كان هو أغرب وأعجب من ذلك أن نبقة هذه الشجرة لم يكن لها عجم فزاد تعجّبهم من ذلك أكثر وأكثر، وهذا من بعض كراماته الجليلة ومناقبه والجميلة)(7).


• قال الشيخ محمود الشيخاني القادري الشافعي: (ومن كراماته أنه كان يطوى له الأرض فيصلّي في يوم واحدٍ بمكّة والمدينة والشام والعراق)(8).


• روى المفيد بإسناده عن محمد بن عليّ الهاشمي قال: (دخلت على أبي جعفر بن محمد بن علي (عليهما السلام) صبيحة عرسه ببنت المأمون وكنت تناولت من الليل دواء فأوّل من دخل عليه في صبيحته أنا وقد أصابني العطش وكرهت أن أدعو بالماء فنظر أبو جعفر (عليه السلام) في وجهي وقال: أراك عطشان، قلت: أجل قال: يا غلام اسقنا ماءً، فقلت في نفسي: الساعة يأتونه بماءٍ مسمومٍ واغتممت لذلك فأقبل الغلام ومعه الماء فتبسّم في وجهي ثم قال: يا غلام ناولني الماء فتناول الماء فشرب، ثم ناولني فشربت وأطلت عنده فعطشت فدعا بالماء ففعل كما فعل في المرّة الأولى فشرب ثم ناولني وتبسّم، قال محمد بن حمزة: فقال لي محمد بن علي الهاشمي: والله إني أظنّ أن أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما يقول الرّافضة)(9).


• وروى بإسناده عن المطرفي قال: (مضى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) ولي عليه أربعة آلاف درهم لم يكن يعرفها غيري وغيره فأرسل إليّ أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان في غد فائتني فأتيته من الغد، فقال لي: مضى أبو الحسن (عليه السلام) ولك عليه أربعة آلاف درهم قلت: نعم فرفع المصلّى الذي كان تحته فإذا تحته دنانير فدفعها إليّ فكان قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم)(10).


• وروى بإسناده عن معلّى بن محمد، قال: (خرج عليّ أبو جعفر (عليه السلام) حدثان موت أبيه فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابنا فقعد ثم قال: يا معلّى، إن الله احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة فقال: ﴿وآتيناه الحكم صبيّاً﴾(11).


• وروى بإسناده عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: (دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت عليّ فاغتممت فتناول إحداها، وقال: هذه رقعة ريّان بن شبيب، ثم تناول الثانية، فقال: هذه رقعة فلان، فقلت: نعم فبهتّ أنظر إليه فتبسّم وأخذ الثالثة فقال: هذه رقعة فلان. فقلت: نعم جعلت فداك فأعطاني ثلاثمائة دينار، وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمّه وقال: أما أنه سيقول لك: دلّني على حريف يشتري لي بها متاعاً فدلّه عليه، قال: فأتيته بالدنانير، فقال لي: يا أبا هاشم دلّني على حريف يشتري لي متاعاً؟ فقلت: نعم(12).


• وقال: قال أبو هاشم: (ودخلت معه ذات يوم بستاناً فقلت له: جعلت فداك إنّي مولع بأكل الطّين فادع الله لي فسكت، ثم قال لي بعد أيام ابتداءً منه: يا أبا هاشم قد أذهب الله عنك أكل الطين قال أبو هاشم: فما شيء أبغض إليّ منه اليوم)(13).


• روى ابن شهر آشوب عن حسن بن علي: (أنّ رجلاً جاء إلى التقيّ (عليه السلام) وقال: أدركني يابن رسول الله فإن أبي قد مات فجأة وكان له ألفا دينار، ولست أصل إليه ولي عيال كثير فقال: إذا صلّيت العتمة فصلِّ على محمد وآله مائة مرّة ليخبرك به، فلما فرغ الرجل من ذلك رأى أباه يشير إليه بالمال، فلما أخذه قال: يا بنيّ اذهب به إلى الإمام وأخبره بقصّتي فإنه أمرني بذلك فلما انتبه الرجل أخذ المال وأتى أبا جعفر وقال: الحمد لله الذي أكرمك واصطفاك.


• وفي رواية ابن اسباط: وهو إذ ذاك خماسي، إلاّ أنه لم يذكر موت والده)(14).

هجرة الإمام الجواد (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد


للإمام الجواد (عليه السلام) هجرتان: الأولى: بعدما استشهد الإمام الرضا (عليه السلام) بسمّ المأمون في طوس، ودفن في قبّة هارون الرشيد، ذهب المأمون إلى بغداد ودخلها سنة 204هـ وكان الناس يلومونه ويقولون: احتال المأمون بطلبه الرضا (عليه السلام) إلى مرو وهو الذي دسّ في سمّه وقتله مظلوماً.

استشار المأمون حاشيته لتمويه ما قالوه فأشاروا عليه بطلب ابن الرضا محمد بن عليّ من المدينة إلى بغداد، فكتب المأمون إليه وأشخصه إلى بغداد.

قال المسعودي: (فحمله وأنزله بالقرب من داره(15) ودخل عليه حسين المكاري فلما رأى طيب حاله قال في نفسه: لا يرجع أبداً إلى موطنه، فقال (عليه السلام): خبز شعير، وملح جريش وحرم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحبّ إليّ مما ترى)(16).


• قال الشيخ المفيد: (وكان المأمون قد شغف بأبي جعفر (عليه السلام) لما رأى من فضله مع صغر سنّه وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان فزوّجه ابنته أمّ الفضل وحملها معه إلى المدينة وكان متوفّراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره)(17).


• قال المسعودي: (في السنة التي خرج فيها المأمون إلى (البديدون) من بلاد الرّوم، خرج (عليه السلام) بأمّ الفضل حاجّاً إلى مكّة)(18).


• قال الرّاوندي: (لمّا خرج بزوجته أمّ الفضل من عند المأمون ووصل شارع الكوفة وانتهى إلى دار المسيّب عند غروب الشمس دخل المسجد وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد فدعا بكوز فتوضّأ في أصلها وقام فصلّى بالناس صلاة المغرب فرأ في الأولى: الحمد، وإذا جاء نصر الله، وفي الثانية: الحمد، وقل هو الله أحد، فلمّا سلم جلس هنيئة وقام من غير أن يعقب تعقيباً تامّاً فصلّى النوافل الأربع وعقّب بعدها وسجد سجدتي الشكر فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس قد حملت حملاً حسناً فأكلوا منها فوجدوا نبقاً لا عجم له حلواً)(19).

هجرته الثانية إلى بغداد


لما بويع المعتصم بعد أخيه المأمون بالبديدون وانصرف إلى بغداد كن لا يزال يتتبّع أحوال الإمام محمد بن علي الجواد حتى كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيّات أن ينقذه إليه مع زوجته أمّ الفضل بنت المأمون أرسل ابن الزيّات علي بن يقطين إليه فتجهّز من المدينة إلى بغداد ووردها ليلة الثامن والعشرين من الحرّم، سنة عشرين ومائتين، وأقام بها عشرة أشهر، وسمّه المعتصم في آخر ذي القعدة سنة عشرين ومائتين، وفي هذه المدة قاسى من المعتصم ما قاسى.


• روى الراوندي: (إنّ المعتصم دعا جماعة من وزرائه فقال: اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) زوراً، وكتبوا كتاباً أنه أراد أن يخرج ثم دعاه فقال له: إنّك أردت أن تخرج عليّ فقال: والله ما فعلت شيئاً من ذلك، قال: فإنّ فلاناً وفلاناً شهدوا عليك بذلك فاحضروا فقالوا: نعم هذه الكتب أخذناها من بعض غلمانك، قال: وكان جالساً في بهو(20) فرفع أبو جعفر الثاني يده وقال: اللهمّ إن كانوا كذبوا عليّ فخذهم قال: فنظرنا إلى ذلك البهو كيف يرجف ويذهب يجيء، وكلّما قام منّا واحد وقع فقال المعتصم: يا بن رسول الله إنّي تائب ممّا قلت فادع ربّك أن يسكنه، فقال: اللهمّ سكّنه إنّك تعلم أنّهم أعداؤك وأعدائي فسكن)(21).


• روى الشيخ المفيد بإسناده عن إسماعيل بن مهران، قال: (لمّا خرج أبو جعفر من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك، إنّي أخاف عليك في هذا الوجه فإلى من الأمر بعدك؟ قال: فكرّ إليّ بوجهه ضاحكاً وقال لي: ليس حيث كما ظننت في هذه السنة، فلما استدعي به إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته ثم التفت إليّ فقال: عند هذه يخاف عليّ، الأمر من بعدي إلى ابني عليّ)(22).

عصره عليه السلام .
عصره


عاصر الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام)، خليفتين عباسيين، والخليفة الذي عاش الإمام في عهده ظروفاً هادئةً، هو المأمون العباسي.

ومعروف أن المأمون قام بالتقرب إلى العلويين وإلى سيدهم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، بسبب الضغط الجماهيري الذي تعرض له النظام العباسي حيث تميز عهده بسلسلة من الثورات والانتفاضات في كافة أرجاء الدولة الإسلامية.

• ويقول بعض المؤرخين: أن المأمون العباسي كان شيعياً، وكان يذهب إلى أحقية أولاد الإمام علي (عليه السلام) بالخلافة، وإلى إمامة الإمام علي (عليه السلام)، ولكننا لا نرى ذلك في المأمون العباسي لأن ذلك شرف لا يستحقه خليفة غاصب.

يبقى أن نعرف أنه بعد استشهاد الإمام الرضا (عليه السلام) على يد المأمون، أصبح محمد بن علي الجواد (عليه السلام) الإمام الشرعي للرساليين، ومعروف أن الإمام الجواد (عليه السلام) صاهر المأمون العباسي.

ونتساءل لماذا أقدم الإمام الجواد (عليه السلام) على الزواج من بنت المأمون العباسي؟

ولكي نعرف الإجابة عن مثل هذا السؤال لابدّ أن نلقي نظرة على الحركة الرسالية التي كان الأئمة (عليهم السلام) يقودونها ويوسعونها، في عصر الإمام الرضا ونجله الإمام الجواد (عليه السلام).

في عهد المأمون تحوَّلت الحركة الرسالية إلى حركة تستطيع أن تتداخل مع النظام وتستفيد من مظلته أو حتى تكوّن ما يسمى اليوم بحكومة ائتلافية، مع أي دولة من الدول، والأئمة (عليهم السلام) كانوا يقبلون بالحماية من قبل الدولة بدون أن يفقدوا رسالتهم.

والأئمة المعصومون(عليهم السلام) لم يحلوا حركتهم، أي أنهم لم يقبلوا بالخلافة ولم يشتركوا فيها، والدليل على ذلك موقف الإمام الرضا من ولاية العهد حيث قبلها بشرط عدم التدخل في شؤون النظام.

أما الإمام الجواد (عليه السلام) فحينما خطب ابنة المأمون وتزوجها، أصبح صهر الخليفة واستفاد من ذلك لأجل رسالته فماذا يعني أن يصبح شخص صهراً للخليفة؟

إن من يدخل البلاط يمكن أن يصير والياً على منطقة، أو حاكماً على بلد، أو قاضي القضاة لا أقل، ولكن الإمام الجواد لم يفعل شيئاً من ذلك، بل أخذ بيد زوجته وذهب إلى المدينة وبقي هناك حتى مات المأمون العباسي.

فماذا كسب الإمام (عليه السلام) من هذه المصاهرة؟

كسب الإمام الجواد (عليه السلام) بهذا العمل أمرين:

- أولاً: منع المأمون من أن يقوم بعملية اغتياله، وذلك بقبوله الزواج من ابنته.

- ثانياً: جعل مخالب السلطة وأنيابها في قفص الحركة الرسالية، وذلك أن المأمون ما كان ليجرؤ بعد ذلك على أن يقوم بالفتك برجالات الحركة ومجموعاتها.

ولقد كان هذا الأسلوب متبعاً في كثير من عصور الأئمة (عليهم السلام)، وخير شاهد على ذلك قصة علي بن يقطين بن موسى البغدادي الذي كان بمثابة مستشار للخليفة المهدي العباسي، ثم صار في رتبة الوزير لهارون الرشيد، وعندما حصل على هذا المنصب وكان اتجاهه رسالياً، جاء إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال: (يا بن رسول الله أنا صرت عوناً لهذا الطاغية) وأراد أن يستقيل.

ومعروف أن الذي يحصل على هذا المركز ذلك اليوم يسيطر على مرافق أكبر دولة في العالم. فطلب منه الإمام أن يظل في عمله، ويستمر في أداء مهامه الرسالية ويبقى في بلاط هارون، وعاود الطلب من الإمام بأن يأذن له بترك السلطة إلاّ أن الإمام لم يأذن له، ولقد كانت أعماله كبيرة بالنسبة للحركة، حتى أن الإمام أبا الحسن (عليه السلام) قال فيه عندما دخل عليه داود الرقي، في يوم النحر: (ما عرض في قلبي أحد وأنا على الموقف إلاّ علي بن يقطين، فإنه ما زال معي وما فارقني حتى أفضت)(1).

