.. ::: موقع جزيرة تاروت ::: ..
» بوابة الاقتصاد

  


مقال اليوم هو المقال الأخير في سلسلة مقالات هدفها الرد على اعتقاد شائع بأن على السعودية تخفيض الإنتاج وتجاهل مصالح الدول المستهلكة، وبذلك يمكن المحافظة على النفط للأجيال القادمة، وتحقيق إيرادات عالية بسبب ارتفاع أسعار النفط الناتج عن تخفيض الإنتاج. وتم الوصول في المقالات الماضية إلى نتيجة مفادها أن عمر النفط مرتبط بعمر الطلب عليه لا بعمر احتياطياته، وأن إطالة عمر الطلب على النفط تتطلب تسعيره سعرا يعظم منافع الجيل الحالي والأجيال القادمة. وتم إطلاق اسم ''السعر الأمثل'' على هذا السعر.

ولا يمكن تحقيق هذا السعر إلا إذا كان لدى السعودية طاقة إنتاجية فائضة تستخدم عند الحاجة إلى منع أسعار النفط من الارتفاع بشكل كبير. هذا يعني أن السعر الأمثل يتطلب قيام السعودية بزيادة الإنتاج في بعض الأحيان رغم عدم حاجة المملكة إلى أموال إضافية. واحتج البعض بالقول إن الطلب العالمي على النفط سيستمر في النمو بغض النظر عن سعر النفط، وأن الصين والهند ستستوردان النفط تحت أي ظرف وبأي سعر، لذلك فإن على السعودية تخفيض الإنتاج والاحتفاظ بالنفط للأجيال القادمة. وجاء مقال الأسبوع الماضي ليرد على هذا الرأي, وتمت الإشارة إلى احتمال انهيار الاقتصاد الصيني، الذي سيكون له آثار مدمرة في أسواق النفط العالمية. ومقال اليوم تتمة لمقال الأسبوع الماضي فيما يتعلق بالطلب على النفط في الصين.

 

ارتفاع الطلب مع ارتفاع أسعار النفط

يستدل المطالبون بتخفيض الإنتاج بحالة أوروبا وأمريكا والصين والهند بين عامي 2002 و2007 عندما ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، ومع ذلك استمرت اقتصادات هذه الدول في النمو، واستمرت دخول الأفراد في الزيادة. كما يستدلون بالوضع الحالي للصين والهند وكيف أن اقتصاديهما ينموان بشكل كبير في ظل أسعار نفط تعد ضعف مستواها التاريخي. هذه الحقائق جعلت بعضهم يعتقد أن عطش الصين للنفط يجعل نمو الطلب فيها على النفط يستمر بمعدلات عالية ويجعلها تدفع أي سعر له. لكن هؤلاء يتناسون حقائق مهمة وأسسا اقتصادية عديدة تتعلق بالارتباط الوثيق بين السياسات النقدية والمالية والقدرة على تحمل أسعار النفط.

الحقيقة الأولى أن الفترة بين 2002 و2007، وهي الفترة التي شهدت ارتفاع أسعار النفط ومعدلات النمو الاقتصادي معا، هي الفترة الوحيدة في التاريخ التي ارتفعت فيها أسعار النفط ومعدلات النمو الاقتصادي والإنفاق الاستهلاكي والاستثماري والإنفاق الحكومي وارتفعت فيه الدخول والتجارة العالمية، في الوقت الذي انخفضت فيه الضرائب وقيمة الدولار وأسعار الفائدة. هذا المزيج جعل السياسات النقدية والمالية التوسعية تمنع ارتفاع أسعار النفط من التأثير سلبا في النمو الاقتصادي. بعبارة أخرى، إن تبني سياسات نقدية ومالية تقشفية سيجعل أسعار النفط المرتفعة تؤثر سلبا في اقتصادات الدول المستهلكة، وسيؤدي إلى زيادة التضخم والبطالة وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي, وهذا بدوره سيؤدي إلى انخفاض كبير في الطلب على النفط.

