.. ::: موقع جزيرة تاروت ::: ..
» شعر وأدب

  


يعتبر هذا الكتاب ( شعراء الموال في جزيرة تاروت ) من الكتب النادرة التي تناولت بحث ورصد هذا التراث الأدبي والفني في جزيرة تاروت خصوصاً .. وفي منطقة الخليج عموماً .. فرغم ان المؤلف وهو الأستاذ علي ابراهيم الدرورة يعترف ضمنياً بأنه لم يستوف كافة الجونب المتعلقة بهذا النوع المتميز من الشعر .. إلا انه بلا شك قد وفق في جمع بعض من شتاته المتناثر من هنا وهناك ، وبذل في ذلك جهوداً جبارة ومضنية للحصول على أكبر قدر

يعتبر هذا الكتاب ( شعراء الموال في جزيرة تاروت ) من الكتب النادرة التي تناولت بحث ورصد هذا التراث الأدبي والفني في جزيرة تاروت خصوصاً .. وفي منطقة الخليج عموماً .. فرغم ان المؤلف وهو الأستاذ علي ابراهيم الدرورة يعترف ضمنياً بأنه لم يستوف كافة الجونب المتعلقة بهذا النوع المتميز من الشعر .. إلا انه بلا شك قد وفق في جمع بعض من شتاته المتناثر من هنا وهناك ، وبذل في ذلك جهوداً جبارة ومضنية للحصول على أكبر قدر ممكن من معلوماته الضائعة ، وبرغم كل المعوقات والصعوبات التي واجهها أثناء بحثه وتقصيه .. وحتى أمكنه أن يخرج إلينا بهذا النتاج القيم الذي اقتصر فيه بتحديد حقبته الزمنية بنحو مائة وخمسين عاماً أي منذ عام ( 1258 - 1408 هـ ) .. ولا شك أنه جهد رائع يشكر عليه الشاعر الدرورة ، خاصة وإن طرح هذا اللون من التخصص النادر كما أشرت لا يزال في طي النسيان ولم يلق ذلك الصدى أو الإهتمام والمتابعة من قبل المهتمين بالشعر الشعبي وأدواته وفنونه المختلفة ، وبالقدر الذي يجعلنا نطمئن على بقائه والمحافظة على تراثه .

وأعتقد أن الكتاب برغم عدم شموليته ، وبرغم انه طبع في عام 1408 هـ ، مازال يعتبر كأحد المصادر الهامة والوحيدة حول رصد مثل هذه التجربة ولهذه النوعية المتميزة من الآداب والفنون الشعرية الأصيلة في منطقة القطيف خصوصاً والمنطقة الشرقية من المملكة عموماً التي تصدت لمثل هذه المحاولة .. ولا سيما وأن هذه المنطقة التي عرفت إبان حقبة ما قبل ظهور النفط بازدهار أعمال الغوص وتجارة اللؤلؤ تعتبر كأهم وأبرز العناصر التي نما وانتعش فيها هذا اللون الفني والشعري من الأدب ، حيث ان تلك الفترة كما أشار إليها المؤلف تعتبر الفترة الذهبية لثراءه بحق..

وقبل ان نتابع موجزاً ملخصاً لأهم محتويات هذا الكتاب نتعرف من خلال هذه الأسطر القليلة على مؤلفه الأستاذ الشاعر علي الدرورة ، وهو أحد أبناء جزيرة تاروت، تلقي تعليمه الأولي بها  ثم التحق بأرامكو السعودية .. كما أن له نشاطاً أدبياً وثقافياً في بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية .. ومن بين أهم أنشطته الشعرية .. كتابة الموال والقصيدة المقفاة والقصيدة النثرية ، وله في ذلك مجموعات ابداعية مخطوطة بالإضافة إلى اهتمامه بالبحوث التاريخية والأدبية وكتابة القصة القصيرة.. ومن النماذج التي أبدعها المؤلف في فن الموال الشعبي .. هذا الموال :

زل القلم ياصاح في حقهم زل

وان كان ما أنصف بيتا وزل

عذروني يا عزوتي من قلم لي زل

كلنا رباعه واليوم جونا هاني

راح ذاك الوكت واليوم جونا هاني

مرحوم باللي في القبر مرتاح هاني

ومغفور ياللي عليه بالأمس زل ..