عصر المعتصم العباسي


والإمام الجواد (عليه السلام) عاصر خليفة من الخلفاء الذين أثروا تأثيراً مباشراً على زوال الدولة العباسية، وهو المعتصم العباسي.

المعتصم العباسي كان ابن أمة تركية، فمال إلى أخواله فكان يحب جمع الأتراك وشراءهم من أيدي مواليهم، فاجتمع له منهم أربعة آلاف، وألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة والحلي المذهبة وأبانهم عن سائر الجنود(2).

ثم وسمهم رتباً قيادية في الجيش حتى أنه ثارت ثائرة العسكريين العرب في الجيش، فلقد حاول (عجيف) أن يقلب الحكم على المعتصم ليولّي العباس بن المأمون، ولكن هذه المحاولة أخفقت وقتله المعتصم.

والأتراك حينما جاءوا إلى البلاد الإسلامية أخذوا شيئاً فشيئاً يسيطرون على الحكم ويجردون الخلفاء من سلطتهم الحقيقة، وأخذوا يحدثون الانقلابات العسكرية (كما نسميها الآن).

حتى وصل بهم الأمر إلى أنه إذا مال عنهم خليفة عباسي، فإنهم كانوا يقتلونه غيلة، ثم ينصبون رجلاً آخر من البيت العباسي مكانه، فابتداءً من المتوكل إلى المستعين إلى المهتدي وانتهاءً بالمقتدر، كل هؤلاء قتلوا بواسطة القادة العسكريين الأتراك.

وهكذا كانوا يقومون بالخلع والقتل لأي خليفة لم تتجاوب أهواؤه مع أهوائهم، وليس ذلك لشيء في تركيبة العنصر التركي، وإنما نتيجة للحالة المتردية التي وصل إليها المجتمع الإسلامي من الانحلال والفساد الخلقي الشامل.

والإمام الجواد (عليه السلام) استفاد من هذا الوضع في تغذية الحركات الرسالية التي كانت تضع جنينها للمستقبل، وفي هذا الوقت كانت الثورة التي قام بها محمد بن القاسم بن علي الطالبي تقلق السلطة ولا تدعها تعيش في هدوء وسكينة.

نموذج من الثورة العلوية


لقد كانت ثورة محمد بن القاسم بن علي بن عمر ابن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) أبرز ثورة في عهد الإمام الجواد (عليه السلام).

كان محمد بن القاسم جليل القدر إذا ما قرأنا يوميات جهاده. كانت العامة تلقبه بالصوفي، لأنه كان يدمن لبس الصوف الأبيض الخشن، وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد.

كان قد ذهب إلى (مرو) في مقاطعة خراسان، وكان معه من الكوفيين بضعة رجال، وذلك بعد أن رحل من الكوفة، وكان قبل ذلك قد خرج إلى ناحية الرقة، ومعه جماعة من وجوه الزيدية، منهم يحيى بن الحسن بن الفرات، وعبّاد بن يعقوب الرواجني، والزيدية كانت تشكل القاعدة للكثير من الثورات.


• روى إبراهيم بن عبد العطّار: (كنا معه، فتفرقنا في الناس ندعوهم إليه، فلم نلبث إلاّ يسيراً حتى استجاب له أربعون ألفاً، وأخذنا عليهم البيعة، وكنا أنزلناه في رستاق من رساتيق مرو، وأهله شيعية كلهم، فأحلوه في قلعة لا يبلغها الطير في جبل حريز)(3).

ومرة سمع بكاء في (مرو) فندب أحد أصحابه ليرى ما هذا البكاء، فجاءه بخبر أن أحد الذين بايعوه قد كان غصب شيئاً من أحد الرجال، فأصلح بينهما، فقال محمد لصاحبه إبراهيم: (يا إبراهيم أبمثل هذا ينصر دين الله؟ ثم قال: فرقوا الناس عني حتى أرى رأيي).

فانتخب الصالحين من الذين بايعوه ثم سار بهم، وهذا نموذج من طبيعة الثورات الرسالية إذ أنها لم تكن تبيح أية وسيلة في سبيل الوصول إلى الهدف، بل مثلما يكون الهدف هو إقامة حكم الله عز وجل، يجب أن تكون الوسيلة أيضاً مرضية من قبل الله تعالى.

وهذا كان يربي المجتمع على عشق المثل العليا، والمبادئ السامية، وبعدما نُقي أصحابه، ساروا إلى الطالقان.


• ويروي إبراهيم صاحبه:

(ورحل محمد بن القاسم من وقته إلى الطالقان، وبينها وبين مرو أربعين فرسخاً، فنزلها وتفرقنا ندعو الناس فاجتمع عليه عالم، وجئنا إليه، فقلنا له: إن أتممت أمرك، وخرجت فنابذت القوم، رجونا أن ينصرك الله، فإذا ظفرت اخترت حينئذ من ترضاه من جندك، وإن فعلت كما فعلت بمرو - يقصد اختيار الصالحين فقط - أخذ عبد الله بن طاهر يعقبك، وهكذا أراد صاحبه (إبراهيم) أن يثنيه عن إبعاد الذين ليسوا بملتزمين جيداً عن جيش الثورة). ولكن محمد بن القاسم أبى ذلك، ودخل محمد بن القاسم مع عبد الله بن طاهر في حروب كثيرة وكان يلحق به شرَّ الهزائم.

ومرة هدأت صولات الحرب بينهما، فسارع عبد الله بن طاهر بإرسال كل جيوشه مقسمة في فرق ضمن خطة ماكرة جداً، وقال ابن طاهر لقائد جيوشه وهو إبراهيم بن غسان بن فرج العودي:

(قد جرَّدت لك ألف فارس من نخبة عسكري، وأمرت أن يحمل معك مائة ألف درهم تصرفها فيما تحتاج إلى صرفها من أمورك، وخذ من خيلي ثلاثة أفراس نجيبة معك تنتقل عليها، وخذ بين يديك دليلاً قد رسمته لصحبتك فادفع إليه من المال ألف درهم، واحمله على فرس من الثلاثة فليركض بين يديك، فإذا صرت على فرسخ واحد من (نسا)، (وهي المدينة التي يتواجد فيها محمد بن القاسم) فافضض الكتاب، واقرأه واعمل بما فيه ولا تغادر منه حرفاً، ولا تخالف مما رسمته شيئاً واعلم أن لي عيناً في جملة من صحبك يخبرني بأنفاسك، فأحذر ثم أحذر وأنت أعلم).

وهذا يبين مدى خوف ابن طاهر من أن يكون هذا القائد يميل إلى صف محمد بن القاسم، فلقد كان ذلك شيئاً طبيعياً لأن نفوس الناس كانت مع الحركة الثورية، ولكن السلطات كانت تجلب وتسخّر الناس في ضرب الحركة الرسالية مرة بالتهديد ومرة بالإغراء ومرة بالإفساد ومرات بأساليبها المختلفة حتى أن ابن طاهر يقول: جعلت عيوناً عليك يرقبون أنفاسك.

فسار قائده إلى (نسا) وقبل أن يصل بفرسخ فتح كتاب ابن طاهر وإذا فيه الخطة كاملة، والبيت الذي يسكن فيه محمد بن القاسم، وصاحبه أبو تراب، ويأمره فيه أن يستوثقهما بالحديد، استيثاقاً شديداً، وأن ينفذ خاتمه مع خاتم محمد بن القاسم أول ما يظفر به، وقبل أن يعود خطوة واحدة لكي يطمئن، وعلى الذي يرسلهما معه أن يركض بهما ركضاً، ثم يكتب إليه شرح ما حدث. (وكن على غاية التحرز والتحفظ والتيقظ من أمره حتى تصير به وصاحبه إلى حضرتي).

نجحت الخطة وحمل محمد بن القاسم مع صاحبه أبو تراب إلى ابن طاهر في نيسابور، فجاء ابن طاهر ليراهما فقال لقائده:

(ويحك يا إبراهيم أما خفت الله في فعلك - يقصد القيود الثقيلة جداً التي وضعها على محمد وصاحبه - أتقيد هذا الرجل الصالح بمثل هذا القيد الثقيل؟).

فقال إبراهيم العودي (قائده):

(أيها الأمير خوفك أنساني خوف الله ووعدك الذي قدمته إليّ أذهل عقلي عما سواه).

وكانا يتكلمان من فوق سطح يطل على الغرفة المسجون بها محمد بن القاسم في نيسابور.

فقال ابن طاهر: خفف هذا الحديد كله عنه، وقيِّده بقيد خفيف في حلقه رطل وليكن عموده طويلاً، وحلقتاه واسعتين ليخطو فيه، وفي فترة سجن محمد بن القاسم طلب قرآناً يتدارس فيه.

وكان عبد الله بن طاهر يخرج من إصطبله بغالاً عليها القباب ليوهم الناس أنه قد أخرجه، ثم يردّها حتى استتر بنيسابور، سلّه في جوف الليل، وخرج به مع إبراهيم العودي ووافى به الري، وقد أمره عبد الله بن طاهر أن يفعل به كما فعل هو، يخرج في كل ثلاث ليال ومعه بغل عليه قبة، ومعه جيش حتى يجوز الري بفرسخ، ثم يعود إلى أن يمكنه سلّه، ففعل ذلك خوفاً من أن يغلب عليه لكثرة من أجاب محمد بن القاسم بالبيعة له، حتى أخرجه من الري ولم يعلم به أحد، ثم اتبعه حتى أورده بغداد على المعتصم.

وقد سمع المعتصم بمسير محمد إلى بغداد، فأرسل إلى طاهر العودي أن انزع العمامة من عليه واجعله حاسراً وانزع رداء قبة البغل ليكون على البغل حاسراً، ثم أدخله بغداد.

وكان يريد بذلك تعذيب محمد نفسياً والحط من كرامته، وقد ازدحم الناس ازدحاماً شديداً على الطرقات حين إدخال محمد بن القاسم إلى بغداد، ثم أدخل على المعتصم في مجلس اللهو والشراب.

وقيل: وجعلت الفراعنة يحملون على العامة ويرمونهم بالقذر والمعتصم يضحك، ومحمد بن القاسم يسبّح ويستغفر الله ويحرك شفتيه يدعو عليهم، والمعتصم جالس يشرب، ومحمد واقف إلى أن انتهى من لعبه فأمر بسجنه.

وما دبّر محمد بن القاسم حيلة ذكية للهروب، ثم توارى عن الأنظار في بغداد ثم إلى واسط، وقد شَدَّ وسطه للوهن الذي أصاب فقار ظهره عند عملية هروبه. وظل محمد مختفياً بعد ذلك إلى نهاية عهدَي المعتصم ومحمد الواثق، ثم بعض أيام المتوكل، وقيل أنه أخذ إليه فحمل إلى السجن حتى مات فيه.

ولكن ماذا فعل خلال فترة تواريه عن الأنظار وهي ليست بالفترة القليلة؟ هذا ما أجابت عليه الثورات العديدة التي قامت بعد ذلك في عهد المتوكل، والمستعين وما بعده من الخلفاء، التي لم تدع الخليفة يلعب ويلهو براحة.

وفي واسط سكن محمد بيتاً يعود إلى أم ابن عمه علي بن الحسن بن علي بن عمر ابن الإمام زين العابدين (عليه السلام) وكانت عجوزاً مقعدة، فلما نظرت إليه وثبت فرحاً وقالت: (محمد والله، فدتك نفسي وأهلي، الحمد الله على سلامتك) فقامت على رجلها وما قامت قبل ذلك بسنين.

وقال إبراهيم العودي، قائد جيوش ابن طاهر يصف محمداً:

ما رأيت قط أشدّ اجتهاداً منه، ولا أعف، ولا أكثر ذكراً لله عز وجل مع شدة نفس، واجتماع وما أظهر من جزع ولا انكسار ولا خضوع في عقبة حلوان أراد الركوب، فجاء بعض أصحاب إبراهيم بن غسان العودي، فطأطأ له ظهره، حتى ركب في المحمل على البغل، فلما استوى على المحمل قال للذي على ظهره مازحاً: (أتأخذ أرزاق بني العباس وتخدم بني علي بن أبي طالب؟ وتبسم).

وقال: عرضوا على محمد بن القاسم كل شيء نفيس من مال وجواهر وغير ذلك، فلم يقبل إلاّ مصحفاً جامعاً كان لابن طاهر فلمّا قبله، سُر عبد الله بن طاهر بذلك، وإنما قبله لأن كان يدرس فيه.

ووجود شخصية ثورية مثل محمد وثورة مثل ثورته تدلان على أن الحركة الرسالية لم تتوقف يوماً ما عن مسيرتها، وأنها لا يمكن أن تميل عن استقامتها التي كانت معهودة بها، وهاتان ميزتان موجودتان في طول الثورات التي قامت بها الحركة الرسالية.