الحقيقة الثانية أن الزيادة المستمرة في الإنفاق الحكومي في كل من الصين والهند، والزيادة في الدخول ما زالت أعلى من الزيادة في أسعار النفط، في الوقت الذي انخفضت فيه معدلات الفائدة إلى مستويات قياسية. هذه السياسات النقدية والمالية التوسعية تمنع أسعار النفط المرتفعة من التأثير في الاقتصاد. المشكلة أن أي تغيير لهذه السياسات في الاتجاه المعاكس سيجعل أسعار النفط تؤثر سلبا في النمو الاقتصادي في هذه الدول.

الحقيقة الثالثة أن أغلبية حكومات الدول الآسيوية، خاصة الصين، تمتلك فوائض مالية ضخمة تساعدها على الاستمرار في الإنفاق الحكومي وتحمل فاتورة واردات النفط العالية. لكن ماذا لو حصل العكس؟ وهل يمكن أن تستمر هذه الفوائض خلال 50 إلى 70 سنة المقبلة؟

الحقيقة الرابعة أن هذه الدول تستفيد من الدولار الضعيف الذي يستخدم في تسعير النفط, حيث إنه كلما انخفض الدولار أصبح النفط أرخص من وجهة نظرهم. ماذا لو تغير الوضع وارتفع الدولار أو انخفضت عملات هذه الدول؟

الحقيقة الخامسة أن للنمو حدودا, حيث إن البنية التحتية لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تتوسع بسرعة وبطرق تجعل الحياة سهلة للجميع. فكم من الأغنياء في لندن وباريس لا يتنقلون بسياراتهم الخاصة لماذا؟ إن نمو عدد السيارات في الشوارع الصينية لا يمكن أن يستمر بالمعدلات الحالية، ولو استمرت المعدلات الحالية فإنه سيأتي وقت لا توجد فيه طرق ومواقف لكل هذه السيارات.

ولنفترض أن كل الأمور ستبقى على حالها، ولنفترض استمرار الاستقرار السياسي والاقتصادي في الصين والهند وغيرها على مدار العقود المقبلة، ولنفترض أن السياسات النقدية والمالية التوسعية ستبقى أيضا، فإن المنطق يقول إن منحى الطلب على النفط في هذه الدول سيتبع منحى الطاقة، (الذي ذكر في مقال الأسبوع الماضي)، وسيستمر الطلب على النفط في الزيادة. لكن المنطق شيء، وقرارات السياسيين شيء آخر. فلا بد لأي دولة أن تتبع منحنى الطاقة, لأنه ليس هناك بديل للطاقة، لكن ليس من الضروري، لأسباب عدة، أن يتبع منحنى الطلب على النفط منحنى الطاقة. فمن الممكن أن يزيد الطلب على الطاقة بشكل كبير، لكن تبقى معدلات نمو الطلب على النفط ضعيفة بسبب تبني الحكومات بدائل مختلفة، كما هي الحال في الصين والهند الآن.

أخيرا، لا بد من تذكير الذين يطالبون بتخفيض إنتاج النفط، ورفع أسعار النفط إلى مستويات عالية، وتجاهل حاجة الدول المستهلكة، بأن يحددوا موقفهم من:

1- قيام الهند بتخفيض إنتاج الأرز، ورفع أسعاره بشكل كبير.

2- قيام سريلانكا بتخفيض إنتاج الشاي، ورفع أسعاره بشكل كبير.

3- قيام أستراليا بتقليص صادرات الأغنام إلى السعودية، ورفع أسعارها بشكل كبير.

4- قيام الدول الصناعية بتحديد عدد السيارات التي تدخل السعودية.

5- قيام الولايات المتحدة بالحد من صادرات الأدوية إلى السعودية.

خلاصة القول إن السعودية جزء من كل, فهي دولة من مجتمع دولي تعتمد عليه كثيرا في الوقت الذي يعتمد عليها هذا المجتمع. تبادل المصالح بهذا الشكل أفاد كلا من السعودية والمجتمع الدولي، وسيظل الأساس الذي سيعظم منافع الأجيال الحالية والقادمة. إن مصلحة السعودية تقتضي أن تتم إطالة عمر النفط إلى أطول فترة ممكنة، وهذا لا يتم إلا بتغيير الإنتاج بطرق تخدم السعودية والدول المستهلكة معا.

 

* المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الشركة التي يعمل فيها.

 

 


الاقتصادية

» التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!

أول موقع محلي عربي لجزيرة تاروت
على شبكة الإنترنت

Copyright © 1999 - 2012
www.tarout.info