هذا كما أن للمؤلف تحت الطبع حالياً بعض الإصدارات الأخرى ، من بينها : من تاريخ جزيرة تاروت ، ودارين المسك والشعر واللؤلؤ ، وديوان فهد بن سالم ..

وأما محتويات مضمون الكتاب وهو من القطع المتوسط وبصفحات تبلغ ( 210 ) صفحة بما في ذلك الفهرس ، فيشتمل على بابين ، الأول مكون من تسعة فصول خصصت لاضاءة  الجوانب التاريخية والأثرية لجزيرة تاروت وشعرائها ، والمجهولين منهم .. بالإضافة إلى استعراض جوانب أخرى من أنشطة سكانها وسكان منطقة الخليج عموماً في أعمال الغوص .. إلى جانب بحث نشأة الموال وتناول أقسامه وفنونه ، وتسمية النواخذة والنهامين والطواشين في الجزيرة .. كذلك لمحة عن أنواع المحار وطرق الملاحة التقليدية المؤدية للجزيرة .. وصناعة المراكب الشراعية بها .. ثم الإشارة إلى الرواة والمصادر لبعض الأشخاص الذين مازالوا على قيد الحياة وأثروا في عطائهم الفكري .. للموال ، وما زالوا يحفظون مئات من أبياته ومقاطعه .. بالإضافة إلى بعض المصادر المدونة في بعض الإصدارات المحلية والخليجية التي تناولت هذا الموضوع ..

فيما يتناول الباب الثاني وهو مكون من واحد وعشرين فصلاً خصصه المؤلف لاستعراض سيرة شعراء الموال الذين برزوا وأثروا بنشاطهم الشعري والشعبي في جزيرة تاروت خلال تلك الحقبة التي حددها ..

وفي إطار استعراضه للباب الأول يقدم المؤلف في الفصل الثاني منه لمحة خاطفة عن بعض أعمال الغوص في جزيرة تاروت والخليج العربي .. كما يتناول بعض أدبيات الغوص .. ويقول ربما يعتقد البعض ان الأدب اقتصر على النهامية والنواخذية في فترة الغوص . ولكن كان هناك ( المجدمي ) يعني بذلك ( الطباخ ) الذي يرافق الغواصين كما كانوا يسمونه ، والذي كان يجيد أو يحسن بعض نوعيات الأدب الشعبي .. فيشير في ذلك إلى بعض الأمثلة والموقف لواحد من هؤلاء (الطباخين ) وبعض ما قاله وهو الشاعر حسين المسيري :

باوصيك ياصاحبي عن ذي المعارة

بحذرك عن شرب التتن والجكاره

ماخافكم جاسم واختياره

كتفه احترق وشبت النار بالثوب

منت على الضر ياصاحبي مغصوب

وجعل التتن لا ينبت في شاره ..

كما يقدم أمثلة أخرى لبعض شعراء العصر الحديث أي عصر ما بعد الغوص أو عصر البترول كما أشار الذين حافظوا على تراث آبائهم ، فيذكر منهم الشاعر الشعبي علي بن حسن الدرازي وبعضاً من أشعاره الشعبية :

لول دكل وياشراع

وميداف طوله خمسة باع

واليوم يقال شوف اشكثر

دار وتغير ها لدهر

كل ساعة تسمع بالخبر

دعاية حصان البحر

بعد ذلك يشير في الرابع إلى نشأة الموال الشعبي في الخليج ، والذي يعتبر كأحد فنون الشعر الشعبي القديمة ..