بجانب وضع السلطة المتأزم ومن عهد الإمام الجواد (عليه السلام) بدأت مسيرة ذات كيفية خاصة للثورات وطبيعتها، ووضع الحركة الرسالية في أيام الإمام الجواد كان جيداً، وإذا كان أحرج وقت مرّ على الحركة الرسالية هو في أيام الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، فإن أحسن الأوقات كانت في عهد الإمام الجواد (عليه السلام)، وربما لذلك جاء في الحديث المأثور عن ابن أسباط وعبّاد بن إسماعيل:

(أنا لَعند الرضا (عليه السلام) بمنى إذ جيء بأبي جعفر (عليه السلام) قلنا: هذا المولود المبارك؟ قال: نعم هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام أعظم بركة منه)(4).

وروى أبو يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) فجيء بابنه أبي جعفر (عليه السلام) وهو صغير فقال: (هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم على شيعتنا بركة منه).

والبركة التي حصلت للحركة الرسالية بولادة الإمام الجواد (عليه السلام) ليست في ارتفاع الإرهاب والاختناق السياسي عنهم فقط بل وأهم من ذلك في تجذر الرسالة عقيدة وفكراً وسياسةً وفقهاً.

اصحابه عليه السلام .
أصحابه وتلاميذه


قبض أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة 203 وانتقلت الإمامة إلى ولده أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام).

واستفاد منه العلماء والفقهاء من تلامذة جدّه وأبيه غيرهم لأنّهم سمعوا من جدّه أبي جعفر محمد بن علي الباب (عليهم السلام) قال: (إنّ العلم يتوارث ولا يموت عالم إلاّ وترك من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله)(1).


• قال البرقي: (من أدركه من أصحاب أبي الحسن الأول ـ موسى بن جعفر (عليه السلام) ـ أبو عبد الله محمد بن خالد البرقي القمّي.

ومن أدركه من أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، وهم عشرة ذكر أسماءهم، وأمّا أصحابه الذين استفادوا منه ستّة وخمسون شخصاً)(2).

وذكر أسماءهم على حسب حروف التهجّي الشيخ الطّوسي في رجاله(3).

منهم: عليّ بن مهزيار الأهوازي الذي كتب إليه أبو جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام) بخطّه، بسم الله الرحمن الرحيم: يا عليّ أحسن الله جزاك وأسكنك جنّته ومنعك من الخزي في الدنيا والآخرة وحشرك الله معنا، يا عليّ قد بلوتك وخبرتك في النصيحة والطاعة والخدمة والتوقير والقيام بما يجب عليك، فلو قلت إنّي لم أرَ مثلك لرجوت أن أكون صادقاً فجزاك الله جنّات الفردوس نزلاً فما خفي عليّ مقامك ولا خدمتك في الحرّ والبرد في الليل والنهار فأسأل الله إذا جمع الخلائق للقيامة أن يحبوك برحمة تغتبط بها إنّه سميع الدّعاء)(4).

1- (اسحق) بن ابراهيم الحضيني لقي الرضا (عليه السلام).

2- (ابراهيم) بن محمد الهمداني(5) لحقه أيضا.

3- (ابراهيم) بن داود(6) اليعقوبي.

4- (ابراهيم) بن مهرويه من أهل جسر بابل.

5- (أحمد) بن محمد بن أبي نصر(7) البزنطي من أصحاب الرضا (عليه السلام).

6- (أحمد) بن محمد بن عيسى الأشعري من أصحاب الرضا (عليه السلام).

7- (أحمد) بن محمد بن عبيد الله الاشعري.

8- (أحمد) بن محمد بن خالد(8).

9- (أحمد) بن حماد.

10- (إدريس) القمي يكنى أبا القاسم.

وللموضوع تتمة.


والسلام .

الصقرالأشقر غير متصل  

قديم 06-02-03, 08:46 PM   #4

الصقرالأشقر
عضو نشيط

 
الصورة الرمزية الصقرالأشقر  






رايق

يتبع


الله اكبر شعاري .

اتابع معكم الموضوع .

وصلت الى مسيرته عليه السلام .

سيرته وسنته

مناقب محمد بن علي الجواد (عليهما السلام)


• قال ابن الصبّاغ المالكي: (وأمّا مناقبه فما اتّسعت حلبات مجالها، ولا امتدت أوقات آجالها، بل قضت الأقدار الإلهيّة بقلّة بقائه في الدنيا بحكمها وأسجالها، فقلّ في الدنيا مقامه، وعجّل القدوم عليه لزيارته حمامه، فلم تطل بها مدّته ولا امتدت فيها أيامه، غير أنّ الله تعالى خصّه بمنقبة متألّقة في مطالع التعظيم، بارقة أنوارها، مرتفعة في معارج التفصيل قيمة أقدارها، بادية لأبصار ذوي البصائر، بيّنة منارها، هادية لعقول أهل المعرفة آية آثارها وهي وإن ك انت صورتها واحدة فمعانيها كثيرة، وصيغتها وإن كانت صغيرة فدلالتها كبيرة وهي أنّ هذا أبو جعفر محمد بن علي، عليه وعلى آبائه السلام)(1).


• روى الكليني بإسناده عن أحمد بن زكريا الصيدلاني عن رجل من بني حنيفة من أهل بست(2) وسجستان(3), قال: (رافقت أبا جعفر (عليه السلام) في السنة التي حجّ فيها في أول خلافة المعتصم فقلت له ـ وأنا معه على المائدة وهناك جماعة من أولياء السلطان ـ: إنّ والينا جعلت فداك رجلٌ يتولاّكم أهل البيت ويحبّكم وعليّ في ديوانه خراج، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إليه كتاباً بالإحسان إليّ فقال لي: لا أعرفه، فقلت: جعلت فداك إنّه على ما قلت من محبّيكم أهل البيت وكتابك ينفعني عنده فأخذ القرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد: فإنّ موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً، وإن ما لك من عملك ما أحسنت فيه فأحسن إلى إخوانك، واعلم أنّ الله عز وجل سائلك عن مثاقيل الذرّ والخردل، قال: فلما وردت سجستان سبق الخبر إلى الحسين بن عبد الله النيسابوري، وهو الوالي فاستقبلني على فرسخين من المدينة فدفعت إليه الكتاب فقبّله ووضعه على عينيه ثم قال لي: ما حاجتك؟ فقلت: خراج عليّ في ديوانك قال: فأمر بطرحه عنّي وقال لي: لا تؤدّ خراجاً ما دام لي عمل، ثم سألني عن عيالي فأخبرته بمبلغهم فأمر لي ولهم بما يقوتنا وفضلاً فما أدّيت في عمله خراجاً ما دام حيّاً ولا قطع عنّي صلة حتى مات)(4).

كرامات الإمام محمد بن عليّ الجواد (عليهما السلام)


• قال الشبلنجي: (نقل غير واحد أن والده علياً الرضا لما توفّي وقدم بغداد المأمون بعد وفاته بسنة اتفق أن المأمون خرج يوماً يتصيّد فاجتاز بطريق البلد، وثمّ صبيان يلعبون ومحمد الجواد واقف عندهم، فلما أقبل المأمون فرّ الصبيان ووقف محمد، وعمره إذ ذاك تسع سنين فلمّا قرب منه الخليفة نظر إليه فألقى الله في قلبه حبّه فقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف كأصحابك؟ فقال له محمد مسرعاً: يا أمير المؤمنين، لم يكن بالطريق ضيق فأوسعه لك، وليس لي جرم فأخشاك، والظن بك حسن أنك لا تضرّ من لا ذنب له، فأعجبه كلامه وحسن صورته، فقال له: ما اسمك واسم أبيك؟ فقال: محمد بن علي الرضا فترحّم على أبيه وساق جواده إلى مقصده وكان معه بزاة الصيد فلما بعد عن العمران أرسل بازاً على دراجة فغاب عنه ثم عاد من الجواد وفي منقاره سمكة صغيرة فيها بقايا الحياة فتعجّب من ذلك غاية العجب ورجع فرأى الصبيان على حالهم ومحمد عندهم ففرّوا إلا محمداً فدنا منه، وقال له: يا محمد ما في يدي؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكاً صغاراً تصيده بازات الملوك والخلفاء كي يختبر بها سلالة بني المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كرامة فقال له: أنت ابن الرضا حقاً وأخذه معه وأحسن إليه وقرّبه وبالغ في إكرامه ولم يزل مشغوفاً به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عقله وظهور برهانه مع صغر سنّه) (5).


• روى ابن الصبّاغ عن أبي خالد قال: (كنت بالعسكر فبلغني أن هناك رجلاً محبوساً أتي به من الشام مكبّلاً بالحديد، وقالوا إنه تنبّأ، فأتيت باب السجن ودفعت شيئاً للسجّان، حتى دخلت عليه فإذا برجل ذا فهم وعقل ولبّ، فقلت: يا هذا ما قصتك؟ قال: إني كنت رجلاً بالشام أعبد الله تعالى في الموضع الذي يقال أنه نصب فيه راس الحسين (عليه السلام)، فبينما أنا ذات يوم في موضعي مقبل على المحراب أذكر الله إذ رأيت شخصاً بين يدي فنظرت إليه فقال: قم، فقمت معه فمشى قليلاً فإذا أنا في مسجد الكوفة فقال لي: تعرف هذا المسجد؟ قلت: نعم هذا مسجد الكوفة، قال: فصلّى، فصلّيت معه، ثم خرج، فخرجت معه، فمشى قليلاً فإذا نحن بمكة المشرفة فطاف بالبيت فطفت معه، ثم خرج فخرجت معه فمشى قليلاً فإذا أنا بموضعي الذي كنت في بالشام، ثم غاب عنّي فبقيت متعجّباً ممّا رأيت فلما كان في العام المقبل وإذا بذلك الشخص قد أقبل عليّ فاستبشرت به فدعاني فأجبته ففعل بي كما فعل بي بالعام الماضي فلما أراد مفارقتي قلت له: سألتك بحثّ الذي أقدرك على ما رأيت منك إلاّ ما أخبرتني من أنت؟ فقال: أنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فحدثت بعض من كان يجتمع لي بذلك فرفع ذلك إلى محمد بن عبد الملك الزيّات فبعث إليّ من أخذني من موضعي وكبّلني بالحديد، وحملني إلى العرق وحبسني كما ترى وادّعى عليّ بالمحال قلت له: فأرفع عنك قصّة إلى محمد بن عبد الملك الزيّات، قال: افعل فكتبت عنه قصة وشرحت فيها أمره ورفعتها إلى محمد بن عبد الملك، فوقّع على طهرها: قل للذي أخرجك من الشام إلى هذه المواضع التي ذكرتها يخرجك من السجن الذي أنت فيه، فقال ابن خالد: فاغتممت لذلك وسقط في يدي، وقلت: إلى غد آتيه وآمره بالصبر وأعده من الله بالفرج وأخبره بمقالة هذا الرجل المتجبّر، قال: فلما كان من الغد باكرت السجن فإذا أنا بالحرس والجند وأصحاب لاسجن وناس كثير في همرجة فسألت: ما الخبر؟ فقيل لي: إن الرجل المتنبئ المحمول من الشام فقد البارحة من السجن وحده بمفرده وأصبحت قيوده والأغلال التي كانت في عنقه مرميّ بها في السجن لا ندري كيف خلص منها، وطلب فلم يوجد له أثر ولا خبر، ولا يدرون أغمس في الماء أم عرج به إلى السماء، فتعجّبت من ذلك، وقلت: استخفاف ابن الزيّات بأمره واستهزاؤه بما وقع به على قصته، خلّصه من السجن)(6).


• قال ابن الصبّاغ: (وحكي أنه لما توجّه أبو جعفر منصرفاً من بغداد إلى المدينة الشريفة خرج معه الناس يشيّعونه للوداع فسار إلى أن وصل إلى باب الكوفة عند دار المسيّب فنزل هناك مع غروب الشمس ودخل إلى مسجد قديم مؤسس بذلك الموضع ليصلّي فيه المغرب وكان في صحن المسجد شجرة نبق لم تحمل قط فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل الشجرة وقام يصلّي فصلّى معه الناس المغرب فقرأ في الأولى الحمد وإذا جاء نصر الله والفتح، وقرأ في الثانية بالحمد وقل هو الله أحد، ثم بعد فرغه جلس هيئة يذكر الله تعالى وقام فتنفّل بأربع ركعات وسجد بعدهنّ سجدتي الشكر، ثمّ قام فوادع الناس وانصرف فأصبحت النبقة وقد جحملت من ليلتها حملاً حسناً فرآها الناس وقد تعدّبوا من ذلك غاية العجب ثم ما كان هو أغرب وأعجب من ذلك أن نبقة هذه الشجرة لم يكن لها عجم فزاد تعجّبهم من ذلك أكثر وأكثر، وهذا من بعض كراماته الجليلة ومناقبه والجميلة)(7).


• قال الشيخ محمود الشيخاني القادري الشافعي: (ومن كراماته أنه كان يطوى له الأرض فيصلّي في يوم واحدٍ بمكّة والمدينة والشام والعراق)(8).


