.. ::: موقع جزيرة تاروت ::: ..
» شعر وأدب

  


ليست هناك مفردة مترعة بالموسيقى التي ترقص لها الاذن العربية مثل مفردة المطر... هي لم تصبح مفهوما ولكنها تحمل من الايحاءات مالا يتسع له أي مفهوم على الاطلاق.. ولا اظن ان هناك لغة تضم بين جوانبها تقديسا وشغفا وحبا للمطر.. تضاهي اللغة العربية.. لقد اصبح المطر فيها اجمل تعبير عن الحب:

وحديثها كالقطر يسمعه          
           راعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيا          
          ويقول من فرح: هيا ربا


كما أنه أصبح أبلغ تعبير عن الفجيعة والحرمان والفقد:

وحشة المجدب المقل دهته          
          نقلة الغيث حين كاد يصوب


وقد صنع المطر في كثير من المجتمعات الوانا من الطقوس والتقاليد... فالدعاء بالمطر، لا بالجنة، كان هو السائد في العصر الجاهلي.. والغريب أن (السقيا) سيطرت على الشعر الاندلسي.. تلك البلاد التي لا تشكو بخلا مطريا.. ولكنها عدوى اللغة التي دفعت شاعرا اندلسيا يتغزل لا بالمطر وحسب بل بـ(دارين) التي لم يرها.. ولو رآها لحثا على رأسه التراب.

منذ أزمنة بعيدة كانت هناك الوان من العبادة لاستدرار المطر... فكانت هناك - مثلا - آلهة للمطر عند الفينيقيين اسمها (أم طحبو) اما البابليات فكن يصلين للاستقساء بشكل يشبه تماما ما نشاهده الآن على شاشات الفضائيات الخليجية.. حيث الراقصات المصاحبات للمطرب الذي (ينبت في الرأس قرونا) كما يقول العباس بن الاحنف.. يملن شعورهن يمينا وشمالا في الهواء الطلق استدرارا للمطر.. كما انه هنا استدار للإعجاب.

لماذا هذا الاحتفاء بالمطر؟

أظن أن هذا السؤال ضرب من اللغو.. فالاحتفاء بالمطر لا يحتاج الى ذكر الاسباب: فالحياة في الصحراء (والبلاد العربية معظمها صحراء) قائمة على المطر.. فالشعر الطللي الجميل سببه المطر وانتقال الحبيبة مع اهلها الى مساقطه واخضرار عشبه..

قريتي كانت جارة للصحراء، وكان لوالدي - رحمه الله - صديق بدوي اسمه (سعد بن وارد الهاجري) حين يلتقيان بعد حين من الدهر يكون اول سؤال من والدي لسعد هو: كيف المطر؟ قبل السؤال عن الاهل والاحوال.
الآن حاجتنا الى المطر اصبحت اضعافا مضاعفة.. لا لسواد عيون الراعيات الجميلات.. بل لأجل اطفاء العطش: فالنفوس في ازدياد مرعب، والمياه الجوفية نضبت او كادت.. والمطر نكاد نسأل: هل مات حتى نقرأ على روحة الفاتحة.. ام لا يزال حيا؟

في عصرنا هذا ومنذ الشاعر الخالد السياب تحول المطر الى بؤرة للرمز، وراح كل شاعر يحمله ما تستطيع مخيلته ان تصطاده من اللمحات او طيور الرؤيا.. وعاد صوت ابي تمام الذي لم يسمعه أحد في عصره (كما أظن) إلى الدوي:        

مطر يذوب الصحو منه وبعده           
           صحــــــــــــــــــــــــو يكـــــــــــــــــــــــــاد مــــــــــــــــــــــن الـعـذوبــــــــــــــــــــــــــة  يمـطــــــــــــــــــــــر



» التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!

أول موقع محلي عربي لجزيرة تاروت
على شبكة الإنترنت

Copyright © 1999 - 2012
www.tarout.info