ويقول: يعتبر الموال نوعا من الشعر قد يكون فصيحاً أو ملحوناً وقد يتألف من أربع أو خمس قواف متشابهة أو تكون القافية الثالثة مختلفة ولكنه يتألف على الأكثر من سبعة أشطر تتفق الثلاثة الأولى منها في قافية والثلاثة التالية في قافية .. ويلتزم الشطر السابع بقافية الأشطر الثلاثة الأولى .. ثم يشير إلى عروض الموال البسيط وتخطيط الموال المسبوع .. وارتباطه في الخليج بالغناء البحري بشكل خاص .. كما يبين إلى انه ينقسم إلى ثلاثة أقسام ..

1- الرباعي : وهو الرباعي أساسي الموال الحالي .. أما على صيغته القديمة فيعرف بالبدية ..

2- الخماسي : ذو حمسة أبيات ..

3- السباعي : وينقسم إلى خمسة أقسام هي : الزهيري ، السيفي ، القراميلي ، النهاني ، الأعرج .. كما يوضح بأن فنونه تنقسم إلى ستة أقسام هي : الدرسعي ، والريحاني ، والتنويخ ، والتنوير ، والنقيض ، والأبجدي .. ويذكر ان الموال المربوع هو الأساس لكل فروع المواليات منذ القرن الأول حتى وقتنا الحاضر .. ويقول إنني من خلال البحث وجدت هذا واضحاً في البحوث التي مرت ، والتي تشير إلى أن الموال بدأ منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وتطور في القرن الثامن للهجرة .. فقد كان أهل المدينة ينشدون الموال في استقبال الرسول .. فيشير إل ( قصيدة)  طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ... الخ .

كما يمر المؤلف في الفصل الخامس يإيراد قوائم لأسماء بعض النواخذة والنهامين والطواشين المعروفين في جزيرة تاروت لمراحل زمنية مختلفة ، مشفوعة بصور ( فوتوغرافية ) شخصية لبعضهم، ويذكر من بين الطواشين من ( دارين ) الشيخ محمد بن عبد الوهاب اليحاني السبيعي (1260 - 1324 هـ ) الذي كان من أكبر تجار اللؤلؤ في عصره ليس في جزيرة تاروت فحسب بل في الخليج العربي ككل، وهو من الشخصيات البارزة وقد نال لقب الباشوية من الدولة العثماينة ( آنذاك ) .. ويقول ان ثروته قدرت بـ ( 12000.000 ) روبية وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت ، وتوفي في بومبي بالهند عام 1324 هـ ..

ثم بعد أن يستعرض المؤلف بقية فصول الباب الأول حول أنواع المحار في الخليج وألوانه ، واللؤلؤ في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، والأدب العربي ، وطرق الملاحة المؤدية إلى جزيرة تاروت،  وصناعة المراكب الشراعية بها مستشهداً في ذلك ببعض الصور القديمة عن هذه الصناعة، وإلى أن يصل إلى نهاية الفصل التاسع والأخير من الباب الأول حول بحث الرواة والمصادر الذين يستقي منهم بعض مقطوعات الموال .. فيذكر أربعة عشر راوياً ونبذة عن حياة بعضهم .. كما يشير إلى ستة عشر مصدراً، منهم إصدارات محلية وخليجية وعربية ..

وأما الباب الثاني وهو مكون من واحد وعشرين فصلاً كما تقدم فيخصصها لشعراء الموال في جزيرة تاروت ، حيث يذكر المؤلف في سياق عرضه وضمن نبذة مختصرة يقدمها عن سيرة كل شاعر وأمثلة ونماذج حية من أشعاره التي قالها في مواقف ومناسبات مختلفة ..