• روى المفيد بإسناده عن محمد بن عليّ الهاشمي قال: (دخلت على أبي جعفر بن محمد بن علي (عليهما السلام) صبيحة عرسه ببنت المأمون وكنت تناولت من الليل دواء فأوّل من دخل عليه في صبيحته أنا وقد أصابني العطش وكرهت أن أدعو بالماء فنظر أبو جعفر (عليه السلام) في وجهي وقال: أراك عطشان، قلت: أجل قال: يا غلام اسقنا ماءً، فقلت في نفسي: الساعة يأتونه بماءٍ مسمومٍ واغتممت لذلك فأقبل الغلام ومعه الماء فتبسّم في وجهي ثم قال: يا غلام ناولني الماء فتناول الماء فشرب، ثم ناولني فشربت وأطلت عنده فعطشت فدعا بالماء ففعل كما فعل في المرّة الأولى فشرب ثم ناولني وتبسّم، قال محمد بن حمزة: فقال لي محمد بن علي الهاشمي: والله إني أظنّ أن أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما يقول الرّافضة)(9).


• وروى بإسناده عن المطرفي قال: (مضى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) ولي عليه أربعة آلاف درهم لم يكن يعرفها غيري وغيره فأرسل إليّ أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان في غد فائتني فأتيته من الغد، فقال لي: مضى أبو الحسن (عليه السلام) ولك عليه أربعة آلاف درهم قلت: نعم فرفع المصلّى الذي كان تحته فإذا تحته دنانير فدفعها إليّ فكان قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم)(10).


• وروى بإسناده عن معلّى بن محمد، قال: (خرج عليّ أبو جعفر (عليه السلام) حدثان موت أبيه فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابنا فقعد ثم قال: يا معلّى، إن الله احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة فقال: ﴿وآتيناه الحكم صبيّاً﴾(11).


• وروى بإسناده عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: (دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت عليّ فاغتممت فتناول إحداها، وقال: هذه رقعة ريّان بن شبيب، ثم تناول الثانية، فقال: هذه رقعة فلان، فقلت: نعم فبهتّ أنظر إليه فتبسّم وأخذ الثالثة فقال: هذه رقعة فلان. فقلت: نعم جعلت فداك فأعطاني ثلاثمائة دينار، وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمّه وقال: أما أنه سيقول لك: دلّني على حريف يشتري لي بها متاعاً فدلّه عليه، قال: فأتيته بالدنانير، فقال لي: يا أبا هاشم دلّني على حريف يشتري لي متاعاً؟ فقلت: نعم(12).


• وقال: قال أبو هاشم: (ودخلت معه ذات يوم بستاناً فقلت له: جعلت فداك إنّي مولع بأكل الطّين فادع الله لي فسكت، ثم قال لي بعد أيام ابتداءً منه: يا أبا هاشم قد أذهب الله عنك أكل الطين قال أبو هاشم: فما شيء أبغض إليّ منه اليوم)(13).


• روى ابن شهر آشوب عن حسن بن علي: (أنّ رجلاً جاء إلى التقيّ (عليه السلام) وقال: أدركني يابن رسول الله فإن أبي قد مات فجأة وكان له ألفا دينار، ولست أصل إليه ولي عيال كثير فقال: إذا صلّيت العتمة فصلِّ على محمد وآله مائة مرّة ليخبرك به، فلما فرغ الرجل من ذلك رأى أباه يشير إليه بالمال، فلما أخذه قال: يا بنيّ اذهب به إلى الإمام وأخبره بقصّتي فإنه أمرني بذلك فلما انتبه الرجل أخذ المال وأتى أبا جعفر وقال: الحمد لله الذي أكرمك واصطفاك.


• وفي رواية ابن اسباط: وهو إذ ذاك خماسي، إلاّ أنه لم يذكر موت والده)(14).

هجرة الإمام الجواد (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد


للإمام الجواد (عليه السلام) هجرتان: الأولى: بعدما استشهد الإمام الرضا (عليه السلام) بسمّ المأمون في طوس، ودفن في قبّة هارون الرشيد، ذهب المأمون إلى بغداد ودخلها سنة 204هـ وكان الناس يلومونه ويقولون: احتال المأمون بطلبه الرضا (عليه السلام) إلى مرو وهو الذي دسّ في سمّه وقتله مظلوماً.

استشار المأمون حاشيته لتمويه ما قالوه فأشاروا عليه بطلب ابن الرضا محمد بن عليّ من المدينة إلى بغداد، فكتب المأمون إليه وأشخصه إلى بغداد.

قال المسعودي: (فحمله وأنزله بالقرب من داره(15) ودخل عليه حسين المكاري فلما رأى طيب حاله قال في نفسه: لا يرجع أبداً إلى موطنه، فقال (عليه السلام): خبز شعير، وملح جريش وحرم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحبّ إليّ مما ترى)(16).


• قال الشيخ المفيد: (وكان المأمون قد شغف بأبي جعفر (عليه السلام) لما رأى من فضله مع صغر سنّه وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان فزوّجه ابنته أمّ الفضل وحملها معه إلى المدينة وكان متوفّراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره)(17).


• قال المسعودي: (في السنة التي خرج فيها المأمون إلى (البديدون) من بلاد الرّوم، خرج (عليه السلام) بأمّ الفضل حاجّاً إلى مكّة)(18).


• قال الرّاوندي: (لمّا خرج بزوجته أمّ الفضل من عند المأمون ووصل شارع الكوفة وانتهى إلى دار المسيّب عند غروب الشمس دخل المسجد وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد فدعا بكوز فتوضّأ في أصلها وقام فصلّى بالناس صلاة المغرب فرأ في الأولى: الحمد، وإذا جاء نصر الله، وفي الثانية: الحمد، وقل هو الله أحد، فلمّا سلم جلس هنيئة وقام من غير أن يعقب تعقيباً تامّاً فصلّى النوافل الأربع وعقّب بعدها وسجد سجدتي الشكر فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس قد حملت حملاً حسناً فأكلوا منها فوجدوا نبقاً لا عجم له حلواً)(19).

هجرته الثانية إلى بغداد


لما بويع المعتصم بعد أخيه المأمون بالبديدون وانصرف إلى بغداد كن لا يزال يتتبّع أحوال الإمام محمد بن علي الجواد حتى كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيّات أن ينقذه إليه مع زوجته أمّ الفضل بنت المأمون أرسل ابن الزيّات علي بن يقطين إليه فتجهّز من المدينة إلى بغداد ووردها ليلة الثامن والعشرين من الحرّم، سنة عشرين ومائتين، وأقام بها عشرة أشهر، وسمّه المعتصم في آخر ذي القعدة سنة عشرين ومائتين، وفي هذه المدة قاسى من المعتصم ما قاسى.


• روى الراوندي: (إنّ المعتصم دعا جماعة من وزرائه فقال: اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) زوراً، وكتبوا كتاباً أنه أراد أن يخرج ثم دعاه فقال له: إنّك أردت أن تخرج عليّ فقال: والله ما فعلت شيئاً من ذلك، قال: فإنّ فلاناً وفلاناً شهدوا عليك بذلك فاحضروا فقالوا: نعم هذه الكتب أخذناها من بعض غلمانك، قال: وكان جالساً في بهو(20) فرفع أبو جعفر الثاني يده وقال: اللهمّ إن كانوا كذبوا عليّ فخذهم قال: فنظرنا إلى ذلك البهو كيف يرجف ويذهب يجيء، وكلّما قام منّا واحد وقع فقال المعتصم: يا بن رسول الله إنّي تائب ممّا قلت فادع ربّك أن يسكنه، فقال: اللهمّ سكّنه إنّك تعلم أنّهم أعداؤك وأعدائي فسكن)(21).


• روى الشيخ المفيد بإسناده عن إسماعيل بن مهران، قال: (لمّا خرج أبو جعفر من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك، إنّي أخاف عليك في هذا الوجه فإلى من الأمر بعدك؟ قال: فكرّ إليّ بوجهه ضاحكاً وقال لي: ليس حيث كما ظننت في هذه السنة، فلما استدعي به إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته ثم التفت إليّ فقال: عند هذه يخاف عليّ، الأمر من بعدي إلى ابني عليّ)(22).

عصره عليه السلام .
عصره


عاصر الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام)، خليفتين عباسيين، والخليفة الذي عاش الإمام في عهده ظروفاً هادئةً، هو المأمون العباسي.

ومعروف أن المأمون قام بالتقرب إلى العلويين وإلى سيدهم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، بسبب الضغط الجماهيري الذي تعرض له النظام العباسي حيث تميز عهده بسلسلة من الثورات والانتفاضات في كافة أرجاء الدولة الإسلامية.

• ويقول بعض المؤرخين: أن المأمون العباسي كان شيعياً، وكان يذهب إلى أحقية أولاد الإمام علي (عليه السلام) بالخلافة، وإلى إمامة الإمام علي (عليه السلام)، ولكننا لا نرى ذلك في المأمون العباسي لأن ذلك شرف لا يستحقه خليفة غاصب.

يبقى أن نعرف أنه بعد استشهاد الإمام الرضا (عليه السلام) على يد المأمون، أصبح محمد بن علي الجواد (عليه السلام) الإمام الشرعي للرساليين، ومعروف أن الإمام الجواد (عليه السلام) صاهر المأمون العباسي.

ونتساءل لماذا أقدم الإمام الجواد (عليه السلام) على الزواج من بنت المأمون العباسي؟

ولكي نعرف الإجابة عن مثل هذا السؤال لابدّ أن نلقي نظرة على الحركة الرسالية التي كان الأئمة (عليهم السلام) يقودونها ويوسعونها، في عصر الإمام الرضا ونجله الإمام الجواد (عليه السلام).

في عهد المأمون تحوَّلت الحركة الرسالية إلى حركة تستطيع أن تتداخل مع النظام وتستفيد من مظلته أو حتى تكوّن ما يسمى اليوم بحكومة ائتلافية، مع أي دولة من الدول، والأئمة (عليهم السلام) كانوا يقبلون بالحماية من قبل الدولة بدون أن يفقدوا رسالتهم.

والأئمة المعصومون(عليهم السلام) لم يحلوا حركتهم، أي أنهم لم يقبلوا بالخلافة ولم يشتركوا فيها، والدليل على ذلك موقف الإمام الرضا من ولاية العهد حيث قبلها بشرط عدم التدخل في شؤون النظام.

أما الإمام الجواد (عليه السلام) فحينما خطب ابنة المأمون وتزوجها، أصبح صهر الخليفة واستفاد من ذلك لأجل رسالته فماذا يعني أن يصبح شخص صهراً للخليفة؟

إن من يدخل البلاط يمكن أن يصير والياً على منطقة، أو حاكماً على بلد، أو قاضي القضاة لا أقل، ولكن الإمام الجواد لم يفعل شيئاً من ذلك، بل أخذ بيد زوجته وذهب إلى المدينة وبقي هناك حتى مات المأمون العباسي.

فماذا كسب الإمام (عليه السلام) من هذه المصاهرة؟

كسب الإمام الجواد (عليه السلام) بهذا العمل أمرين:

- أولاً: منع المأمون من أن يقوم بعملية اغتياله، وذلك بقبوله الزواج من ابنته.

- ثانياً: جعل مخالب السلطة وأنيابها في قفص الحركة الرسالية، وذلك أن المأمون ما كان ليجرؤ بعد ذلك على أن يقوم بالفتك برجالات الحركة ومجموعاتها.

ولقد كان هذا الأسلوب متبعاً في كثير من عصور الأئمة (عليهم السلام)، وخير شاهد على ذلك قصة علي بن يقطين بن موسى البغدادي الذي كان بمثابة مستشار للخليفة المهدي العباسي، ثم صار في رتبة الوزير لهارون الرشيد، وعندما حصل على هذا المنصب وكان اتجاهه رسالياً، جاء إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال: (يا بن رسول الله أنا صرت عوناً لهذا الطاغية) وأراد أن يستقيل.

ومعروف أن الذي يحصل على هذا المركز ذلك اليوم يسيطر على مرافق أكبر دولة في العالم. فطلب منه الإمام أن يظل في عمله، ويستمر في أداء مهامه الرسالية ويبقى في بلاط هارون، وعاود الطلب من الإمام بأن يأذن له بترك السلطة إلاّ أن الإمام لم يأذن له، ولقد كانت أعماله كبيرة بالنسبة للحركة، حتى أن الإمام أبا الحسن (عليه السلام) قال فيه عندما دخل عليه داود الرقي، في يوم النحر: (ما عرض في قلبي أحد وأنا على الموقف إلاّ علي بن يقطين، فإنه ما زال معي وما فارقني حتى أفضت)(1).

عصر المعتصم العباسي


والإمام الجواد (عليه السلام) عاصر خليفة من الخلفاء الذين أثروا تأثيراً مباشراً على زوال الدولة العباسية، وهو المعتصم العباسي.

المعتصم العباسي كان ابن أمة تركية، فمال إلى أخواله فكان يحب جمع الأتراك وشراءهم من أيدي مواليهم، فاجتمع له منهم أربعة آلاف، وألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة والحلي المذهبة وأبانهم عن سائر الجنود(2).

ثم وسمهم رتباً قيادية في الجيش حتى أنه ثارت ثائرة العسكريين العرب في الجيش، فلقد حاول (عجيف) أن يقلب الحكم على المعتصم ليولّي العباس بن المأمون، ولكن هذه المحاولة أخفقت وقتله المعتصم.

والأتراك حينما جاءوا إلى البلاد الإسلامية أخذوا شيئاً فشيئاً يسيطرون على الحكم ويجردون الخلفاء من سلطتهم الحقيقة، وأخذوا يحدثون الانقلابات العسكرية (كما نسميها الآن).

حتى وصل بهم الأمر إلى أنه إذا مال عنهم خليفة عباسي، فإنهم كانوا يقتلونه غيلة، ثم ينصبون رجلاً آخر من البيت العباسي مكانه، فابتداءً من المتوكل إلى المستعين إلى المهتدي وانتهاءً بالمقتدر، كل هؤلاء قتلوا بواسطة القادة العسكريين الأتراك.

وهكذا كانوا يقومون بالخلع والقتل لأي خليفة لم تتجاوب أهواؤه مع أهوائهم، وليس ذلك لشيء في تركيبة العنصر التركي، وإنما نتيجة للحالة المتردية التي وصل إليها المجتمع الإسلامي من الانحلال والفساد الخلقي الشامل.

والإمام الجواد (عليه السلام) استفاد من هذا الوضع في تغذية الحركات الرسالية التي كانت تضع جنينها للمستقبل، وفي هذا الوقت كانت الثورة التي قام بها محمد بن القاسم بن علي الطالبي تقلق السلطة ولا تدعها تعيش في هدوء وسكينة.

نموذج من الثورة العلوية


لقد كانت ثورة محمد بن القاسم بن علي بن عمر ابن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) أبرز ثورة في عهد الإمام الجواد (عليه السلام).

كان محمد بن القاسم جليل القدر إذا ما قرأنا يوميات جهاده. كانت العامة تلقبه بالصوفي، لأنه كان يدمن لبس الصوف الأبيض الخشن، وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد.

كان قد ذهب إلى (مرو) في مقاطعة خراسان، وكان معه من الكوفيين بضعة رجال، وذلك بعد أن رحل من الكوفة، وكان قبل ذلك قد خرج إلى ناحية الرقة، ومعه جماعة من وجوه الزيدية، منهم يحيى بن الحسن بن الفرات، وعبّاد بن يعقوب الرواجني، والزيدية كانت تشكل القاعدة للكثير من الثورات.


• روى إبراهيم بن عبد العطّار: (كنا معه، فتفرقنا في الناس ندعوهم إليه، فلم نلبث إلاّ يسيراً حتى استجاب له أربعون ألفاً، وأخذنا عليهم البيعة، وكنا أنزلناه في رستاق من رساتيق مرو، وأهله شيعية كلهم، فأحلوه في قلعة لا يبلغها الطير في جبل حريز)(3).

ومرة سمع بكاء في (مرو) فندب أحد أصحابه ليرى ما هذا البكاء، فجاءه بخبر أن أحد الذين بايعوه قد كان غصب شيئاً من أحد الرجال، فأصلح بينهما، فقال محمد لصاحبه إبراهيم: (يا إبراهيم أبمثل هذا ينصر دين الله؟ ثم قال: فرقوا الناس عني حتى أرى رأيي).

فانتخب الصالحين من الذين بايعوه ثم سار بهم، وهذا نموذج من طبيعة الثورات الرسالية إذ أنها لم تكن تبيح أية وسيلة في سبيل الوصول إلى الهدف، بل مثلما يكون الهدف هو إقامة حكم الله عز وجل، يجب أن تكون الوسيلة أيضاً مرضية من قبل الله تعالى.

وهذا كان يربي المجتمع على عشق المثل العليا، والمبادئ السامية، وبعدما نُقي أصحابه، ساروا إلى الطالقان.


• ويروي إبراهيم صاحبه:

(ورحل محمد بن القاسم من وقته إلى الطالقان، وبينها وبين مرو أربعين فرسخاً، فنزلها وتفرقنا ندعو الناس فاجتمع عليه عالم، وجئنا إليه، فقلنا له: إن أتممت أمرك، وخرجت فنابذت القوم، رجونا أن ينصرك الله، فإذا ظفرت اخترت حينئذ من ترضاه من جندك، وإن فعلت كما فعلت بمرو - يقصد اختيار الصالحين فقط - أخذ عبد الله بن طاهر يعقبك، وهكذا أراد صاحبه (إبراهيم) أن يثنيه عن إبعاد الذين ليسوا بملتزمين جيداً عن جيش الثورة). ولكن محمد بن القاسم أبى ذلك، ودخل محمد بن القاسم مع عبد الله بن طاهر في حروب كثيرة وكان يلحق به شرَّ الهزائم.

ومرة هدأت صولات الحرب بينهما، فسارع عبد الله بن طاهر بإرسال كل جيوشه مقسمة في فرق ضمن خطة ماكرة جداً، وقال ابن طاهر لقائد جيوشه وهو إبراهيم بن غسان بن فرج العودي:

(قد جرَّدت لك ألف فارس من نخبة عسكري، وأمرت أن يحمل معك مائة ألف درهم تصرفها فيما تحتاج إلى صرفها من أمورك، وخذ من خيلي ثلاثة أفراس نجيبة معك تنتقل عليها، وخذ بين يديك دليلاً قد رسمته لصحبتك فادفع إليه من المال ألف درهم، واحمله على فرس من الثلاثة فليركض بين يديك، فإذا صرت على فرسخ واحد من (نسا)، (وهي المدينة التي يتواجد فيها محمد بن القاسم) فافضض الكتاب، واقرأه واعمل بما فيه ولا تغادر منه حرفاً، ولا تخالف مما رسمته شيئاً واعلم أن لي عيناً في جملة من صحبك يخبرني بأنفاسك، فأحذر ثم أحذر وأنت أعلم).

وهذا يبين مدى خوف ابن طاهر من أن يكون هذا القائد يميل إلى صف محمد بن القاسم، فلقد كان ذلك شيئاً طبيعياً لأن نفوس الناس كانت مع الحركة الثورية، ولكن السلطات كانت تجلب وتسخّر الناس في ضرب الحركة الرسالية مرة بالتهديد ومرة بالإغراء ومرة بالإفساد ومرات بأساليبها المختلفة حتى أن ابن طاهر يقول: جعلت عيوناً عليك يرقبون أنفاسك.

فسار قائده إلى (نسا) وقبل أن يصل بفرسخ فتح كتاب ابن طاهر وإذا فيه الخطة كاملة، والبيت الذي يسكن فيه محمد بن القاسم، وصاحبه أبو تراب، ويأمره فيه أن يستوثقهما بالحديد، استيثاقاً شديداً، وأن ينفذ خاتمه مع خاتم محمد بن القاسم أول ما يظفر به، وقبل أن يعود خطوة واحدة لكي يطمئن، وعلى الذي يرسلهما معه أن يركض بهما ركضاً، ثم يكتب إليه شرح ما حدث. (وكن على غاية التحرز والتحفظ والتيقظ من أمره حتى تصير به وصاحبه إلى حضرتي).

نجحت الخطة وحمل محمد بن القاسم مع صاحبه أبو تراب إلى ابن طاهر في نيسابور، فجاء ابن طاهر ليراهما فقال لقائده:

(ويحك يا إبراهيم أما خفت الله في فعلك - يقصد القيود الثقيلة جداً التي وضعها على محمد وصاحبه - أتقيد هذا الرجل الصالح بمثل هذا القيد الثقيل؟).

فقال إبراهيم العودي (قائده):

(أيها الأمير خوفك أنساني خوف الله ووعدك الذي قدمته إليّ أذهل عقلي عما سواه).

وكانا يتكلمان من فوق سطح يطل على الغرفة المسجون بها محمد بن القاسم في نيسابور.

فقال ابن طاهر: خفف هذا الحديد كله عنه، وقيِّده بقيد خفيف في حلقه رطل وليكن عموده طويلاً، وحلقتاه واسعتين ليخطو فيه، وفي فترة سجن محمد بن القاسم طلب قرآناً يتدارس فيه.

وكان عبد الله بن طاهر يخرج من إصطبله بغالاً عليها القباب ليوهم الناس أنه قد أخرجه، ثم يردّها حتى استتر بنيسابور، سلّه في جوف الليل، وخرج به مع إبراهيم العودي ووافى به الري، وقد أمره عبد الله بن طاهر أن يفعل به كما فعل هو، يخرج في كل ثلاث ليال ومعه بغل عليه قبة، ومعه جيش حتى يجوز الري بفرسخ، ثم يعود إلى أن يمكنه سلّه، ففعل ذلك خوفاً من أن يغلب عليه لكثرة من أجاب محمد بن القاسم بالبيعة له، حتى أخرجه من الري ولم يعلم به أحد، ثم اتبعه حتى أورده بغداد على المعتصم.

وقد سمع المعتصم بمسير محمد إلى بغداد، فأرسل إلى طاهر العودي أن انزع العمامة من عليه واجعله حاسراً وانزع رداء قبة البغل ليكون على البغل حاسراً، ثم أدخله بغداد.

وكان يريد بذلك تعذيب محمد نفسياً والحط من كرامته، وقد ازدحم الناس ازدحاماً شديداً على الطرقات حين إدخال محمد بن القاسم إلى بغداد، ثم أدخل على المعتصم في مجلس اللهو والشراب.

وقيل: وجعلت الفراعنة يحملون على العامة ويرمونهم بالقذر والمعتصم يضحك، ومحمد بن القاسم يسبّح ويستغفر الله ويحرك شفتيه يدعو عليهم، والمعتصم جالس يشرب، ومحمد واقف إلى أن انتهى من لعبه فأمر بسجنه.

وما دبّر محمد بن القاسم حيلة ذكية للهروب، ثم توارى عن الأنظار في بغداد ثم إلى واسط، وقد شَدَّ وسطه للوهن الذي أصاب فقار ظهره عند عملية هروبه. وظل محمد مختفياً بعد ذلك إلى نهاية عهدَي المعتصم ومحمد الواثق، ثم بعض أيام المتوكل، وقيل أنه أخذ إليه فحمل إلى السجن حتى مات فيه.

ولكن ماذا فعل خلال فترة تواريه عن الأنظار وهي ليست بالفترة القليلة؟ هذا ما أجابت عليه الثورات العديدة التي قامت بعد ذلك في عهد المتوكل، والمستعين وما بعده من الخلفاء، التي لم تدع الخليفة يلعب ويلهو براحة.

وفي واسط سكن محمد بيتاً يعود إلى أم ابن عمه علي بن الحسن بن علي بن عمر ابن الإمام زين العابدين (عليه السلام) وكانت عجوزاً مقعدة، فلما نظرت إليه وثبت فرحاً وقالت: (محمد والله، فدتك نفسي وأهلي، الحمد الله على سلامتك) فقامت على رجلها وما قامت قبل ذلك بسنين.

وقال إبراهيم العودي، قائد جيوش ابن طاهر يصف محمداً:

ما رأيت قط أشدّ اجتهاداً منه، ولا أعف، ولا أكثر ذكراً لله عز وجل مع شدة نفس، واجتماع وما أظهر من جزع ولا انكسار ولا خضوع في عقبة حلوان أراد الركوب، فجاء بعض أصحاب إبراهيم بن غسان العودي، فطأطأ له ظهره، حتى ركب في المحمل على البغل، فلما استوى على المحمل قال للذي على ظهره مازحاً: (أتأخذ أرزاق بني العباس وتخدم بني علي بن أبي طالب؟ وتبسم).

وقال: عرضوا على محمد بن القاسم كل شيء نفيس من مال وجواهر وغير ذلك، فلم يقبل إلاّ مصحفاً جامعاً كان لابن طاهر فلمّا قبله، سُر عبد الله بن طاهر بذلك، وإنما قبله لأن كان يدرس فيه.

ووجود شخصية ثورية مثل محمد وثورة مثل ثورته تدلان على أن الحركة الرسالية لم تتوقف يوماً ما عن مسيرتها، وأنها لا يمكن أن تميل عن استقامتها التي كانت معهودة بها، وهاتان ميزتان موجودتان في طول الثورات التي قامت بها الحركة الرسالية.

بجانب وضع السلطة المتأزم ومن عهد الإمام الجواد (عليه السلام) بدأت مسيرة ذات كيفية خاصة للثورات وطبيعتها، ووضع الحركة الرسالية في أيام الإمام الجواد كان جيداً، وإذا كان أحرج وقت مرّ على الحركة الرسالية هو في أيام الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، فإن أحسن الأوقات كانت في عهد الإمام الجواد (عليه السلام)، وربما لذلك جاء في الحديث المأثور عن ابن أسباط وعبّاد بن إسماعيل:

(أنا لَعند الرضا (عليه السلام) بمنى إذ جيء بأبي جعفر (عليه السلام) قلنا: هذا المولود المبارك؟ قال: نعم هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام أعظم بركة منه)(4).