ويبرز الفصل الأول عملاق الشعر الزهيري في جزيرة تاروت كما وصفه المؤلف الشاعر عيسى بن محسن الذي عاش خلال الفترة من ( 1295 - 1348 هـ ) .. ويقول عنه .. الشاعر عيسى بن محسن كان له صداه الواسع في حياته إلا انه منذ نصف قرن مضى كان كل شيء مضى معه، وقد أهمل جميع تراثه ، ولو كان ابن محسن في غير منطقته لما اندثر تراثه إلى هذا الحد .. مشيراً إلى أن الذي ساعد على اندثاره هو انتقال أشعاره إلى مناطق مختلفة من الخليج العربي ونسبتها إلى غيره .. كما يذكر نموذج من أشعاره ومواويله التي يصور فيها تصويراً دقيقاً لبعض الشفافية الوجدانية للمشاعر الإنسانية تجاه الكثير من المواقف المتباينة .. ومنها هذا الموال ..

ميزان الصحاب مايل والعد بعيد

ضنيت بينهم رجا رجواي صار ابعيد

كاتم حكيهم ابصدري من وراء ابعيد..

لا تعملون النميمة عيب يا أصحابي

لو يسكنون المدن عنهم سكنت ابعيد

.. وفي نموذج آخر من مواويل الشاعر يورد هذا لموال :

يابو حمد آه من فرق الولف فرقاه

دمعي سفح وانتشر مدري على فرقاه

مدري أنا بي ألم لو من عظم فرقاه

فرقاه فرع ضميري والهجر مرني

مابه مروه لو ساعه وقف مرني

من شهر عاشور ما شفته أبد مرني

لاعض كفى ندم اسفي على فرقاه ..

وفي نموذج ثالث للشاعر  عيسى بن محسن .. يقول في موقف عن الهجر اكثر (رومانسية) ..

كثر التناهيم وهجرانك نحل خاطري

ولا نامت العين عنكم ماسلا خاطري

وان كان يا زين خاطركم مثل خاطري

ايش السبب ماتداوي قلبي المجروح

قبل يبيد الجسم لو يبتلي بجروح

مرة تقلن تعال مرة تقلن روح

ماهو بالإنصاف منكم تبشعوا خاطري ..

وبذلك يستطرد المؤلف في استعراض بقية هؤلاء الشعراء وأمثلة ونماذج من اشعارهم بنفس السياق السابق .. وإلى ان يختتم الفصل الحادي والعشرين من الباب الثاني بالشاعر الحاج مهدي بن حسن بن عمران لينهي من خلاله بحثه عن هذه السلسة من كوكبة الشعراء الشعبيين في جزيرة تاروت الذين أثروا في عطائهم الشعري في مجال الشعر الشعبي والموال في منطقة الخليج ..

وبعد فلا شك ان الأستاذ علي ابراهيم الدرورة مؤلف الكتاب قد برزت جهوده الواضحة من خلال تجشمه لعناء البحث والتقصي ، وتمكنه في النهاية من الحصول على مجموعة لا بأس بها من هذه الكوكبة التي تشير الدلائل على انتهاء العصر الذهبي لنشاطهم الذي اقترن في الغالب بالبحر وأعمال الغوص واللؤلؤ في هذه المنطقة .. فضلاً عن عدم اهتمام الكثير من الباحثين والمؤسسات العلمية ودور النشر بجمع مثل هذا التراث العريق .. خاصة وإن الجهود الفردية ربما يعتريها بعض الإحباط والفتور أو عدم استكمال البحث لأسباب عديدة من أهمها قلة الإمكانات والصعوبات والعراقيل التي قد يواجهها .. كما حدث للأستاذ علي الدرورة من خلال إعداده لهذا الإصدار .. والذي يعتبر بكل المقاييس رغم وجود بعض الهنات الفنية به مصدراً ومرجعاً قيماً للباحثين والمهتمين بشئون الشعر الشعبي والموال في جزيرة تاروت خاصة وفي منطقة الخليج العربي بصورة عامة .

 

 

 



» التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!

أول موقع محلي عربي لجزيرة تاروت
على شبكة الإنترنت

Copyright © 1999 - 2012
www.tarout.info