وروى أبو يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) فجيء بابنه أبي جعفر (عليه السلام) وهو صغير فقال: (هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم على شيعتنا بركة منه).

والبركة التي حصلت للحركة الرسالية بولادة الإمام الجواد (عليه السلام) ليست في ارتفاع الإرهاب والاختناق السياسي عنهم فقط بل وأهم من ذلك في تجذر الرسالة عقيدة وفكراً وسياسةً وفقهاً.

اصحابه عليه السلام .
أصحابه وتلاميذه


قبض أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة 203 وانتقلت الإمامة إلى ولده أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام).

واستفاد منه العلماء والفقهاء من تلامذة جدّه وأبيه غيرهم لأنّهم سمعوا من جدّه أبي جعفر محمد بن علي الباب (عليهم السلام) قال: (إنّ العلم يتوارث ولا يموت عالم إلاّ وترك من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله)(1).


• قال البرقي: (من أدركه من أصحاب أبي الحسن الأول ـ موسى بن جعفر (عليه السلام) ـ أبو عبد الله محمد بن خالد البرقي القمّي.

ومن أدركه من أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، وهم عشرة ذكر أسماءهم، وأمّا أصحابه الذين استفادوا منه ستّة وخمسون شخصاً)(2).

وذكر أسماءهم على حسب حروف التهجّي الشيخ الطّوسي في رجاله(3).

منهم: عليّ بن مهزيار الأهوازي الذي كتب إليه أبو جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام) بخطّه، بسم الله الرحمن الرحيم: يا عليّ أحسن الله جزاك وأسكنك جنّته ومنعك من الخزي في الدنيا والآخرة وحشرك الله معنا، يا عليّ قد بلوتك وخبرتك في النصيحة والطاعة والخدمة والتوقير والقيام بما يجب عليك، فلو قلت إنّي لم أرَ مثلك لرجوت أن أكون صادقاً فجزاك الله جنّات الفردوس نزلاً فما خفي عليّ مقامك ولا خدمتك في الحرّ والبرد في الليل والنهار فأسأل الله إذا جمع الخلائق للقيامة أن يحبوك برحمة تغتبط بها إنّه سميع الدّعاء)(4).

1- (اسحق) بن ابراهيم الحضيني لقي الرضا (عليه السلام).

2- (ابراهيم) بن محمد الهمداني(5) لحقه أيضا.

3- (ابراهيم) بن داود(6) اليعقوبي.

4- (ابراهيم) بن مهرويه من أهل جسر بابل.

5- (أحمد) بن محمد بن أبي نصر(7) البزنطي من أصحاب الرضا (عليه السلام).

6- (أحمد) بن محمد بن عيسى الأشعري من أصحاب الرضا (عليه السلام).

7- (أحمد) بن محمد بن عبيد الله الاشعري.

8- (أحمد) بن محمد بن خالد(8).

9- (أحمد) بن حماد.

10- (إدريس) القمي يكنى أبا القاسم.

وللموضوع تتمة.


والسلام .

الصقرالأشقر غير متصل  

قديم 06-02-03, 09:14 PM   #5

الصقرالأشقر
عضو نشيط

 
الصورة الرمزية الصقرالأشقر  






رايق

يتبع


الله اكبر شعاري .

وصلت لان الى علمه عليه السلام .

علمه


بلغ (سلام الله عليه) في العلم والعقل والكمال والفضل والآداب والحكم ورفعة المنزلة ما لم يساوه أحد من أهل زمانه.

وكيف لا، وهو من الأئمّة الذين جعلهم الله ولاة أمره وخزنة علمه. قال جدّه أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (والله إنّا لخزّان الله في سمائه وأرضه لا على ذهب ولا على فضّةٍ إلاّ على علمه)(1).

وهو من الراسخين في العلم الذين تحدّث عنهم أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) فقال: (نحن الرّاسخون في العلم ونحن نعلم تأويله)(2).

وهو من الذين لولاهم ما عبد الله الذين دعوا العباد إلى توحيده وطاعته وفيهم يقول أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إنّ الله عزّ وجلّ خلقنا فأحسن خلقنا وصوّرنا فأحسن صورنا، وجعلنا خزّانه في سمائه وأرضه، ولنا نطقت الشجرة، وبعبادتنا عُبد الله عزّ وجلّ، ولولانا ما عبد الله)(3).

وهو من الذين جعلهم الله خلفاءه في أرضه حيث قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): (الأئمة خلفاء الله عز وجل في أرضه)(4).


• قال الشيخ حسين بن عبد الوهاب ـ من علماء القرن الخامس الهجري ـ: (لما قبض الرضا (عليه السلام) كان سنّ أبي جعفر نحو سبع سنين فاختلفت الكلمة من الناس ببغداد وفي الأمصار، واجتمع الريّان بن الصّلت وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وعبد الرحمان بن الحجاج ويونس بن عبد الرحمان، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمان بن الحجّاج في بركة زلول يبكون ويتوجّعون من المصيبة، فقال لهم يونس بن عبد الرحمان: دعوا البكاء، من لهذا الأمر؟ وإلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا؟ يعني أبا جعفر (عليه السلام).

فقام إليه السريّان بن الصلت، ووضع يده في حلقه، ولم يزل يلطمه، ويقول له: أنت تظهر الإيمان لنا وتبطن الشكّ والشّرك، إن كان أمره من الله جلّ وعلا فلو أنّه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر ألف سنة فهو واحدٌ من الناس، هذا ممّا ينبغي أن يفكّر فيه، فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبّخه. وكان وقت الموسم فاجتمع من فقهاء بغداد والأمصار وعلمائهم ثمانون رجلاً، فخرجوا إلى الحجّ وقصدوا المدينة ليشاهدوا أبا جعفر (عليه السلام) فلمّا وافوا أتوا دار جعفر الصادق (عليه السلام) لأنّها كانت فارغة ودخلوها وجلسوا على بساط كبير وخرج إليهم عبد الله بن موسى فجلس في صدر المجلس وقام منادٍ وقال: هذا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فمن أراد السؤال فليسأله فسئل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب فورد على الشيعة ما حيّرهم وغمّهم واضطربت الفقهاء وقاموا وهمّوا بالانصراف وقالوا في أنفسهم: لو كان أبو جعفر (عليه السلام) يكمل جواب المسائل لما كان من عبد الله ما كان ومن الجواب بغير الجواب.

ففتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفّق وقال: هذا أبو جعفر، فقاموا إليه بأجمعهم واستقبلوه وسلّموا عليه فدخل (صلوات الله عليه) وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين وفي رجليه نعلان وجلس وأمسك الناس كلّهم، فقام صاحب المسألة فسأله عن مسائله فأجاب عنها بالحقّ ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه وقالوا له: إنّ عمّك عبد الله أفتى بكيت وكيت، فقال: لا إله إلاّ الله يا عمّ إنّه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه فيقول لك: لِمَ تفتي عبادي بما لم تعلم، وفي الأمّة من هو أعلم منك؟)(5).


• قال ابن شهر آشوب: (لما مضى الرضا (عليه السلام) جاء محمد بن جمهور العمي، والحسن بن راشد، وعلي بن مدرك، وعلي بن مهزيار، وخلق كثير من سائر البلدان إلى المدينة وسألوا عن الخلف بعد الرضا (عليه السلام) فقالوا: بصريا وهي قرية أسّسها موسى بن جعفر (عليه السلام) على ثلاثة أميال من المدينة فجئنا ودخلنا القصر فإذا الناس فيه متكابسون فجلسنا معهم إذ خرج علينا عبد الله بن موسى وهو شيخ فقال الناس: هذا صاحبنا، فقال الفقهاء: قد روينا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) أنه لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين وليس هذا صاحبنا، فجاء حتى جلس في صدر المجلس فقال رجل: ما تقول أعزّك الله في رجل أتى حماراً فقال: تقطع يده ويضرب الحدّ ويُنفى من الأرض سنة ثمّ قالم إليه آخر، فقال: ما تقول أصلحك الله في رجل طلّق امرأته عدد نجوم السماء؟ قال: بانت منه بصدر الجوزاء والنسر الطائر والنسر الواقع، فتحيّرنا في جرأته على الخطأ، إذ خرج علينا أبو جعفر وهو ابن ثمان سنين فقمنا إليه فسلّم على الناس وقام عبد الله بن موسى من مجلسه، فجلس بين يديه وجلس أبو جعفر في صدر المجلس ثم قال: سلموا رحمكم الله.

فقام إليه الرجل الأوّل وقال: ما تقول أصلحك الله في رجل أتى حمارة؟ قال: يضرب دون الحدّ ويقوّم ثمنها ويحرم ظهرها ونتاجها وتخرج إلى البريّة حتى تأتي عليها منيتها سبع أكلها ذئبٌ أكلها.

ثم قال بعد كلام: يا هذا، ذلك الرجل ينبش عن ميتة فيسرق كفنها ويفجر بها يوجب عليه القطع بالسرقة والحدّ بالزنا والنّفي إذا كان عزباً، فلو كان محصناً لوجب عليه القتل والرّجم فقال الرجل الثاني: يا بن رسول الله، ما تقول في رجل طلّق امرأته عدد نجوم السماء؟ قال: تقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: اقرأ سورة الطلاق إلى قوله: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ يا هذا، لا طلاق إلاّ بخمس: شهادة شاهدين عدلين، في طهر من غير جماع، بإرادة عزم، ثمّ قال بعد كلام: يا هذا هل ترى في القرآن عدد نجوم السماء؟ قال: لا)(6).


• وفي رواية البحراني: (قام إليه صاحب المسألة الأولى فقال: يا بن رسول الله ما تقول في من قال لامرأته أنتِ طالق بعدد نجوم السماء؟ فقال له: يا هذا اقرأ كتاب الله قال الله تبارك وتعالى: ﴿الطّلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ في الثالثة، قال فإنّ عمّك أفتاني بكيت وكيت فقال: يا عمّ اتّق الله ولا تفتِ وفي الأمة من هو أعلم منك.

فقام إليه صاحب المسألة الثانية فقال: يا بن رسول الله رجل أتى بهيمة فقال: يعزّر ويحمى ظهر البهيمة وتخرج من البلد لا يبقى على الرجل عارها فقال: عمّك أفتاني بكيت وكيت، فالتفت وقال بأعلى صوته: لا إله إلاّ الله يا عبد الله إنه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يدي الله فيقول الله لك: لِمَ أفتيت عبادي بما لا تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك، فقال عبد الله بن موسى: رأيت أخي الرضا (عليه السلام) وقد أجاب في هذه المسألة بهذا الجواب، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): إنّما سئل الرضا (عليه السلام) عن نبّاش نبش امرأة ففجر بها وخذ ثيابها فأفتى بقطعه للسرقة، وجلده للزنا، ونفيه للمثلة)(7).


• وروى الحسين بن عبد الوهّاب عن عمر بن فرج الرخجي(8) قال: قلت لأبي جعفر: إنّ شيعتك تدّعي أنّك تعلم كلّ ماء في دجلة ووزنه؟ وكنّا على شاطئ دجلة فقال (عليه السلام) لي: يقدر الله تعالى أن يفوّض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه أم لا؟ قلت: نعم يقدر. فقال: أنا أكرم على الله تعالى من بعوضة ومن أكثر خلقه)(9).


• قال الحافظ البرسي: (روي عنه أنّه جيء به إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد موت أبيه الرضا (عليه السلام) وهو طفل، فجاء إلى المنبر ورقي منه درجة، ثم نطق فقال: (أنا محمد بن علي الرضا أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب، أنا أعلم بسرايركم فظواهركم وما أنتم صائرون إليه، علم منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين. وبعد فناء السماوات والأرضين، ولولا تظاهر أهل الباطن ودولة أهل الضلال ووثوب أهل الشكّ، لقلت قولاً تعجب منه الأوّلون والآخرون ثم وضع يده الشريفة على فيه وقال: يا محمد اصمت كما صمت آباؤك من قبل)(10).


• روى الطّبري الإمامي بإسناده عن أبي جعفر بن علي بن الشلمغاني، قال: حجّ إسحاق بن إسماعيل في السنة التي خرجت الجماعة إلى أبي جعفر، قال إسحاق: فعددت له في رقعة عشر مسائل لأسأله عنها، وكان لي حمل فقلت إذا أجابني عن مسائلي سألته أن يدعو الله لي أن يجعله ذكراً فلمّا سأله الناس قمت والرقعة معي لأسأله عن مسائلي فلمّا نظر إليّ قال: يا هبا يعقوب سمّه أحمد فولد لي ذكر وسمّيته أحمد فعاش مدّة ومات)(11).


• قال الشيخ محمود الشيخاني: (وقع لبعض الخلفاء أنّه لما مرض نذر على نفسه إن وهب الله له العافية أن يتصدّق بمال كثير مبهماً فعوفي، فأحضر الفقهاء واستفتاهم عن مقدار مال كثير، فكلٌّ قال شيئاً فقال محمد الجواد: إن كنت نويت الدنانير فتصدّق بثمانين دنياراً، أو الدراهم، فتصدّق بثمانين درهماً، فقال الفقهاء: ما نعرف هذا في الكتاب ولا السنّة، فقال محمد الجواد: بلى قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَركُمُ الله في مواطِنَ كثيرةٍ﴾ والنصر من أقسام العافية، فعدّوا وقائع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإذا هي ثمانين)(12).


عبادته عليه السلام .
روى السيد البحراني بإسناده عن علي بن مهزيار، قال: (رأيت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) ليلة الزيارة طاف طواف النساء وصلّى خلف المقام ثم دخل زمزم فاستقى منها بيده بالدلو الذي يلي الحجر وشرب منه وصبّ على بعض جسده ثم اطلع في زمزم مرّتين)(1).


• وروي عنه قال: (رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يمشي بعد يوم النّحر حتى يرمي الجمرة ثم ينصرف راكباً وكنت أراه ماشياً بعد ما يحاذي المسجد بمنى قال: وحدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن الحسن بن صالح عن بعض أصحابه قال: نزل أبو جعفر (عليه السلام) فوق المسجد بمنى قليلاً عن دابّته حتى توجّه يرمي الجمرة عند مضرب علي بن الحسين (عليه السلام)، فقلت له: جعلت فداك لِمَ نزلت هاهنا؟ فقال: إن هذا مضرب علي بن الحسين ومضرب بني هاشم وأنا أحبّ أن أمشي في منازل بني هاشم)(2).


• ومن مناجاته (عليه السلام) في طلب الحجّ: (اللهمّ ارزقني الحجّ الذي افترضته على من استطاع إليه سبيلاً واجعل لي فيه بُعد المسالك وأعنّي على تأدية المناسك وحرّمْ بإحرامي على النار جسدي وزد للسّفر قوّتي وجلدي وارزقني ربّ الوقوف بين يديك والإفاضة إليك وأظفرني بالنّجح بوافر الربح وأصدرني ربّ من موقف الحجّ الأكبر إلى مزدلفة المشعر واجعلها زلفةً إلى رحمتك وطريقاً إلى جنّتك وقفني موقف المشعر الحرام ومقام وقوف الإحرام وأهّلني لتأدية المناسك ونحر الهدي المتوامك بدمٍ يثجّ وأوداجٍ تمجّ وإراقةِ الدماء المسفوحة والهدايا المذبوحة وفري أوداجها على ما أمرت والتنفّل بها كما رسمت وأحضرني، اللهمّ صلاة العيد راجياً للوَعْدِ خائفاً من الوعيد حالقاً شعر رأسي ومقصراً ومجتهداً في طاعتك مستمرّاً رامياً للجمار بسبع بعد سبع مِن الأحجار وأدخلني اللهمّ عَرْصَةَ بيتِك وعفوتك ومحلّ أمنك وكعبتك مشاكيك وسؤالك ومماديحك وجُدّ عليّ اللهمّ بوافر الأجر من الانكفاء والنّفر والأجر واختم اللهمّ مناسك حجّي وانقضاء عجّي بقبولٍ منك ورأفةٍ منك بي يا أرحم الراحمين)(3).


• ومن مناجاته (عليه السلام) بكشف الظلم: (اللهمّ إنّ ظلم عبادك قد تمكّن في بلادك حتى أمات العدل وقطع السّبل ومحق الحقّ وأبطل الصدق وأخفى البرّ وأظهر الشرّ وأخمد التّقوى وأزال الهدى وأزاح الخير وأثبت الضّير وأنْمى الفساد وقوّى العناد وبسَط الجور وعدّى الطّور.

اللهمّ يا ربّ لا يكشف ذلك إلاّ سلطانك ولا يجير منه إلاّ امتنانك، اللهمّ ربّ فابتر الظّلم وبثّ جبال العشم واخمد سوق المنكر وأعزّ من عنه ينزجر واحصد شأفة أهل الجور وألبسهم الجور بعد الكور، وعجّل اللهمّ إليهم البيات وأنزل عليهم المثلات وأمت حياة المنكرات ليؤمن المخوف ويسكن الملهوف ويشبع الجائع ويحفظ الضائع ويأوى الطريد ويعود الشريد ويغنى الفقير ويجار المستجير ويوقّر الكبير ويرحمم الصغير ويعزّ المظلوم ويذلّ الظالم ويفرّج المغموم وتنفرج الغمّاء وتسكن الدهماء ويموت الاختلاف ويعلو العلم ويشمل السّلم ويجمع الشّتات ويقوى الإيمان ويُتلى القرآن إنّك أنتَ الديّان المنعم المنّان)(4).

ادعيته عليه السلام .

أدعيته


وأدعية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كنز نفيس في التوحيد والعقائد، وسفر جليل حافل بالأخلاق والعرفان، ومنهل عذب يفيض بالكمال والآداب.

والدعاء عند أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وسيلة من وسائلهم الكثيرة للنهوض المجتمع وتوجيهه نحو المولى جل شأنه، والارتفاع به إلى الملكوت الأعلى؛ وفي هذا الباب بعض ما أثر عن الإمام أبي جعفر الجواد (عليه السلام) من الأدعية:


1- من دعاء له (عليه السلام):

(يا من لا شبيه له ولا مثال، أنت الله لا إله إلى أنت، ولا خالق إلا أنت. تفني المخلوقين وتبقى أنت، حلمت عمن عصاك، وفي المغفرة رضاك)(1).


2- من دعاء له (عليه السلام) في القنوت:

منائحك متتابعة، وأياديك متوالية، ونعمك سابغة وشكرنا قصير، وحمدنا يسير، وأنت بالتعطف على من اعترف جدير. اللهم وقد غص أهل الحق بالريق، وارتبك أهل الصدق في المضيق وأنت اللهم بعبادك وذوي الرغبة إليك شفيق، وبإجابة دعائهم وتعجيل الفرج عنهم حقيق. اللهم فصل على محمد وآل محمد، وبادرنا منك بالعون الذي لا خذلان بعده، والنصر الذي لا باطل يتكأده، وأتح لنا من لدنك متاحا فياحاً، يأمن فيه وليك، ويخيب فيه عدوك، ويقام فيه معالمك، ويظهر فيها أوامرك وتنكف فيه عوادي أعدائك. اللهم بادرنا منك بدار الرحمة وبادر أعدائك من بأسك بدار النقمة، اللهم أعنّا وأغثنا، وارفع نقمتك عنا وحلها بالقوم الظالمين)(2).

حكمه عليه السلام .

هذه روائع من حكم الإمام (عليه السلام) ونصائحه وتوجيهاته، وهي على قصرها مشتملة على فنون المعارف والأخلاق والآداب والدعوة إلى الله سبحانه، والحث على إكتساب الفضائل، ولقد احتوت على معادن سامية قصرت عنها الكتب المطولة، وجدير بنا اليوم أن نأخذ هذه الحكم والنصائح للعمل والتطبيق، وان نجعلها منهاجاً ننهجه في حياتنا العملية، ونظاما نسير على هداه في طريقنا الطويل.

نعود لنسجل بعض ما ورد من هذه الحكم:


1- قال (عليه السلام): تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على الله هلكة، والإصرار على الذنب أمن لمكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

وقال (عليه السلام): المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه.


2- وقال (عليه السلام): كيف يضيع من الله كافله، وكيف ينجو من الله طالبه؟ ومن انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح(1).


3- وقال (عليه السلام): القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال.


4- وقال (عليه السلام): من أطاع هواه أعطى عدوه مناه.


مكاتبيه عليه السلام .

يطالعنا في هذا الباب نموذج جديد من كلام الإمام (عليه السلام)، الذي أودعه في رسائله وكتبه إلى شيعته، فقد كتب (عليه السلام) رسائل كثيرة لبعض وجوه المسلمين في الأقطار الإسلامية، كما كتب لآخرين في مناسبات أخرى؛ وهذه الرسائل وسيلة من وسائله (عليه السلام) الكثيرة التي كان يسلكها في الدعوة إلى الله تعالى، والعمل بأحكامه والرجوع إلى سبيله.

نسجل منها:


1- روي أنه حمل له حمل بزّ(1) له قيمة كثيرة فسلب في الطريق، فكتب إليه الذي حمله يعرفه الخبر.

فوقع بخطه: إن أنفسنا وأموالنا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، يمتع ما يمتع منها في سرور وغبطة، ويأخذ من أخذ منها في أجر وحسبة، فمن غلب جزعه على صبره حبط أجره، وأعوذ بالله من ذلك(2).


2- من كتاب له (عليه السلام) إلى بعض أوليائه:

أما هذه الدنيا فإنا فيها معترفون، ولكن من كان هواه هوى صاحبه، ودان بدينه فهو معه حيث كان، والآخرة هي دار القرار(3).

وصاياه عليه السلام .
وليس الغرض من ذكر وصايا الأئمة (عليهم السلام) هو القراءة أو الحفظ، بل يجب أن تكون القراءة من أجل التطبيق، والحفظ من أجل العمل، وبغير هذا يكون الموضوع اشغالا لا طائل منه، وجهدا ضائعاً لا فائدة فيه، ولا نجد أنفسنا بحاجة إلى الاستدلال بان العمل بوصايا الائمة (عليهم السلام) تفيدنا السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة، فنحن متفقون على ذلك، ومتسالمون عليه، بقي علينا شئ واحد: هو أن نقسر أنفسنا على الأخذ بهذه الوصايا، والعمل بموجبها، ومن الله نسال التوفيق.

نذكر بعض وصايا الإمام أبي جعفر الجواد (عليه السلام):


1- قال له رجل اوصني:

قال: او تقبل؟

قال: نعم.

فقال (عليه السلام): توسد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، وعلم انك لن تخلو من عين الله، فانظر كيف تكون(1).


2- من وصية له (عليه السلام):

اياك ومصاحبة الشرير، فإنه كالسيف المسلول، يحسن منظره، ويقبح أثره(2).

مناظراته عليه السلام .

اختلفت الأدوار التي مرت على كل واحد من الائمة (عليهم السلام) شدة ولينا، لإختلاف سيرة الحاكمين معهم، فالإمام موسى الكاظم (عليه السلام) قضى فترة من عمره الشريف في سجون هارون الرشيد، والإمام الرضا (عليه السلام) صار ولي عهد المأمون.

وكما أنها اختلفت من حيث سلوك الحاكمين معهم كذلك اختلفت في سلوك الناس معهم، ثم اختلفت أيضاً في ماهية الأسئلة والمناظرات التي واجهت كل واحد منهم (عليهم السلام).

فالإمام الصادق (عليه السلام) شهد موجة الحادية شديدة يتزعمها نفر من الملاحدة، فتصدى (عليه السلام) للقضاء عليها، فقد اجتمع بهؤلاء مراراً كاشفاً لشبهاتهم، منيراً لهم الطريق، وأملى على تلميذه المفضل بن عمر فصولا في التوحيد، تلاقفها العلماء من ذلك الوقت وحتى اليوم بالإكبار والاهتمام والشروح.

والامام الرضا (عليه السلام) تصدى لعلماء الأديان، أهل الملل والنحل، فكانت له معهم مناظرات طويلة، استجاب بعض هؤلاء لنداء الحق، ودخل في الاسلام. وقد أوقفناك على بعض تلك المناظرات في الباب السابق.

وللإمام الجواد (عليه السلام) دور آخر، فقد استاء العباسيون من مكانته عند المأمون وتزويجه له من ابنته، كما أن كبار العلماء والقضاة المعاصرين له حسدوه لما بلغهم من علمه وهو لم يزل في العقد الأول من عمره.

واجتمع هؤلاء وهؤلاء على مناظرته في الفقه والحديث وغير ذلك، آملين أن يبدو عجزه عن الإجابة فيتضعضع مركزه عند المأمون وأهل المملكة، وجماهير المسلمين الذين انشغفوا بعلمه.

لقد خابت آمال هؤلاء فقد خرج (عليه السلام) من هذا الاختبار مرفوع الرأس، وبقيت مناظراته حديث الأجيال خلال القرون الطويلة، تتعطر بذكرها المحافل والأندية.

نقدم في هذا الباب قبساً مما ورد من مناظراته (عليه السلام):


1- لما عزم المأمون أن يزوج أبا جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) بانته أم الفضل، اجتمع اليه أهل بيته الأدنون منه فقالوا: يا أمير المؤمنين ناشدناك أن تخرج عنا أمراً ملكناه، وتنزع عنا عزاً قد لبسناه، وتعلم الأمر الذي بيننا وبين آل علي قديماً وحديثاً.

فقال المأمون: امسكوا والله لا قبلت من واحد منكم في أمره.

فقالوا: يا أمير المؤمنين أتزوج ابنتك وقرة عينك صبياً لم يتفقه في دين الله، ولا يعرف حلاله من حرامه ولا فرضاً من سنة –ولأبي جعفر إذ ذاك تسع سنين – فلو صبرت له حتى يتأدب ويقرأ القرآن، ويعرف الحلال من الحرام

فقال المأمون: إنه لأفقه منكم، وأعلم بالله ورسوله وسنته وأحكامه، وأقرأ لكتاب الله منكم، وأعلمه بمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وتنزيله وتأويله منكم فاسألوه، فان كان الامر كما وصفتم قبلت منكم، وان كان الأمر على ما وصفت علمت أن الرجل خلف منكم.

فخرجوا من عنده وبعثوا إلى يحيى بن أكثم وهو يومئذ قاضي القضاة، فجعلوا حاجتهم اليه، وأطمعوه في هدايا على أن يحتال على أبي جعفر بمسألة في الفقه لا يدري ما الجواب فيها.

فلما حضروا وحضر أبو جعفر قالوا: يا أمير المؤمنين هذا القاضي إن أذنت له أن يسأل.

فقال المأمون: يا يحيى سل أبا جعفر عن مسألة في الفقه لتنظر كيف فقهه.

فقال يحيى: يا أبا جعفر أصلحك الله ما تقول في محرم قتل صيداً؟

فقال أبو جعفر: قتله في حل أم حرم، عالماً أو جاهلاً، عمداً أو خطأً، عبدا أو حراً، صغيراً أو كبيراً، مبدءاً أو معيداً، من ذوات الطير أو غيره، من صغار الطير أو كباره، مصراً أو نادماً، بالليل في أوكارها أو بالنهار عيانا، محرما للحج أو للعمرة؟

فانقطع يحيى انقطاعا لم يخف على أحد من أهل المجلس انقطاعه، وتحير الناس عجبا من جواب أبي جعفر.

فقال المأمون: اخطب يا أبا جعفر.

فقال: نعم يا أمير المؤمنين الحمد لله إقراراً بنعمته إلخ.

فلما تفرق أكثر الناس.

فقال المأمون: يا أبا جعفر إن رأيت أن تعرفنا ما يجب على كل صنف من الأصناف في قتل الصيد؟

فقال: نعم، إن المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ، وكان الصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، فان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً؛ وان قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم، فليس عليه القيمة، لأنه ليس في الحرم، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ؛ وإن كان من الوحش فعليه في حمار الوحش بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، فان لم يقدر فإطعام ستين مسكينا، فان لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوما؛ وإن كان بقرة فعليه بقرة، فان لم يقدر فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يقدر فليصم تسعة أيام؛ وان كان ظبيا فعليه شاة، فان لم يقدر فليطعم عشرة مساكين، فان لم يجد فليصم ثلاثة أيام، وإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة حقا واجبا أن ينجزه إن كان في حج بمنى حيث ينحر الناس، وان كان في عمرة ينجزه بمكة في فناء الكعبة، ويتصدق بمثل ثمنه حتى يكون مضاعفاً؛ وكذلك إذا أصاب أرنباً أو ثعلباً فعليه شاة، ويتصدق بمثل ثمن شاة، وان قتل حماماً من حمام الحرم فعليه درهم يتصدق به،ودرهم يشتري علفاً لحمام الحرم، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم، وكلما أتى به المحرم بجهالة أو خطأ فلا شئ عليه إلا الصيد، فان عليه فيه الفداء بجهالة كان أم بعلم، بخطأ كان أم بعمد؛ وكلما أتى به العبد فكفارته على صاحبه، مثل ما يلزم صاحبه؛ وكلما أتى به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شئ عليه، فان عاد فهو ممن ينتقم الله منه، وان دل على الصيد وهو محرم وقتل الصيد، فعليه الفداء، والمصر عليه يلزمه بعد الفداء العقوبة في الآخرة، والنادم لا شئ عليه بعد الفداء في الآخرة، وان أصابه ليلا في أوكارها خطأ فلا شئ عليه، إلا أن يتصيد، فان تصيد بليل أو نهار فعليه فيه الفداء، والمحرم للحج ينجز الفداء بمكة.

فأمر أن يكتب ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام)، ثم التفت إلى أهل بيته الذين أنكروا تزويجه فقال: هل فيكم من يجيب هذا الجواب؟

قالوا: لا والله، ولا القاضي يا أمير المؤمنين، كنت أعلم به منا.

قال: ويحكم أما علمتهم أن أهل هذا البت ليسوا خلقاً من هذا الخلق؟

أما علمتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بايع الحسن والحسين وهما صبيان ولم يبايع غيرهما طفلين؟

أولم تعلموا أن أباهم علياً آمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ابن تسع سنين، فقبل الله ورسوله إيمانه ولم يقبل من طفل غيره، ولا دعا رسول الله طفلاً غيره؟

أولم تعلموا أنها ذرية بعضها من بعض، فجرى لآخرهم ما يجري لأولهم؟

ثم سأل (ع) يحيى فقال:

يا أبا محمد ما تقول في رجل حرمت عليه امرأة بالغداة، وحلت له ارتفاع النهار، وحرمت عليه نصف النهار، ثم حلت له الظهر، ثم حرمت عليه العصر ثم حلت له المغرب، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له الفجر، ثم حرمت عليه ارتفاع النهار، ثم حلت له نصف النهار.

فبقي يحيى والفقهاء بلساً خرساً.

فقال المأمون: يا أبا جعفر اعزك الله بين لنا هذا.

قال: هذا رجل نظر إلى مملوكة لا تحل له، اشتراها فحلت له، ثم اعتقها فحرمت عليه، ثم تزوجها فحلت له، فظاهر منها فحرمت عليه، فكفر الظهار فحلت له، ثم طلقها تطليقة فحرمت عليه، ثم راجعها فحلت له، فارتد عن الاسلام فحرمت عليه، فتاب ورجع إلى الإسلام فحلت له بالنكاح الأول، كما اقر رسول الله نكاح زينب مع أبي العاص بن الربيع، على النكاح الأول(1).

احتجاج الإمام الجواد (عليه السلام)


• قال ريّان بن شبيب: (لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) بلغ ذلك العبّاسيّين فغلظ عليهم ذلك واستنكروا منه وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا (عليه السلام) فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا: ننشدك الله، يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا (عليه السلام)، فإنّا نخاف أن يخرج به عنّا أمر قد ملكناه الله وينتزع منّا عزّاً قد ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت، وكفانا الله المهم من ذلك فالله الله أن تردّنا إلى غم قد تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره، فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكان أولى بكم، وأمّا ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعاً للرحم، وأعوذ بالله من ذلك، ووالله ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه من نفسي فأبى وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

وأمّا أبو جعفر محمد بن علي، فقد أخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه فيعلموا أن الرأي ما رأيت، فقالوا: إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنّه صبيّ لا معرفة له ولا فقه فأمهله ليتأدّب ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.

فقال لهم: ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ هذا من أهل بيت علمهم من الله تعالى ومراده وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرّعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت لكم من حاله. قالوا: لقد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه فخلّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في حقّه وظهر للخاصة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين فيه وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه، فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك متى أردتم.

فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم ـ وهو يومئذٍ قاضي الزّمان ـ على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوماً للاجتماع فأجابهم إلى ذلك، واجتمعوا في اليوم الذي اتّفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن أكثم وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر (عليه السلام) وهو يومئذٍ ابن تسع سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، فقام الناس في مراتبهم والمأمون جالسٌ في دست متّصل بدست أبي جعفر (عليه السلام).

فقال يحيى بن أكثم للمأمون: تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسال أبا جعفر عن مسألة؟

فقال المأمون: استأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): سل إن شئت.

فقال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيداً.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأً؟ حرّاً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الكير كان الصّيد أم من غيرها؟ من صغار الصّيد أم من كباره؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصّيد أم بالنهار؟ محرماً كان للعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟

فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس عجزه.

فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثمّ نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه، ثمّ أقبل إلى أبي جعفر فقال له: أتخطب يا أبا جعفر؟

قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال له المأمون: اخطب لنفسك جعلت فداك، فقد رضيت لنفسي وأنا مزوّجك أمّ الفضل ابنتي وإن رغم أنوف قوم لذلك.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): الحمد لله إقراراً بنعمته، ولا إله إلاّ الله إخلاصاً لوحدانيّته، وصلّى الله على سيّد بريّته والأصفياء من عترته، أمّا بعد: فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال سبحانه: ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله مِنْ فَضْلِهِ والله واسعٌ عليمٌ﴾(2).

ثمّ إنّ محمد بن علي بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد الله المأمون وقد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمد َ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو: (خمسمائة درهم) جياداً فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟

فقال المأمون: نعم قد زوّجتك يا أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على الصّداق المذكور، فهل قبلت النّكاح؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): نعم قد قبلت ذلك ورضيت به.

فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم من الخاصّة والعامّة.

قال الريّان: لم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه الملاّحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضّة تشدّ بالحبال من الأبريسم على عجلة مملوءة من الغالية، فأمر المأمون أن تخضب لحى الخاصة من تلك الغالية ففعلوا ذلك، ثمّ مدّت إلى دار العامة فتطيّبوا بها، ووضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت الجوائز إلى كلّ قومٍ على قدرهم.

فلمّا تفرّق الناس وبقي من الخاصة من بقي، قال المأمون لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إن رأيت أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ونستفيده.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): نعم إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ وكان الصيد من ذوات الطّير وكان من كبارها فعليه شاة. وإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللّبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة وإن كان نعامة فعليه بدنة وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم، فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة. وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحجّ نحره بمنى، وإذا كان إحرام بعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصّيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه، وعلى اليّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنّادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.

فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك؟

قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلاّ استفدته منك.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النّهار حلّت له. فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له فلمّا غابت الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له. ما حال هذه المرأة؟ وبما حلّت له وحرمت عليه؟

فقال له يحيى بن أكثم: لا والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه فإن رأيت أن تفيدنا؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذه أمة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبي في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له. فلمّا كان وقت المغرب ظاهَرَ منها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفر عن الظّهار فحلّت له، فلمّا كان نصف الليل طلّقها تطليقة واحدة فحرمت عليه فلمَا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.

قال: فأقبل المأمون على من حضر من أهل بيته وقال لهم: هل فيكم من يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب؟ أو يعرف القول فيما تقدّم من السؤال؟

قالوا: لا والله إنّ أمير المؤمنين أعلم بما رأى. فقال: ويحكم إنّ أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإنّ صغر السنّ لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وهو ابن عشر سنين وقبل منه الإسلام وحكم له به ولم يدع أحداً في سنه غيره وبايع الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما دون الستّ سنين ولم يبايع صبيّاً غيرهما؟ أو لا تعلمون الآن ما اختصّ الله به هؤلاء القوم وأنّهم ذرّية بعضها من بعض يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم.

قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين، ثمّ نهض القوم فلمّا كان من الغد حضر الناس وحضر أبو جعفر (عليه السلام) وصار القواد والحجاب والخاصّة والعمّال لتهنئة المأمون وأبي جعفر (عليه السلام) فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضّة فيها بنادق مسك وزعفران معجون في أجواف تلك البنادق ورقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنية واقطاعات، فأمر المأمون بنشرها على القوم من خاصّته فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرّقعة التي فيها والتمسه فأطلق له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القواد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، وتقدّم المأمون بالصدقة على كافة المساكين ولم يزل مكرماً لأبي جعفر (عليه السلام) معظماً لقدره مدّة حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته)(3).

يتبع في الحلقه القادمه .

والسلام.

الصقرالأشقر غير متصل  

 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

قوانين وضوابط المنتدى
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ردود على شبهات حول الشيعة ملاك القلوب منتدى الثقافة الإسلامية 2 19-07-11 03:27 AM
حلقات دورةتربية النفس بالاخلاق المهدوية .. نور قلبي علي منتدى الثقافة الإسلامية 9 22-06-08 07:52 PM
جدول المجالس الحسينية لموسم عاشوراء 1429هـ الجود منتدى سيد الشهداء عليه السلام 8 09-01-08 04:46 PM
الامام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) اسير منتدى أفراح وأحزان آل البيت عليهم السلام 5 28-03-03 08:26 AM

توثيق المعلومة ونسبتها إلى مصدرها أمر ضروري لحفظ حقوق الآخرين
المنتدى يستخدم برنامج الفريق الأمني للحماية
مدونة نضال التقنية نسخ أحتياطي يومي للمنتدى TESTED DAILY فحص يومي ضد الإختراق المنتدى الرسمي لسيارة Cx-9
.:: جميع الحقوق محفوظة 2019م ::.
جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جزيرة تاروت 02:30 PM.


المواضيع المطروحة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك
 


Powered by: vBulletin Version 3.8.11
Copyright © 2013-2019 www.tarout.info
Jelsoft Enterprises Limited